Tanbih
التنبيه على حدوث التصحيف
Tifaftire
محمد أسعد طلس
Daabacaha
دار صادر
Daabacaad
الثانية
Sanadka Daabacaadda
١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م
Goobta Daabacaadda
بيروت (بإذن من المجمع العلمي العربي بدمشق)
بسم الله الرحمن الرحيم
وما توفيقي إلا بالله
أطال الله بقاءك في العز والسرور، والأمن والحبور، وأدام نسمتك مُعانًا على ابتناء المكارم، واصطناع المحامد، وأقرَّ بها عينك في زيادة من القدر، ونباهةٍ من الذكر، وبلغك أمانيك محروسًا من المكاره والغِيَر، وأطاب عيشك في تراخي الأمد، وبُعد المهل، مؤيدًا بالتوفيق في القول والعمل.
سألت، أنجح الله سؤلك، أن أذكر لك سبب حدوث التصحيف في الخط العربي، واعتراض اللبس في تهجَّيه، حتى اضطروا على ممر السنين عليه، إلى توليد النقط والإعجام فيه، وقلت: قد فضح التصحيف في دولة الإسلام خلقًا من القضاة والعلماء والكتَّاب والأمراء وذوي الهيئات من القرّاء؛ كحيان بن بشر قاضي أصفهان، وقد تولى قضاء الحضرة أيضًا، فإنه كان روى لأصحاب الحديث أن عَرْفَجَة قُطع أنفُهُ يومَ الكلاب، وكان مستمليه رجلًا يقال له كَجَّة، فقال: أيها القاضي إنما هو يوم الكُلاب - كغُراب -[موضع وماء] فأمر بحبسه، فدخل
1 / 1
الناسُ إليه، وقالوا: ما دهاك؟ فقال: قُطع أنف عرفجة يومَ الكُلاب في الجاهلية، وامتُحنتُ أنا به في الإسلام؛ وكان أحمد بن موسى بن إسحاق من جلّة قضاة السلطان؛ فانه أملى بأصبهان على أصحاب الحديث؛ حدثني فلان بن فلان عن هندٍ: أن المعتوه، يريد؛ عن هند؛ أن المغيرة.
وزعمتَ أن المحدثين بالبصرة غبروا زمانًا يروون أن عليًا (رض) قال: ألا إن خراب بصرتكم هذه يكون بالريح. فما أقلعوا عن هذا التصحيف إلا بعد مائتي سنة عند معاينتهم خرابها بالزنج، وأن كثيرًا من رواة الحديث يروون أن النبي ﷺ قال: تختّموا بالعقيق، وإنما قال: تخيّموا بالعقيق، وهو اسم وادٍ بظاهر المدينة، وأنك سمعت رجلًا من جلّة المحدّثين يروي أن مرحبًا اليهودي قتله عليّ يوم حنين وإنما قتله يومَ خيبر، وأن محدثًا يروي أن رسول الله ﷺ كان يكره النَّوم في القدر، وإنما كره ﷺ الثوم في القِدْر، كما روى آخر أن رسول الله ﷺ، كان يستحب العَسَل في يوم الجمعة، وإنما كان يستحب الغُسل فيه، وإن رجلًا آخر روى أنه قال ﷺ: الجار أحق بصفته وإنما هو بصَقيه كما روى من روى أن رسول الله ﷺ: بلع قديدًا، يريد: بلغ قُديدًا وروى آخر: لا بأس أن يصلي الرجل في كمّه سنّورة، وإنما هي سبّورة وهي الألواح من الأبنوس يكتب فيها
1 / 2
التذكرات. وروى آخر: لعن الله اليهودَ، حرمت عليهم الشحوم فحملوها، وإنما هي: فجملوها أي أذابوها، وروى آخر: من أنزلت إليه نعمة فليشكرها، وإنما هو: أُزِلّت، أي أُسديت. ورووا: عم الرجل ضيق أبيه، وإنما هو: عم الرجل صنو أبيه أي شبهه، ورووا أن الحارث بن كَلَدَة كان يقعد في مقتأةٍ له، وإنما هو: مقناةٍ له، وهي كل موضع يواجه مدار بنات نعش فلا تقع فيه الشمس وإن الحارث بن كَلَدَة كان يقول: الشمس تنقل الريح، وإنما هو: تنفل. ورووا أنه نُهي عن لبس القِسِيِّ، وإنما هو: القَسِيُّ وهو ثوب رقيق النسيج قبطي منسوب إلى قرية من قرى مصر تسمى قَسا، كما أن الشطوي منسوب إلى قرية هناك تسمى شَطَا، والديبقي إلى قرية تسمى ديبقا، وإن الشيرجي، وكان إمامًا من أئمة الحنبلية اجتاز بمسجد فيه مُعَزّى، فخرج عليه منه نحويّ بغيض، فقال له الشيرجي: من المتوفي؟ فقال النحوي: اللهُ، فلبّبه وقال: زنديق والله ورفعه إلى صاحب الجسر، ورووا أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ وعلى يده سخلةُ تبعر، وإنما هو: تَيْعر أي تعوَت، واليُمار صوت اليَمْر وهو الجدي.
