التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار
التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار
Tifaftire
أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني
Daabacaha
الفاروق الحديثة
Daabacaad
الأولى
Sanadka Daabacaadda
1425 AH
Goobta Daabacaadda
القاهرة
التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار
4 / 91
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال شيخنا، الشيخ الإمام العالم العلامة، شيخ الإسلام، أوحد الأعلام، بركة الأنام؛ حافظ مصر والشام، أبو الفرج عبد الرحمن زين الدين ابن رجب البغدادي الحنبلي، فسح الله في مدته:
الحمد لله العزيز المجيد، ذي البطش الشديد، المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، المنتقم ممن عصاه بالنار بعد الإِنذار بها والوعيد، المكرم لمن خافه واتقاه بدار لهم فيها من كل خير مزيد، فسبحان من قسم خلقه قسمين وجعلهم فريقين ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
أحمده وهو أهل الحمد والثناء والتمجيد، وأشكره، ونعمه بالشكر تدوم وتزيد.
وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، ولا كفو ولا عدل ولا ضد ولا نديد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إِلَى التوحيد، الساعي بالنصح إِلَى القريب والبعيد، المحذر للعاصين من نار تلظى بدوام الوقيد، المبشر للمؤمنين بدار لا ينفذ نعيمها ولا يبيد.
صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة لا تزال على كر الجديدين في تجديد، وسلم تسليمًا.
أما بعد، فإن الله خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلة الدالة عَلَى عظمته وكبريائه ليهابوه ويخافوه خوف الإجلال، ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه ليتقوه بصالح الأعمال، ولهذا (أكثر) (*) ﷾ في كتابه ذكر النار وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال، وما احتوت عليه من الزقوم والضريع والحميم والسلاسل والأغلال، إِلَى غير ذلك مما فيها من العظائم والأهوال، ودعا عباده بذلك إِلَى خشيته
(*) في حاشية الأصل، كرر: "نسخة".
4 / 93
وتقواه، والمسارعة إِلَى امتثال ما يأمر به ويحبه ويرضاه، واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه، فمن تأمل الكتاب الكريم وأدار فكره فيه وجد من ذلك العجب العجاب، وكذلك السنة الصحيحة التي هي مفسرة ومبينة لمعاني الكتاب، وكذلك سيرة السَّلف الصالح أهل العِلْم والإيمان من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، من تأملها علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخوف والخشية والإخبات، وأن ذلك هو الذي رقاهم إِلَى تلك الأحوال الشريفة والمقامات السنيات، من شدة الاجتهاد في الطاعات والانكفاف عن دقائق الأعمال والمكروهات فضلًا عن المحرمات، ولهذا قال بعض السَّلف:
خوف الله تعالى حجب قلوب الخائفين عن زهرة الدُّنْيَا وعوارض الشبهات.
وقد ضمن الله سبحانه الجنة لمن خافه من أهل الإِيمان، فَقَالَ تعالى:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦].
قال: مجاهد: في هذه الآية الله قائم عَلَى كل نفس بما كسبت، فمن أراد أن يعمل شيئًا فخاف مقام ربه عليه فله جنتان.
وعنه أنَّه قال: هو الرجل يذنب فيذكر مقام الله فيدعه.
وعنه قال: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر الله فيتركها.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وعد الله المؤمنين الذين خافوا مقامه وأدوا فرائضه الجنة (١).
وعن الحسن، قال قالت الجنة: يا رب لمن خلقتني، قال: لمن يعبدني وهو يخافني.
وقال يزيد بن عبد الله بن الشخير: كنا نحدث أن صاحب النار الَّذِي لا تمنعه مخافة الله من شيء خفي له.
وعن وهب بن منبه، قال: ما عبد الله بمثل الخوف.
وقال أبو سليمان الداراني: أصل كل خير في الدُّنْيَا والآخرة الخوف من الله ﷿، وكل قلب ليس فيه خوف الله فهو قلب خرب.
(١) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (٢٧/ ١٤٥ - حلبي).
