Tamhid Awail
تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل
Tifaftire
عماد الدين أحمد حيدر
Daabacaha
مؤسسة الكتب الثقافية
Daabacaad
الأولى
Sanadka Daabacaadda
١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م
Goobta Daabacaadda
لبنان
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الله الْمعِين
الْحَمد لله قامع الأباطيل ومدحض الأضاليل وهادي من اختصه برحمته إِلَى سَوَاء السَّبِيل ومضل الناكب عَن النهج الْمُسْتَقيم والحايد عَن واضحات الْحجَج ونيرات الْبَرَاهِين
أَحْمَده حمد معترف بِأَنَّهُ لَا شبه لَهُ يُسَاوِيه وَلَا ضد ينازعه ويناويه وَأَنه مَالك الْخلق ومنشئه ومعيده ومبديه ومفقره ومغنيه وراحمه ومبتليه لَا مَالك فَوْقه يزجره وَلَا قاهر ينهاه ويأمره وَإِن الْخلق جَمِيعًا فِي قَبضته ومتقلبون بمشيئته ومتصرفون بَين حُدُوده ومراسمه وَلَا معقب لحكمه وَلَا راد لأَمره وَلَا اعْتِرَاض لمخلوق فِي قَضَائِهِ وَقدره
وأرغب إِلَيْهِ فِي الصَّلَاة على خيرته من خلقه مُحَمَّد خَاتم النبين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ كَمَا أوضح السَّبِيل وأنار الدَّلِيل وعَلى إخوانه من الْمُرْسلين وَأهل بَيته الطاهرين وَأَصْحَابه المنتخبين وَمن بعدهمْ من التَّابِعين وأسأله التَّوْفِيق لإصابة مَا بِهِ أمرنَا والاقتداء بالسلف الصَّالح من أمة نَبينَا وصرفنا عَن الْميل إِلَى الحايد عَن ديننَا والطاعن على ملتنا
أما بعد فقد عرفت إِيثَار سيدنَا الْأَمِير أَطَالَ الله فِي دوَام الْعِزّ بَقَاءَهُ وأدام بالتمسك بالتقوى وَلُزُوم الطَّرِيقَة المثلى نعماءه وَمن بإرشاده وهداه وَجعل لَهُ من وافر عقله وحزمه واعظا وَمن علو همته وسؤدده زاجرا ورقيبا وَمن استكانته لرَبه تَعَالَى والخنوع لطاعته سَامِعًا ومطيعا حَتَّى يلْحقهُ اعْتِقَاد فعل الْخَيْر وإيثاره بِأَهْل النجَاة والسلامة ويبلغه بِمَا يتيحه لَهُ من ذَلِك
1 / 23
ويوفقه لأقصى منَازِل أهل الزلفة والكرامة لعمل كتاب جَامع مُخْتَصر مُشْتَمل على مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْكَشْف عَن معنى الْعلم وأقسامه وطرقه ومراتبه وضروب المعلومات وحقائق الموجودات وَذكر الْأَدِلَّة على حدث الْعَالم وَإِثْبَات محدثه وَأَنه مُخَالف لخلقه وعَلى مَا يجب كَونه عَلَيْهِ من وحدانيته وَكَونه حَيا عَالما قَادِرًا فِي أزله وَمَا جرى مجْرى ذَلِك من صِفَات ذَاته وَأَنه عَادل حَكِيم فِيمَا أنشأه من مخترعاته من غير حَاجَة مِنْهُ إِلَيْهَا وَلَا محرك وداع وخاطر وَعلل دَعَتْهُ إِلَى إيجادها تَعَالَى عَن ذَلِك وَجَوَاز إرْسَاله رسلًا إِلَى خلقه وسفراء بَينه وَبَين عباده وَأَنه قد فعل ذَلِك وَقطع الْعذر فِي إِيجَاب تصديقهم بِمَا أبانهم بِهِ من الْآيَات وَدلّ بِهِ على صدقهم من المعجزات وجمل من الْكَلَام على سَائِر أهل الْملَل الْمُخَالفين لملة الْإِسْلَام من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَأهل التَّثْنِيَة وَأَصْحَاب الطبائع والمنجمين
