Tarajim Mashahir
تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر (الجزء الأول)
Noocyada
أمور يضحك السفهاء منها
ويبكي من عواقبها اللبيب
هكذا قلت لسعادة محمد باشا النادي، والمرحوم علي باشا الروبي المتهمين معي في مسألة الإحاطة بديوان المالية، وفي ذلك الاجتماع صار جعلنا نحن الثلاثة من ضمن الياوران الذين بمعيته - عجبا وألف عجب - لكن بعد أسبوع انخلع علي الروبي من العسكرية، وتعين رئيسا لمجلس المنصورة، وأبعد نادي باشا بآلايه الجديد إلى الإسكندرية، ثم صار طلبي إلى ديوان المالية فذهبت إلى ناظرها المرحوم راغب باشا، فأخبروني أن أهالي جرجا وأسيوط ومديريات الوجه القبلي قد انتخبوني أمينا من طرفهم في تسليم 700 ألف إردب قمح وشعير وفول إلى بنك قطاوي، وبيجة وأجيون بإسكندرية لسداد ما عليهم من الديون، والله أعلم أن الأمر غير ذلك، وأنا أعلم أيضا ... ومع ذلك توجهت إلى الإسكندرية وأديت تلك المأمورية التي حقيقتها سلفة نصف مليون تنتوا أخذتها الحكومة لتسديد بعض الأقساط من أرباح الدين المصري. وفي 7 رجب سنة 1296 صار خلع المرحوم إسماعيل باشا وتولية المرحوم توفيق باشا، وشاهدت الاحتفال بتوديع الخديوي المخلوع بحق حين إنزاله في السفينة من أسكلة سكة الحديد منفيا إلى بلاد إيطاليا، كما أنزل منها عمه حليم باشا منفيا إلى القسطنطينية، فانظر إلى آثار قدرة الله تعالى، واعلم أنه يكال لك بالكيل الذي تكيل به، وعلى هذا انتهت مدة ولاية إسماعيل باشا كما علمت ولم أنل منه رتبة ولا نيشانا ولا اختصني بجارية من جواريه، ولا أصبت منه خيرا قط، ولا أقسمت على الدفاع عنه كما ذكرتم، ولا خدمت بمعيته أصلا، ولا انتهرني أبدا، ولا صحت حول سرايه، ولا قال عني ما ذكرت أن صوتي أكثر قعقعة أو قرقعة من الطبل وأقل نفعا منه، وقد تحملت مدة ولايته بكل صبر وثبات جأش على تحمل الظلم والاستبداد بل الاستعباد، ومكثت برتبة القائمقام 19 سنة وأنا أنظر إلى اليوزباشية والملازمين الذين كانوا تحت إدارتي، وقد صار بعضهم أميرالاي، وبعضهم أمير لواء، وبعضهم أمير الأمراء أعني باشوات وفرقاء وانهمرت عليهم سحب الإنعامات والإحسانات فاقتطعوا الإقطاعات الواسعة، وأخذوا القصور العالية، وأغدقت عليهم الخيرات، وهم يعلمون قوتي واستعدادي، ولقد اجتهد صاحب الدولة حسين كامل باشا عم الحضرة الفخيمة الخديوية إذ ذاك في ترقيتي إلى رتبة أميرالاي، ولكن لم يقبل منه ، وأخيرا قال لي: «إني بذلت ما في وسعي في طلب ترقيتك، ولكن قيل لي: إنك من رجال سعيد باشا.» فعجبت لذلك، وقلت له: إني من رجال الوطن، وبلدي اسمها هرية رزنة بمديرية الشرقية، ولست مملوكا لأحد، فطيب خاطري ولاطفني وقال لي: «لا تفتر همتك، وسأواصل السعي في إنصافك» فشكرت له، وخرجت وأنا أشعر بأني لا أنال خيرا في مدة أبيه، وكنت أتوسم كل خير في المرحوم توفيق باشا، ولكن من اعتمد على غير الله سبحانه وتعالى أخلاه الله منه؛ لأنه سبحانه غيور على عباده المؤمنين.
شكل 33-3: أحمد عرابي أمام منزله في سيلان.
