Tarjamada Masaarida iyo Galbeedka
تراجم مصرية وغربية
Noocyada
وعلى أثر هذا الحادث عقدت المحكمة المخصوصة التي شكلت بديكريتو سنة 1895 لتنظر في هذه القضية وحكمت على أربعة من الأهالي بالإعدام وثمانية بالجلد وآخرين بالأشغال الشاقة، ونفذ هذا الحكم بطريقة همجية لا عهد للإنسانية بها منذ عصورها المظلمة، فقد نصبت المشانق التي أرسلت إلى قرية دنشواي قبل صدور حكم المحكمة أمام منازل الأهالي مباشرة ونصبت إلى جانبها آلات الجلد، وغداة صدور الحكم نفذ على صورة يقشعر من هولها البدن، فكان كل محكوم عليه بالإعدام يعلق في المشنقة ويبقى معلقا أمام أنظار أهله وأبنائه إلى أن يجلدوا اثنين من المحكوم عليهم بالجلد، وكان هؤلاء يجلدون بكرابيج ذات ثمانية ألسن معقود طرف كل لسان منها بقطعة من الرصاص، ومن حول المشانق والمجالد وفوق أسطح المنازل وقف الناس من أهل هؤلاء التعساء وذويهم يشهدون جلودهم تشوى بالكرابيج وجثثهم فارقتها أرواحها معلقة في المشانق، ومستشار الداخلية الإنجليزي واقف يحافظ على النظام لهذا المشهد الذي أبدعته إنجلترا في مطلع القرن العشرين، ما أشدها وحشية! وما أتعسها حضارة!
هنا يجب أن يرتفع الصوت عاليا دفاعا عن الرحمة وعن الإنسانية وعن العدالة وعن كل المعاني التي جاهدت الإنسانية أجيالا وقرونا لتثبيتها في النفوس، وأي صوت أرفع من صوت مصطفى كامل، وأي أسلوب وجداني كأسلوبه! وهذه الدعاية السياسية التي فشلت بإزاء قوة إنجلترا في أوربا وفي مصر لا بد أن تنجح إذا استغلت لكشف هذا الظلم وللاستفادة منه لتحريك النفوس، وقد نجح مصطفى كامل في هذا أكبر نجاح، والحق أنه لم يرتكب في التاريخ الحديث فظاعة تعدل فظاعة تنفيذ حكم دنشواي، ولم تثر حادثة من الحوادث الشعور القومي في مصر ما أثارته هذه الحادثة، ولقد صدق مصطفى كامل إذ قال: إن عشرات السنين كانت أقصر من أن تحيي شعور الشعب كما أحياه هذا الحادث؛ لذلك ظل يكتب ويخطب في مصر وفي إنجلترا بيانا لبشاعة هذا الظلم الذي بلغ من بشاعته أن اضطر لورد كرومر إلى اعتزال منصبه في مصر مع اعتراف الكل له بأنه من أقدر الساسة البريطانيين وأعظمهم أثرا في حياة الإمبراطورية.
على أن المصريين كانوا قد رأوا فشل السياسة الأولى التي جروا عليها: سياسة الاعتماد على فرنسا ثم على أوربا ثم على الباب العالي، وقدر جماعة منهم أن لا بد من الأخذ بسياسة أخرى هي إعداد الأمة بأدوات الاستقلال من علم وخلق وغرس الإيمان بنفسها في نفسها لا لمجرد كراهية الإنجليز ولا حبا في الباب العالي ومقام الخلافة السامي، ولكن حبا في الاستقلال والحرية لذاتها، وكان لطفي بك السيد وزير المعارف السابق لسان الذين فكروا هذا التفكير والذين اعتزموا لبث دعوتهم إصدار جريدة «الجريدة»، على أن نفس مصطفى كامل لم تطاوعه ليرى في ميدان الخدمة السياسية العامة من يرى غير رأيه؛ لذلك هاجم «الجريدة» قبل صدورها وهو من أعرف الناس بصديقه لطفي السيد وبالذين كانوا على رأيه، ولعل هذا الخلق في الزعيم الشاب هو الذي دعاه أن يبعث من أوربا على أثر إعلان المرحومين سعد زغلول باشا وقاسم بك أمين تشكيل لجنة لتأسيس جامعة مصرية أهلية محتجا على عملهم بأنه سبقهم إلى الفكرة فيجب أن يكون تنفيذها تحت رعايته.