ونعقب ذَلِك بِذكر أَبْوَاب الْخلاف بَين أهل الْحق وَأهل التجسيم والتشبيه وَأهل الْقدر والاعتزال والرافضة والخوارج وَذكر جمل من مَنَاقِب الصَّحَابَة وفضائل الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَإِثْبَات إمامتهم وَوجه التَّأْوِيل فِيمَا شجر بَينهم وَوُجُوب مُوَالَاتهمْ وَلنْ آلو جهدا فِيمَا يمِيل إِلَيْهِ سيدنَا الْأَمِير حرس الله مهجته وَأَعْلَى كَعبه من الإختصار وتحرير الْمعَانِي والأدلة والألفاظ وسلوك طَرِيق العون على تَأمل مَا أودعهُ هَذَا الْكتاب وَإِزَالَة الشكوك فِيهِ والارتياب وَأَنا بحول الله وقوته أسارع إِلَى امْتِثَال مَا رسمه وأقف عِنْده وَإِلَى الله جلّ ذكره أَرغب فِي حسن التَّوْفِيق والإمداد بالتأييد والتسديد
1 / 24
بَاب الْكَلَام فِي حَقِيقَة الْعلم وَمَعْنَاهُ
فَإِن قَالَ قَائِل مَا حد الْعلم عنْدكُمْ قُلْنَا حَده أَنه معرفَة الْمَعْلُوم على مَا هُوَ بِهِ وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن هَذَا الْحَد يحصره على مَعْنَاهُ وَلَا يدْخل فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَلَا يخرج مِنْهُ شَيْئا هُوَ مِنْهُ وَالْحَد إِذا أحَاط بالمحدود على هَذِه السَّبِيل وَجب أَن يكون حدا ثَابتا صَحِيحا فَكل مَا حد بِهِ الْعلم وَغَيره وَكَانَت حَاله فِي حصر الْمَحْدُود وتمييزه من غَيره وإحاطته بِهِ حَال مَا حددنا بِهِ الْعلم وَجب الِاعْتِرَاف بِصِحَّتِهِ وَقد ثَبت أَن كل علم تعلق بمعلوما فَإِنَّهُ معرفَة لَهُ وكل معرفَة لمعلوم فَإِنَّهَا علم بِهِ فَوَجَبَ تَوْثِيق الْحَد الَّذِي حددنا بِهِ الْعلم وَجَعَلنَا تَفْسِيرا لِمَعْنى وَصفه بِأَنَّهُ علم
فَإِن قَالَ قَائِل فَلم رغبتم عَن القَوْل بِأَنَّهُ معرفَة الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ إِلَى القَوْل بِأَنَّهُ معرفَة الْمَعْلُوم على مَا هُوَ بِهِ قيل لما قَامَ من الدَّلِيل على أَن الْمَعْلُوم يكون شَيْئا وَمَا لَيْسَ بِشَيْء وَلِأَن الْمَعْدُوم مَعْلُوم وَلَيْسَ بِشَيْء وَلَا مَوْجُود فَلَو قُلْنَا حَده أَنه معرفَة الشَّيْء على مَا هُوَ بِهِ لخرج الْعلم بِمَا لَيْسَ بِشَيْء من المعلومات المعدومات عَن أَن يكون علما وَذَلِكَ مُفسد لَهُ فَوَجَبَ صِحَة مَا قُلْنَاهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
1 / 25
بَاب الْكَلَام فِي أَقسَام الْعُلُوم
فَإِن قَالَ قَائِل فعلى كم وَجه تَنْقَسِم الْعُلُوم قيل لَهُ على وَجْهَيْن فَعلم قديم وَهُوَ علم الله ﷿ وَلَيْسَ بِعلم ضَرُورَة وَلَا اسْتِدْلَال وَعلم مُحدث وَهُوَ كل مَا يعلم بِهِ المخلوقون من الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَالْإِنْس وَغَيرهم من الْحَيَوَان
بَاب فِي أَقسَام الْعلم الْمُحدث
فَإِن قَالَ قَائِل فعلى كم وَجه تَنْقَسِم عُلُوم المخلوقين قيل لَهُ على قسمَيْنِ فقسم مِنْهَا علم ضَرُورَة وَالثَّانِي مِنْهَا علم نظر واستدلال