خاتمة أمري:
ولما تولى المرحوم توفيق باشا مسند الخديوية، وحضر إلى الإسكندرية أحسن علي برتبة أميرالاي على الآلاي الرابع، فتوجهت إلى رأس التين وقدمت تشكراتي وامتناني إلى حضرته الكريمة ودعوت له بخير، ثم جعلت من ضمن ياوران الخديوي، ولما صار المرحوم عثمان رفقي باشا الشركسي ناظر الجهادية في وزارة مصطفى رياض باشا واستبدوا بالإدارة: لا يسأل كل من النظار عما يفعل في إدارته، واستخفوا بأمر الخديوي كل الاستخفاف وخصوصا عثمان رفقي لجهله وعجبه، خيلت له نفسه أن يمنع ترقية المصريين من العساكر العامل في الآلايات والاكتفاء بما يستخرج من المدارس الحربية، وصدرت أوامره بذلك، ثم أردفها بإحالة عبد العال حلمي بك أميرالاي السودان على ديوان الجهادية ليكون معاونا، وكان عمره إذ ذاك أربعين سنة ليس إلا، ورتب بدله خورشيد نعمان بك من جنسه على الآلاي المذكور، وكان سنه فوق الستين وهو ضعيف لا يقدر على الحركة العسكرية، وبرفت أحمد بك عبد الغفار قائمقام السواري وترتيب شاكر بك طمازة من جنسه بدله وهو طاعن في السن، ثم ختمت تلك الأوامر وصار قيدها بدفاتر الجهادية، وكنت لا أعلم بشيء من ذلك أصلا، وإنما دعيت إلى وليمة وسماع تلاوة القرآن الشريف بمنزل المرحوم نجم الدين باشا لمناسبة عودته من أداء فريضة الحج الشريف، وكان ذلك ليلة 14 صفر سنة 1298 ولما وصلت إلى منزل الداعي وجدته غاصا بالذوات العسكرية وغيرهم، فجلست بجوار المرحوم نجيب بك وهو رجل كردي الأصل، وبجانبه المرحوم إسماعيل كامل باشا الفريق، وهو شركسي الأصل، ولكنه يتظاهر بحب العدل والإنصاف، فأخبر نجيب بك بما صار، وأنه نصح ناظر الجهادية بالإعراض عن هذا الإجحاف فلم يصغ لقوله، ولذا فهو ساخط ومضطرب، ثم أوعز إليه أن يخبرني بما سمع منه، فأخبرني نجيب بك بحقيقة الحال همسا في أذني، فقلت لإسماعيل باشا كامل: «أحق هذا؟» فقال: «نعم، وأعطيت الأوامر إلى الكتبة للإجراء على مقتضاها.» فقلت له: «إن تلك لقمة كبيرة لا يقوى ناظر الجهادية عثمان رفقي على هضمها.» وبعد تناول طعام المأدبة حضر لي أحد الضباط، وأخبرني بأن كثيرا من الضباط ينتظرونني بمنزلي، وفيهم عبد العال بك حلمي وعلي بك فهمي، فأسرعت إليهم وهم في هياج عظيم، وقد بلغهم صدور أوامر ناظر الجهادية قبل إرسالها إليهم، فلما رأوني أخبروني بما سمعته من المرحوم إسماعيل باشا كامل ، فقلت لهم: «قد سمعت من غيركم، فماذا تريدون؟» فقالوا: «إنه ليس ذلك فقط، بل إنه قد كثر اجتماع الشراكسة بمنزل خسرو باشا الفريق صغيرا وكبيرا، وهم يتذاكرون في تاريخ دولة المماليك في كل ليلة بحضور عثمان رفقي باشا ويلعنون حزبك، ويقولون: قد حان الوقت لرد بضاعتنا، وأنهم لا يغلبون من قلة، وظنوا أنهم قادرون على استخلاص مصر وامتلاكها كما فعل أولئك المماليك.» وقد تحققوا ذلك ممن يوثق بخبره، فقلت لهم: «وماذا تريدون إذن؟» فقالوا: «إنما جئناك لأخذ رأيك فيما دهمنا من الخطب العظيم.» فقلت لهم: «أرى أن تطيبوا نفوسكم، وتهدئوا روعكم، وتعتمدوا على رؤسائكم، وتفوضوا لهم النظر في مصالحكم، وهم ينتخبون لهم رئيسا منهم يثقون به كل الوثوق، ويطيعون أمره ويحفظونه بمعاضدتكم.» فقالوا كلهم: «قد فوضنا إليك هذا الأمر، وليس فينا من هو أحق به وأقدر عليه منك.» فقلت