4 / 94
وقال وهيب بن الورد: بلغنا أنَّه ضرب لخوف الله مثل في الجسد، قيل: إِنَّمَا مثل خوف الله كمثل الرجل يكون في منزله فلا يزال عامرًا ما دام فيه ربه، فإذا فارق المنزل ربه وسكنه غيره خرب المنزل، وكذلك خوف الله تعالى إذا كان في الجسد لم يزل (معمورًا) (*) ما دام فيه خوف الله، فإذا فارق خوف الله الجسد خرب، حتى إن المار يمر في المجلس من الناس فيَقُولُونَ: بئس العبد فلان، فيقول بعضهم لبعض: ما رأيتم منه، فيَقُولُونَ: ما رأينا منه شيئًا إلا أنا نبغضه، وذلك أن خوف الله تعالى فارق جسده، وإذا مر بهم الرجل فيه خوف الله، قالوا: نعم والله الرجل، فيَقُولُونَ: أي شيء رأيتم منه: فيَقُولُونَ: ما رأينا منه شيئًا غير أنا نحبه، وذلك أن خوف الله سكن قلبه.
وقال الفضيل بن عياض: الخوف أفضل من الرجاء ما كان الرجل صحيحًا، فإذا نزل الموت فالرجاء أفضل.
وسئل ابن المبارك عن رجلين أحدهما خائف والآخر قتل في سبيل الله ﷿، قال: أحَبهما إِلَيَّ أخوفهما.
وقد استخرت الله تعالى في جمع كتاب أذكر فيه صفة النار، وما أعد الله فيها لأعدائه من الخزي والنكال والبوار، ليكون بمشيئة الله قامعًا للنفوس عن غَيِّها وفسادها، وباعثًا إِلَى المسارعة إِلَى فلاحها وإرشادها فإن النفوس ولا سيما في هذه الأزمان قد غلب عليها الكسل والتواني، واسترسلت في شهواتها وأهوائها وتمنت علي الله الأماني، والشهوات لا يذهبها من القلوب إلا أحد أمرين، إما خوف مزعج محرق، أو شوق مبهج مقلق، وسميته "كتاب التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار" وقسمته ثلاثين بابًا، والله المسؤول أن يجيرنا من النار، وأن يجعل بيننا وبينها حجابًا بمنه وكرمه.
الباب الأول: في ذكر الإنذار بالنار والتحذير منها.
الباب الثاني: في الخوف من النار وأحوال الخائفين.
الباب الثالث: في ذكر تخويف جميع أصناف الخلق بالنار وخوفهم منها.
(*) في حاشية الأصل، عامرًا: "نسخة".
4 / 95
الباب الرابع: في أن البكاء من خشية النار ينجي منها، وأن التعوذ بالله من النار يوجب الإِعاذة منها.
الباب الخامس: في ذكر مكان جهنم.
الباب السادس: في ذكر طبقاتها وأدراكها وصفتها.
الباب السابع: في ذكر قعرها وعمقها.
الباب الثامن: في ذكر أبوابها وسرادقها.
الباب التاسع: في ذكر ظلماتها وشدة سوادها.
الباب العاشر: في ذكر شدة حرها وزمهريرها.
الباب الحادي عشر: في ذكر سجر جهنم وتسعرها.
الباب الثاني عشر: في ذكر تغيظها وزفيرها.
الباب الثالث عشر: في ذكر دخانها وشررها ولهبها.
الباب الرابع عشر: في ذكر أوديتها وجبالها وآبارها وعيونها وأنهارها.
الباب الخامس عشر: في ذكر سلاسلها وأغلالها وأنكالها.
الباب السادس عشر: في ذكر حجارتها.
الباب السابع عشر: في ذكر حياتها وعقاربها.
الباب الثامن عشر: في ذكر طعام أهل النار وشرابهم فيها.
الباب التاسع عشر: في ذكر كسوة أهل النار ولباسهم.
الباب العشرون: في ذكر عظم خلق أهل النار فيها وقبح صورهم وهيآتهم.
الباب الحادي والعشرون: في ذكر أنواع عذاب أهل النار، وتفاوتهم في العذاب بحسب أعمالهم.
الباب الثاني والعشرون: في ذكر بكائهم، وزفيرهم وشهيقهم، وصراخهم، وعويلهم الَّذِي لا يستجاب لهم.
الباب الثالث والعشرون: في ذكر نداء أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار، وكلام بعضهم بعضًا.
4 / 96
الباب الرابع والعشرون: في ذكر خزنة جهنم وزبانيتها.
الباب الخامس والعشرون: في ذكر مجيء النار يوم القيامة وخروج عنق منها يتكلم.
الباب السادس والعشرون: في ضرب الصراط عَلَى متن جهنم ومرور الموحدين عليه.
الباب السابع والعشرون: في ذكر ورود النار.
الباب الثامن والعشرون: في ذكر حال الموحدين في النار وخروجهم منها برحمة أرحم الراحمين وشفاعة الشافعين.