1 / 3
وزعمت أنك حضرت رجلًا من الكبراء وقد قرأ في المصحف ﴿يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والديك﴾ فخالف قول الله ﷿ ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب﴾ وأن عبد الله بن أحمد بن حنبل تقدم قومًا يصلي بهم فقرأ ﴿اقرأ باسم ربك الذي خُلق﴾ فقال له قائل: أبوك ضرب بالسياط على أن يقول كلام الله مخلوق، وقد جعلت خالق الأشياء مخلوقا! وأنه قرأ يومًا آخر ﴿هو الله الخالق البارئ المصور﴾، وقرأ آخر ﴿والماديات صبحا﴾ كما قرأ آخر ﴿وفرش مرقوعة﴾ وقرأ آخر ﴿وأخذ برأس أخيه يجزه إليه﴾ كما قرأ آخر ﴿فكذبوهما فعزرنا بثالث﴾.
وذكرتُ أن إبراهيم بن أرومة الأصبهاني حكى أن عثمان بن أبي شيبة قرأ ﴿جعل السقاية في رجل أخيه﴾، وقرأ ﴿وما علّمتم من
1 / 4
الخوارج مكلبين﴾ وقرأ ﴿واتبعوا ما تبلو الشياطين على ملك﴾. وإن الوليد ابن عبد الله صلَّى بالناس وهو خليفة فقرأ في أم الكتاب ﴿صراط الذين أنعمتُ عليهم﴾ وقرأ يومًا آخر على المنبر ﴿يا ليتها كانت القاصية﴾ فسمعها عمر بن عبد العزيز فقال: يا ليتها كانت بك.
ثم قلت: ودع هؤلاء، هذا حماد الرواية سمى بشارُ الشاعر به إلى عقبة بن أسلم أمير البصرة أنه يروي جلّ أشعار العرب ولا يحسن من القرآن غير أم الكتاب فامتحنه الأمير بتكليفه القراءة في المصحف فصحَّف فيه عدَّة آياتٍ لم يبق على الحفظ منها إلا عدة وعشرون حرفًا وهي:
﴿وأوحى ربك إلى النخل أن اتخذي من الجبال بيوتًا﴾ و﴿من الشجر ومما يفرشون﴾ ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها أباه﴾ و﴿ليكون لهم عدوًا وحربًا﴾ و﴿ما يجحد بآياتنا إلا كل جبار كفور﴾ و﴿بل الذين كفروا في غرّة وشقاق﴾
(١) سورة ٥ آية ٥ والصحيح من الجوارح.
1 / 5
و﴿فعززوه ونصروه﴾ و﴿تُعزّزوه وتوقروه﴾ و﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأنٍ يغنيه﴾، ﴿هم أحسن أثانًا وزيًا﴾ و﴿قال عذابي أصيب به من أساء﴾ و﴿يوم يحمى غليها في نار جهنم﴾ و﴿فادوا ولات حين مناص﴾ و﴿تبلوا أخبارهم﴾ و﴿صيغة الله ومن أحسن من الله صيغة﴾ و﴿فاستعانه الذي من شيعته على الذي من عدوه﴾ و﴿سلام عليكم لا نتبع الجاهلين﴾، ﴿لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها﴾ و﴿أهليكم أو كأسوتهم﴾ و﴿يا ويلنا من بلغتنا من مرقدنا هذا ...﴾ و﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العائذين﴾ ويروى العائدين.
وقالت: ولأهل اللغة أيضًا تصحيفات تضحك السامعين وسار بها أشعار تروى على الأزمان منها:
1 / 6
أن أبا حاتم حكى عن نفسه أنه كان يقرأ شعر المتلمِّس على الأصمعي.
وأراد أن يقول:
أغنيتُ شأني فأغنوا اليوم شأنكم ... واستحمقوا من مراس الحرب أو كيسوا
فقال: أغنيت شأني، فقال الأصمعي، بالعجلة: فأغنوا اليوم تبسكم إذًا، وأشار إلى أبي حاتم فأضحك منه الحاضرين.