وَهَذِه الثَّلَاثَة الْعُلُوم الَّتِي وصفناها غير مُخْتَلفَة فِيمَا لَهُ يكون الشَّيْء علما من كَونهَا معرفَة للمعلوم على مَا هُوَ بِهِ وَقد تقدم القَوْل فِي إِيضَاح ذَلِك
بَاب الْعلم الضَّرُورِيّ
فَإِن قيل فَمَا معنى وصفكم للضروري مِنْهَا بِأَنَّهُ ضَرُورِيّ على مواضعة الْمُتَكَلِّمين قيل لَهُ معنى ذَلِك أَنه علم يلْزم نفس الْمَخْلُوق لُزُوما لَا يُمكنهُ مَعَه الْخُرُوج عَنهُ وَلَا الانفكاك مِنْهُ وَلَا يتهيأ لَهُ الشَّك فِي مُتَعَلّقه وَلَا الارتياب بِهِ وَحَقِيقَة وَصفه بذلك فِي اللُّغَة أَنه مِمَّا أكره الْعَالم بِهِ على وجوده
1 / 26
لِأَن الِاضْطِرَار فِي اللُّغَة هُوَ الْحمل وَالْإِكْرَاه وَهُوَ الإلجاء وكل هَذِه الْأَلْفَاظ بِمَعْنى وَاحِد فَلَا فرق عِنْدهم بَين قَول الْقَائِل اضطره السُّلْطَان إِلَى تَسْلِيم مَاله وَبيع عقاره وَبَين قَوْله أكرهه على ذَلِك وَحمله عَلَيْهِ وألجأه إِلَيْهِ فَالْوَاجِب بِمَا وصفناه أَن يكون مَا قُلْنَا هُوَ معنى وصف الْعلم وَغَيره بِأَنَّهُ ضَرُورَة
وَقد يُوصف الْعلم وَغَيره من الْأَجْنَاس بِأَنَّهُ ضَرُورَة على معنى أَن الْعَالم بِهِ مُحْتَاج إِلَيْهِ لِأَن الضَّرُورَة فِي اللُّغَة تكون بِمَعْنى الْحَاجة يدل على ذَلِك قَوْلهم فلَان مُضْطَر إِلَى تكفف النَّاس وسؤالهم يعنون أَنه مُحْتَاج إِلَى ذَلِك وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد﴾ وَقَوله ﴿إِلَّا مَا اضطررتم إِلَيْهِ﴾ وَهُوَ الَّذِي يُريدهُ الْمُسلمُونَ بقَوْلهمْ إِن الْمُضْطَر إِلَى أكل الْميتَة قد أُبِيح لَهُ أكلهَا يعنون بِهِ الْمُحْتَاج إِلَى ذَلِك فَكل مُحْتَاج إِلَى علم أَو غَيره من الْأَجْنَاس فَهُوَ مُضْطَر إِلَى مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ
بَاب الْعلم النظري
فَإِن قيل فَمَا معنى تسميتكم للضرب الآخر مِنْهَا علم نظر واستدلال قيل لَهُ مرادنا بذلك أَنه علم يَقع بعقب اسْتِدْلَال وتفكر فِي حَال المنظور فِيهِ أَو تذكر نظر فِيهِ فَكل مَا احْتَاجَ من الْعُلُوم إِلَى تقدم الْفِكر والروية وَتَأمل حَال الْمَعْلُوم فَهُوَ الْمَوْصُوف بقولنَا علم نَظَرِي
1 / 27
وَقد يَجْعَل مَكَان هَذِه الْأَلْفَاظ لَام نقل الْعلم النظري هُوَ مَا بني على علم الْحس والضرورة أَو على مَا بني الْعلم بِصِحَّتِهِ عَلَيْهِمَا وَمعنى قَوْلنَا فِي هَذَا الْعلم إِنَّه كسبي أَنه مِمَّا وجد بالعالم وَله عَلَيْهِ قدرَة محدثة وَكَذَلِكَ شَيْء شركه فِي ذَلِك أَعنِي الْعلم فِي وجود الْقُدْرَة المحدثة عَلَيْهِ فَهُوَ كسب لمن وجد بِهِ
بَاب الْكَلَام فِي مدارك الْعُلُوم
فَإِن قَالَ قَائِل فَمن كم وَجه يَقع الْعلم بالمعلوم إِذا كَانَ ضَرُورَة قيل لَهُ من سِتَّة طرق فَمِنْهَا الْحَواس الْخمس وَهِي حاسة الْبَصَر وحاسة السّمع وحاسة الذَّوْق وحاسة الشم وحاسة اللَّمْس وقصدنا بِذكر الحاسة هَا هُنَا الْإِدْرَاك الْمَوْجُود بالحواس لَا الْأَجْسَام المؤتلفة على الصُّورَة الَّتِي مَا حصل عَلَيْهَا من الْأَجْسَام سميناه عينا وأنفا وأذنا وفما ويدا