الباب التاسع والعشرون: في ذكر أكثر أهل النار.
الباب الثلاثون: في ذكر صفات أهل النار وأصنافهم وأقسامهم.
***
4 / 97
الباب الأول في ذكر الإنذار بالنار والتحذير منها
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤].
وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١].
وقال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤].
وقال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٣١ - ٣٧].
قال الحسن في قوله تعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ قال: والله ما أنذر العباد بشيء قط أدهى منها، خرجه ابن أبي حاتم.
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ يعني النار، وروى سماك بن حرب، قال: سمعت النعمان بن بشير يخطب، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنذرتكم النار أنذرتكم النار
4 / 98
حتى لو أن رجلًا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، حتى وقعت خميصة (١) كانت عَلَى عاتقة عند رجليه". خرجه الإمام أحمد (٢).
وفي رواية له أيضًا (٣) عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله
عليه وسلم: "أندرتكم النار، أنذرتكم النار حتى لو كان رجل في أقصى السوق لسمعه، وسمع أهل السوق صوته وهو عَلَى المنبر".
وفي رواية له (٤) عن سماك قال: سمعت النعمان يخطب وعليه خميصة، فَقَالَ: لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أنذرتكم النار، أنذرتكم النار فلو أن رجلًا بموضع كذا وكذا سمع صوته".
وعن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ: "اتقوا النار" قال: وأشاح، ثم قال: "اتقوا النار"، ثم أعرض وأشاح ثلاثًا، حتى ظننا أنَّه ينظر إليها، ثم قال: "اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة"، خرجاه في الصحيحين (٥).
وخرج البيهقي (٦) بإسناد فيه جهالة عن أنس عن النبي ﷺ: "يا معشر المسلمين ارغبوا فيما رغبكم الله فيه، واحذروا وخافوا ما خوفكم الله به من عذابه وعقابه، ومن جهنم، فإنها لو كانت قطرة من الجنة معكم في دنياكم التي أنتم فيها حَلَّتها لكم، ولو كانت قطرة من النار معكم في دنياكم التي أنتم فيها خَبَثْهَا عليكم".
(١) هي ثوب خز أو صوف مُعلم، وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، وكانت من لباس الناس قديمًا.
(٢) (٤/ ٢٧٢).
(٣) (٤/ ٢٧٢).
(٤) في المسند (٤/ ٢٦٨).
(٥) أخرجه البخاري (١٤١٣)، ومسلم (١٠١٦).
(٦) في "البعث والنشور" (٥٤٦).
4 / 99
وفي الصحيحين (١) عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّمَا مثلي ومثل أمتي، كمثل رجل استوقد نارًا، فجعلت الدواب والفراش يقعن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها".
وفي رواية لمسلم (٢): «مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاش وَهَذِهِ الدَّوَابّ الَّتِي يَقَعْنَ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، وَجَعَلَ يَحْجِزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمنَ فِيهَا قَالَ: فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ، هَلُمَّ عَنْ النَّارِ، فَتَغْلِبُونِي وَتَقْتَحِمُونَ فِيهَا».
وفي رواية للإمام أحمد (٣): "مثلي ومثلكم -أيتها الأمة- كمثل رجل أوقد نارًا بليل، فأقبلت إليها هذه الفراش والذباب التي تغشى النار، فجعل يذبها ويغلبنه إلا تقحمًا في النار، وأنا آخذ بحجزكم أدعوكم إلى الجنة وتغلبوني إلا تقحمًا في النار".
وخرج الإمام أحمد (٤) أيضًا من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله لم يحرم حرامه إلا وقد علم أنَّه سيطلعها منكم مطلع، ألا وإني آخذ بحجزكم [أن تهاتفوا في النار، كتهافت الفراش والذباب".
وخرج البزار (٥) والطبراني (٦) من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "أنا آخذ بحجزكم] (*) فاتقوا النار، اتقوا النار، اتقوا الحدود، فإذا
(١) أخرجه البخاري (٣٤٢٦)، ومسلم (٢٢٨٤).
(٢) برقم (٢٢٨٤/ ١٨) من كتاب الفضائل بتبويب النووي.
(٣) (٢/ ٥٣٩ - ٥٤٠).
(٤) (١/ ٣٩٠).
(*) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، واستدركته من المطبوع.
(٥) برقم (٢٠٩ - زوائد ابن حجر) وقال: لا نعلم رواه عن عبد الملك عن أبيه إلا ليث، وهو ضعيف.