وقال أبو حاتم: كنت أختلف مع أبي عبيدة والأصمعي إلى ذوي الأشراف بالمربد من رهط سليمان بن علي للاستماع إلى ما يقرأ عليهما من الكتب، فقرأ على أبي عبيدة يومًا سليمان بن جعفر شعر عبيد فقال: حال الحريص دون القريض فقال أبو عبيدة: الحرص شؤم وتغافل.
وقرأ عليه يومًا آخر في شعر عنترة:
ذهب الذين فراقهم أتوقع ... وجرى ببينهم الغرابُ الأنقع
فقال أبو عبيدة: تعس الغراس ولم يزد عليه.
1 / 7
وقرأ مسلم بن سعيد بن مسلم يومًأ على الأصمعي:
عَرَفت بأعشاشٍ وما كنت تعرِف ... وأنكرتَ من أسماء ما كنت تعرف
فقال الأصمعي: كذا يقال الشعر؛ ولم يفطنه.
وقال المبرد: أخبرني المازني أن خلفًا الأحمر حضر يومًا يونس والفيضُ بن عبد الحميد يقرأ عليه:
عذيرَ الحيّ من عَدْوا ... نَ كانوا جنة الأرض
فقال له خلف الأحمر: صحّفت إنما هو (حية الأرض) على طريق التجنيس والمطابقة، فلم يقبله وأقلم على روايته، ولمْ فيها ونصره عليه المتنبي فقال خَلَفٌ فيهما:
لنا صاحبٌ مولعُ بالخلاف ... كثيرُ الخطاء قليلُ الصواب
أشدٌ لجاجًا من الحنفساء ... وأزهي إذا ما مشى من غراب
1 / 8
ذا عضهوا عنده عالمًا ... رَبَا جسدًا ورماهُ بعاب
وليس من العِلم في كفِّه ... إذا ذُكرَ العلمُ غيرُ التراب
أضاليلُ ألّفها شوكرٌ ... وأخرى مؤلفةٌ لابنِ داب
فلو كان ما قد روى عنهما ... سماعًا ولكنَّه من كِتَاب
رأى أحرفًا شبهتْ في الهجاء ... سواءً إذا عدها في الحساب
فقال (أبي الضيم) يُكنى بها ... وليست (أبي) إنما هي (آبي)
وفي يوم (صِفينَ) تصحيفةٌ ... وأخرى له في حديث (الكُلابِ)
كتصحيف فيض بن عبد الحميد ... في (جنة الأرض) أو في الذباب
وما جِنّةُ الأرضِ من (حيةٍ) ... وما للذُبابِ وصوتِ (الذِّئابِ)
وعالى بذلك في صوتهِ ... كمعمعةِ الرعد بين السحاب
وعدلت إلى ذكر تصحيف الكتاب فزعمت أن (صاحبِ) بريد أصفهان كتب في الخَبَر إلى محمد بن عبد الله بن طاهر أن فائدًا مِمَن بها
1 / 9
من الموالي يلبس خزلجية ويجلس للنساء في الطرقات، فكتب محمد إلى يحيى بن هرثمة، وكان يلي أصفهان من قبله؛ أشخص إلي فلانًا وخزلجيته، فقرأ عليه الكتاب كاتبه محمد بن رسم والد أبي علي الرستمي، وصحّفه إلى (وجزَ لحيته)، فجزّ لحيته وأشخصه، وكان آيةً ونكالًا.
وإن سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله على المدينة: أحْصِ المخنثين قبلك. فوقعت من قلم الكاتب نقطة على الحاس فجعلها خاء فلما ورد الكتاب على والي المدينة قرأ كاتبه: اخص المخنقين، فقال له الأمير: لعله: أحص المخنثين، فقال: أيها الأمير إن على الحاء نقطةٌ مثل سُهيل، فأمر الأمير بإحضار المخنثين للخصاء فتهارب أكثرهم، ووقع أقلُّهم، فكان من مشاهير من وقع، طويس والدلال وبرد الفؤاد ونومة الضحى ونسيم السحر وضرة الشمس ولعبة العاج وعدة أخر؛ فأما طويس فإنه قال لما خصي: ما عملتم شيئًا فبالخصاء استكملنا الخُناث، وقال الدلال: ضل سعيكم فهذا هو الختان الأكبر، المطرف لولوج الكمر، وقال بردُ الفؤاد: بعدًا وسحقًا لما صرنا به من نساءً حقًا، وقال نومة الضحى: ما كان أغناني عن سلاح لا أقاتل به، وقال نسي السحر: أُفٍ لكم ما سلبتموني إلا ميزابَ بولي.
ثم قلت: فاعجب بنقطة أدخلت رجالًا في عداد النساء، وأكبرتَ ما حل بابن الروعي من تلفه على مصَحَّف مُثل عنه، فزعمت أن القاسم
1 / 10