فَكل علم حصل عِنْد إِدْرَاك حاسة من هَذِه الْحَواس فَهُوَ علم ضَرُورَة يلْزم النَّفس لُزُوما لَا يُمكن مَعَه الشَّك فِي الْمدْرك وَلَا الارتياب بِهِ وكل حاسة من هَذِه الْحَواس تخْتَص فِي وقتنا هَذَا على عَادَة جَارِيَة بِإِدْرَاك جنس أَو أَجنَاس
1 / 28
فحاسة الرُّؤْيَة تدْرك بهَا الْيَوْم الألوان والأكوان والأجسام وحاسة السّمع يدْرك بهَا الْكَلَام والأصوات وحاسة الشم تدْرك بهَا الأراييح وحاسة الذَّوْق تدْرك بهَا الطعوم وحاسة اللَّمْس وكل عُضْو فِيهِ حَيَاة تدْرك بهَا الْحَرَارَة والبرودة واللين والخشونة والرخاوة والصلابة على قَول من زعم أَن الخشونة والرخاوة واللين والصلابة معَان زَائِدَة تُوجد بالجواهر كالحرارة والبرودة
وَالضَّرْب السَّادِس مِنْهَا ضَرُورَة تخترع فِي النَّفس ابْتِدَاء من غير أَن تكون
1 / 29
مَوْجُودَة بِبَعْض هَذِه الْحَواس كعلم الْإِنْسَان بِنَفسِهِ وَمَا يجده فِيهَا من الصِّحَّة والسقم واللذة والألم وَالْغَم والفرح وَالْقُدْرَة وَالْعجز والإرادة وَالْكَرَاهَة والإدراك والعمى وَغير ذَلِك مِمَّا يحدث فِي النَّفس مِمَّا يُدْرِكهُ الْحَيّ إِذا وجد بِهِ وَمِنْه أَيْضا الْعلم الْوَاقِع بِقصد الْمُتَكَلّم إِلَى مَا يقْصد وَمن يَقْصِدهُ بخطابه دون غَيره وَأَنه قَاصد إِلَى اكْتِسَاب مَا يُوجد بِهِ من ضروب مقدوراته من الْكَلَام وَغَيره وَمِنْه أَيْضا الْعلم بِأَن الْأَجْسَام مَتى كَانَت مَوْجُودَة فَلَا بُد من أَن تكون مجتمعة متماسة الأبعاض أَو مفترقة متباينة وَأَن الْخَبَر عَن وجود الشَّيْء وَأَنه على بعض الْأَوْصَاف لَا بُد أَن يكون صدقا أَو كذبا وَأَن الْخَبَرَيْنِ المتضاد مخبرهما لَا يجوز أَن يَكُونَا جَمِيعًا صدقا أَو كذبا وَمَا جرى مجْرى ذَلِك من الْأُمُور المنقسمة فِي الْعقل إِلَى أَمريْن لَا وَاسِطَة بَينهمَا
وَمِنْه أَيْضا الْعلم بخجل الخجل ووجل الوجل وَالْعلم بالشجاعة والجبن وَالْبر والعقوق والتحية والاستهزاء وَالْوَاقِع عِنْد مُشَاهدَة الإمارات وَمِنْه أَيْضا الْعلم المخترع فِي النَّفس بِمَا تَوَاتر الْخَبَر عَن كَونه واستفاض عَن وجوده نَحْو الْعلم الْوَاقِع عِنْد إِخْبَار المخبرين عَن الصين وخراسان وَفَارِس وكرمان وَعَن ظُهُور مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد ﷺ وعَلى جَمِيع
1 / 30
النَّبِيين وَالْخَبَر عَن الوقائع والفتن والممالك والدول وَغير ذَلِك من الْأُمُور الْحَاصِل الْخَبَر عَنْهَا من قوم قطع الْعذر نقلهم وَوَجَب الْعلم عِنْد خبرهم
فَكل هَذِه الْعُلُوم الْوَاقِعَة لنا بالمعلومات الَّتِي وصفناها تُوجد مخترعة فِي النَّفس وجدت هَذِه الْحَواس وَمَا يُوجد بهَا من الإدراكات أَو لم تُوجد سوى الْعلم الْوَاقِع عِنْد الْخَبَر الْمُتَوَاتر وَالْعلم بخجل الخجل ووجل الوجل وَقصد القاصد إِلَى من يَقْصِدهُ وَمَا يَقْصِدهُ بِكَلَامِهِ فَإِنَّهُ وَمَا جرى مجْرَاه فِي وقتنا هَذَا مضمن بِوُجُود الْإِدْرَاك للْخَبَر عَن الْمَعْلُوم بمشاهدة الإمارات الَّتِي