وخلف سير الدون غورست لورد كرومر كمعتمد لإنجلترا في مصر، فجرى مع الخديو على سياسة غير سياسة المشادة والنزاع التي كانت سائدة بين عابدين وقصر الدوبارة إلى ذلك التاريخ، وطمع الخديو في أن ينال من وراء هذا الاتفاق مع معتمد بريطانيا سلطة لعل السعي لها هو الذي دفع به لاصطفائه من اصطفى من الشبان ليعلموا باسم مصر كي يخليها الإنجليز فتبقى السلطة فيها محصورة في يد حفيد إسماعيل، وغير ذلك من الخديو على مصطفى كامل، وذلك شأن الملوك، يصطفون من يصطفون ما دام لهم في ذلك مأرب خاص، فإذا انقضى المأرب انصرفوا عنه وأنكروه، ثم إن مصطفى رأى دعوة لطفي السيد إلى الاستقلال التام أبعد مدى من الدعوة إلى جلاء إنجلترا وبقاء مصر تابعة لتركيا؛ لذلك قال في الخطبة البديعة التي ألف بها الحزب الوطني وألقاها في تياترو زيزينيا بالإسكندرية ما نصه: «فليعلم أعداء مصر أننا نطلب لها الاستقلال، ونطلب لها ذلك الاستقلال بأعلى أصواتنا وعلى مسمع من أمم الأرض كلها، وأننا إذا خطبنا الود لأمة أو لدولة فإنما نعمل كغيرنا ونتبع ناموس الطبيعة القاضي بأن من اتفقت مصالحهم يجتمعون ويتناصرون.» ومع هذه الكلمة الصريحة في المطالبة بالاستقلال والحرص عليه كانت الفقرة الأولى من برنامج الحزب الوطني هي استقلال مصر الداخلي وفاقا لمعاهدة لندرة في سنة 1840، ولعل ذلك إنما نص عليه تفاديا من معارضة القانون والتعرض لتهمة التآمر لقلب النظام الذي كان موجودا.
ولم يوهن فتور العلاقات بين مصطفى كامل والخديو ولا الخلاف بينه وبين الأحزاب المصرية الأخرى من همته العالية في الدفاع عن منكوبي دنشواي، وقد كلل مسعاه بالنجاح فصدر الأمر العالي بالعفو عنهم في عيد جلوس الخديو الذي تلا هذه الحوادث أي في 8 يناير سنة 1908. •••
بعد ذلك بشهر واحد كان مصطفى كامل على سرير المرض ينتظر الموت في ثبات وصبر، والأمة من حوله يخفق قلبها فرقا على هذا الابن البار الذي أذكى ضرام الوطنية في شبيبتها، فلما كان يوم 10 فبراير أطبق الموت جفني الزعيم الشاب وما يزال في مقتبل عمره، ولما يبلغ الخامسة والثلاثين، لكن هذه السنوات الثلاث عشرة التي جاهد فيها مصطفى (من 1895-1908) هي في الواقع حياة طويلة؛ لأنها حياة جليلة بنشاطها وبأعمالها، جليلة بإيمانها وسعيها، وفي عصر ذلك اليوم بينا أنا جالس مع زميل لي من طلبة الحقوق مر بنا من نعى الزعيم لنا، وفي اليوم التالي خفق قلب مصر من أقصاها إلى أقصاها حزنا عليه وجزعا ألا يخلفه من يكون مثله ذكاء ومقدرة وقوة إيمان.
وودع مصطفى هذا العالم وقد عمل لوطنه في عشر سنوات ما لم يعمله غيره في عشرات السنين، بل ما لم تعمله أجيال بأسرها؛ لذلك بقيت ذكراه تحييها مصر كل عام، ومن حيت ذكراهم فأولئك لهم الخلد في ضمير الدهر وكفى بذلك جزاء موفورا.
قاسم بك أمين
كلما ذكر اسم قاسم أمين
1
Bog aan la aqoon