لهم: «لا، انظروا غيري وأنا أسمع له وأطع وأنصح له جهدي» فقالوا: «لا نبغي غيرك ولا نثق إلا بك.» فقلت: «ارجعوا لأنفسكم فإن هذا أمر عصيب لا يسع الحكومة إلا قتل من يقوم به أو يدعو إليه.» فقالوا : «نحن نفديك ونفدي الوطن بأرواحنا.» فقلت لهم: «أقسموا لي على ذلك.» فأقسموا. وفي الحال كتبت عريضة إلى دولة رئيس النظار رياض باشا مقتضاها الشكوى من تعصب عثمان رفقي لجنسه والإجحاف بحقوق الوطنيين، والتمست فيها تشكيل مجلس نواب من نبهاء الأمة المصرية تنفيذا للأمر الخديوي الصادر إبان توليته. ثانيا: إبلاغ الجيش إلى ثمانية عشر ألفا تطبيقا لمنطوق الفرمان السلطاني. ثالثا: تعديل القوانين العسكرية بحيث تكون كافلة للمساواة بين جميع أصناف الموظفين بصرف النظر عن الأجناس والأديان والمذاهب. رابعا: تعيين ناظر الجهادية من أبناء البلاد على حسب القوانين العسكرية التي بأيدينا. ثم تلوت العريضة هذه على مسامع الجميع، فوافقوا كلهم عليها، فأمضيتها بإمضائي وختمتها بختمي، وختم عليها أيضا علي فهمي بك أميرالاي الحرس الخديوي، وعبد العال بك أميرالاي السودان، ولما تم ذلك صار ترتيب ما يلزم لحفظ الذات الخديوية وحفظ أعضاء العائلة الخديوية، وحفظ الوزراء والأمراء الوطنيين إذا حدث أي حادث من الضباط الشراكسة الطامعين في التغلب على البلاد مع ترتيب اللازم لحفظ البيوت المالية وبيوت التجار من الأجانب والوطنيين من مطامع الرعاع، وحفظنا أيضا من بطش الحكومة إذا أرادت الإيقاع بنا، وارفض الاجتماع على ذلك، وما دعانا إلى طلب إنشاء مجلس نواب للأمة ينظر في صوالحها ومصالحها إلا ما حل بالمرحوم إسماعيل صديق باشا الحائز لرتبة المشيرية التي من لوازمها حفظ صاحبها ولو باستعمال السلاح في عهد الخديوي الأسبق إسماعيل باشا بسبب كلمة حق قالها، وما حل بحضرة السيد حسن موسى العقاد بسبب كلمة عدل أراد بها مساواة الأهالي الذين دفعوا للحكومة سبعة عشر مليون 17000000 من الجنيهات المصرية باسم المقابلة، و5000000 أخرى باسم السهام بالأجانب أصحاب الديون وما حصل لكثير من القتل والخنق في السجون بغير حق ولا تحقيق، بل بمجرد ظلم وإجحاف واستعلاء على الناس بالقهر والجبروت بما تأباه النفوس الشريفة، وفي ضحوة الغد ذهبت إلى ديوان الداخلية، وقدمت العريضة المذكورة إلى دولة رئيس النظار، فقال لنا: «سأنظر في هذا الأمر، وأتكلم مع ناظر الجهادية.» وبعد يومين ذهبت إلى بيت الرئيس المذكور ومعي الأميران المذكوران، فلما تمثلنا بين يديه وسألناه عما تم في هذا الأمر، فقال: «إن هذا الطلب مهلك، وهو أشد خطرا من العرض الذي قدمه أحمد أفندي قني الذي أرسل بسببه إلى السودان.» (وتحرير الخبر أن أحمد أفندي قني هذا كان كاتبا بديوان المالية، وكان طلب المساواة مع خدمة الديوان المذكور لظلم حاق به، فكان جزاؤه إرساله إلى مقبرة الأبرياء من المصريين بالسودان.) فأجبته: «بأننا لم نطلب إلا حقا وعدلا، وليس في طلب الحق من خطر، على أننا نعتبرك أبا للمصريين، فما هذا التعريض، وما هذا التهديد!» فقال: إنه ليس في البلاد من هو أهل لمجلس النواب، فقلت له: «عجبا! إنك مصري وباقي النظار مصريون والخديو أيضا مصري، أتظن أن مصر ولدتكم ثم أعقمت؟! لا، بل فيها العلماء والفضلاء والنبهاء والبلغاء، وعلى