عِنْد مشاهدتها يَقع الْعلم بِمَا ذَكرْنَاهُ وَقد يَصح أَن يخترع الله الْعلم بِوُجُود الْمخبر عَنهُ من غير سَماع خبر عَنهُ فِي الزَّمن الَّذِي يَصح فِيهِ خرق الْعَادَات وَإِظْهَار المعجزات وَخُرُوج الْأُمُور عَمَّا هِيَ فِي الْعَادة عَلَيْهِ وتسميتهم الإدراكات الْمَوْجُودَة بالحواس لمسا وذوقا وشما إِنَّمَا جرت عَلَيْهَا على سَبِيل الْمجَاز والاتساع لما بَينه وَبَينهَا من التَّعَلُّق على طريقتهم فِي التَّجَوُّز بإجراء اسْم الشَّيْء على مَا قاربه وناسبه وَتعلق بِهِ ضربا من التَّعَلُّق والإدراك فِي الْحَقِيقَة شَيْء غير اللَّمْس واتصاف سَائِر الْحَواس بالمحسوسات وأماكنها وَغَيره من ضروب الِاتِّصَال
بَاب الْكَلَام فِي الِاسْتِدْلَال
فَإِن قَالَ قَائِل فعلى كم وَجه يَنْقَسِم الِاسْتِدْلَال قيل لَهُ على وُجُوه يكثر تعدادها فَمِنْهَا أَن يَنْقَسِم الشَّيْء فِي الْعقل على قسمَيْنِ أَو أَقسَام يَسْتَحِيل أَن تَجْتَمِع
1 / 31
كلهَا فِي الصِّحَّة وَالْفساد فَيبْطل الدَّلِيل أحد الْقسمَيْنِ فَيَقْضِي الْعقل على صِحَة ضِدّه وَكَذَلِكَ إِن أفسد الدَّلِيل سَائِر الْأَقْسَام صحّح الْعقل الْبَاقِي مِنْهَا لَا محَالة نَظِير ذَلِك علمنَا باستحالة خُرُوج الشَّيْء عَن الْقدَم وَالْحَدَث فَمَتَى قَامَ الدَّلِيل على حَدثهُ بَطل قدمه وَلَو قَامَ على قدمه لأفسد حَدثهُ
وَمِنْهَا أَن يجب الحكم وَالْوَصْف للشَّيْء فِي الشَّاهِد لعِلَّة مَا فَيجب الْقَضَاء على أَن من وصف بِتِلْكَ الصّفة فِي الْغَائِب فَحكمه فِي أَنه مُسْتَحقّ لَهَا لتِلْك الْعلَّة حكم مستحقها فِي الشَّاهِد لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل قيام دَلِيل على مُسْتَحقّ الْوَصْف بِتِلْكَ الصّفة مَعَ عدم مَا يُوجِبهَا وَذَلِكَ كعلمنا أَن الْجِسْم إِنَّمَا كَانَ جسما لتأليفه وَأَن الْعَالم إِنَّمَا كَانَ عَالما لوُجُود علمه فَوَجَبَ الْقَضَاء بِإِثْبَات علم كل من وصف بِأَنَّهُ عَالم وتأليف كل من وصف بِأَنَّهُ جسم أَو مُجْتَمع لِأَن الحكم الْعقلِيّ الْمُسْتَحق لعِلَّة لَا يجوز أَن يسْتَحق مَعَ عدمهَا وَلَا لوُجُود شَيْء يُخَالِفهَا لِأَن ذَلِك يُخرجهَا عَن أَن تكون عِلّة للْحكم
وَمن ذَلِك أَن يسْتَدلّ بِصِحَّة الشَّيْء على صِحَة مثله وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ وباستحالته على اسْتِحَالَة مثله وَمَا كَانَ بِمَعْنَاهُ كاستدلالنا على إِثْبَات قدرَة الْقَدِيم سُبْحَانَهُ على خلق جَوْهَر ولون مثل الَّذِي خلقه وإحياء ميت مثل الَّذِي أَحْيَاهُ وَخلق الْحَيَاة فِيهِ مرّة أُخْرَى بعد أَن أَمَاتَهُ وعَلى اسْتِحَالَة خلق شَيْء من جنس السوَاد والحركات لَا فِي مَكَان فِي الْمَاضِي كَمَا اسْتَحَالَ ذَلِك فِي جنسهما الْمَوْجُود فِي وقتنا هَذَا
وَقد يسْتَدلّ بتوقيف أهل اللُّغَة لنا على أَنه لَا نَار إِلَّا حارة ملتهبة وَلَا إِنْسَان إِلَّا مَا كَانَت لَهُ هَذِه البنية على أَن كل من خبرنَا من الصَّادِقين بِأَنَّهُ رأى
1 / 32