فرض أنه ليس فيها من يليق كما ظننت، أفلا يمكن إنشاء مجلس يستمد معارفكم ويكون كمدرسة ابتدائية، وبعد خمسة أعوام يتخرج منها رجال يخدمون الوطن بصائب فكرهم، ويعضدون الحكومة في مشروعاتها الوطنية!» فانبهر لذلك، وقال لنا: «سننظر بدقة في طلباتكم هذه.» فانصرفنا على ذلك. ولما كان يوم غرة ربيع الأول سنة 1298 انعقد مجلس تحت رياسة الخديوي بعابدين، حضره جميع الباشوات المستخدمين والمتقاعدين وكلهم من الترك والشراكسة إلا قليلا من الأوربيين، وقرروا فيه لزوم توقيف الثلاثة أمراء الآلايات الذين أمضوا على العريضة المتقدمة الذكر، ثم إجراء محاكمتهم في مجلس مخصوص مختلط من رجال الجهادية، فقال رئيس النظار رياض باشا: «إني أرى أنه إذا صار توقيف الميرالايات المذكورين يلزم أيضا توقيف ناظر الجهادية؛ لأن في عدم توقيفه مثلهم خطرا عظيما، وذلك لما رأيته فيهم من الجراءة»، فلم يوافق المرحوم الخديوي على ذلك، وتعهد ناظر الجهادية المذكور بأنه ضامن لأخذنا بسهولة، وفي الحال دعي المرحوم أحمد خيري باشا الشركسي، وكان مهر دار الحضرة الخديوية وصاحب الرأي النافذ، فحضر وتلا بالمجلس المذكور أمرا فحواه «أن هؤلاء الثلاثة أمراء: أحمد عرابي وعلي فهمي وعبد العال حلمي مفسدون في الأرض، وأنه يقتضى توقيفهم من الخدمة ومحاكمتهم على إفسادهم، ومجازاتهم بأشد أنواع الجزاء في مجلس عسكري فوق العادة تحت رياسة ناظر الجهادية، ويكون من أعضائه أسطون باشا رئيس أركان الحرب (وهو أمريكي) وناظر المدارس الحربية أرفي باشا (وهو فرنساوي).» فوقع الخديوي عليه، وسلمه إلى ناظر الجهادية عثمان رفقي باشا، وارفض المجلس بعد ذلك، وفي المساء أرسل ناظر الجهادية لكل منا تذكرة يدعونا فيها للحضور إلى ديوان الجهادية بقصر النيل في غد يوم 2 شوال سنة 1298 لنشهد الاحتفال بزفاف شقيقة الحضرة الخديوية المرحومة جميلة هانم، وكان وقت زفافها لم يحن بعد، فتيقنا أنه يريد خدعتنا والبطش بنا، فالتجأنا إلى جانب الحق سبحانه وتعالى وأخذنا حذرنا ثم أعددنا ما يلزم لنجاتنا إذا اقتضت الحال ذلك، وحين حلول الوقت المعين ذهبنا إلى ديوان الجهادية فوجدناه غاصا بجمع الشراكسة من رتبة الفريق إلى رتبة الملازم الثاني، وجميع شبانهم بأيديهم الطبنجات ذوات 6 طلقات مملؤة بالخراتيش، وكلهم في فرح ومرح، ولا فرح هناك ولا زفاف، فلما حضرنا دعينا للحضور أمام مجلس الهلاك فأجبنا طائعين، وتلي الأمر الخديوي الآنف ذكره، ثم أمرنا بتسليم سيوفنا فأطعنا على هذا التسليم وما يعقبه من السجن، وهو مخالف للفظ الحكم بالتوقيف، ثم تعين بحضرتنا من يستلم إمرة الآلايات، وساقونا إلى السجن في قاعة بقصر النيل، فممرنا بين صفين من الشراكسة المسلحين، وبعد إقفال باب السجن جاء خسرو باشا، وكان رجلا صلفا جاهلا فوقف خارج السجن، وقال: «إيه زنبيل لي همفلر»؛ يعني فلاحين شغالين بالمقاطف، ولما أقفل علينا باب الغرفة قال علي فهمي بك أحدنا: «والله لا نجاة لنا من الموت، وأولادنا صغار.» وجزع جزعا شديدا، فأردت تثبيته، وقلت له متمثلا بقول الإمام الشافعي رضي الله عنه:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى
ذرعا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكان يظنها لا تفرج
Bog aan la aqoon