(٦) في المعجم الكبير (١٢/ ١٢٥٠٨) والأوسط (٢٨٧٤) قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث إلا عبد الواحد. وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٢٥٤): وفيه ليث بن أبي سليم، والغالب عليه الضعف.=
4 / 100
مت تركتكم، وأنا فرطكم عَلَى الحوض، فمن ورد فقد أفلح؟ فيؤتي بأقوام ويؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: رب أمتي! فيقول: إنهم لم يزالوا بعدك يرتدون عَلَى أعقابهم".
وفي رواية للبزار (١) قال: "وأنا آخذ بحجُزِكُم أقولُ: إيَّاكُم وجهنم، إيَّاكُم والحدودَ، إيَّاكُم وجهنم، إيَّاكُم والحدودَ، إيَّاكُم وجهنمَ، إيَّاكم والحدودَ"، وذكر بقية الحديث.
وفي "صحيح مسلم" (٢) عن أبي هريرة قالَ: لما نزلتْ هذه الآية: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، دعا رسولُ اللَّه ﷺ قريشًا فاجتمَعُوا، فعمَّ وخصَّ، فقال: "يا بني كعبِ بنِ لؤيٍّ أنقذوا أنفسكم من النارِ، يا بني مُرَةَ بنِ كعبٍ، أنقذُوا أنفسَكُم من النارِ، يا بني عبدَ شمسٍ أنقذُوا أنفسَكم من النارِ، يا بني عبدِ مناف، أنقذُوا أنفسكم من النارِ، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النارِ، يا فاطمةُ بنتُ محمد، أنقدي نفسك من النارِ، فإنِّي لا أملك لكم من اللَّه شيئا".
وخرَّج الطبرانيُّ (٣) وغيرُه من طريقِ يعلى بن الأشدقِ عن كليبِ بنِ حزنٍ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "اطلبُوا الجنةَ جهدَكُم واهربُوا من النارِ جهدكم، فإن الجنة لا ينامُ طالبها، وإنَّ النارَ لا ينامُ هاربها، وإن الآخرةَ اليوم محفوفة بالمكارِهِ، وإن الدنيا محفوفة باللذاتِ والشهواتِ، فلا تلهينَّكُم عن الآخرةِ".
=وعزاه الهيثمي (١٠/ ٣٦٤) لأحمد والطبراني في الكبير والأوسط والبزار، قال الهيثمي: وفي إسناده عندهم ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وبقية رجالهم ثقات.
(١) برقم (١٥٣٦ - كشف).
(٢) برقم (٢٠٤)، وكذا البخاري (٤٧٧١) بنحوه.
(٣) في المعجم الكبير (١٩/ ٤٤٩) بمثله، وفي الأوسط (٣٦٤٣) إِلَى قوله: "هاربها".
قال الطبراني: لم يسند كليب بن حزن عن رسول الله ﷺ حديثًا غير هذا، ولا يُروى عنه إلا بهذا الإسناد.
وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٣٠): وفيه يعلى بن الأشدق وهو ضعيف جدًّا.
4 / 101
ويُروى هذا الحديثُ أيضًا عن يعلى بن الأشدقِ عن عبدِ اللَّهِ بن جرادٍ عن النبيِّ ﷺ.
وأحاديثُ يعلى بنِ الأشدقِ باطلة منكرةٌ.
وخرَّج الترمذيُّ (١) من حديثِ يحيى بن [عبدِ] (*) اللَّه عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "ما رأيتُ مثلَ النارِ نامَ هاربُها، ولا مثلَ الجنةِ نامَ طالبُها"
ويحيى هذا ضعفُوه.
وخرَّجه ابنُ مردويه من وجهٍ آخرَ أجودَ من هذا إلى أبي هريرة.
وخرَّج الطبرانيُّ (٢) نحوَه بإسنادٍ فيه نظر عن أنس عن النبيِّ ﷺ.
وخرَّجه ابنُ عديٍّ (٣) بإسنادٍ ضعيفٍ عن عمرَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ.
وقالَ يوسفُ بنُ عطيةَ عن المعلى بنِ زيادٍ: كانَ هرمُ بنُ حيانَ يخرجُ في بعضِ الليالي وينادِي بأعلَى صوتِهِ: عجبتُ من الجنةِ كيفَ نامَ طالبُها، وعجبتُ منَ النارِ
(١) برقم (٢٦٠١) وقال الترمذي: هذا حديث إنَّما نعرفه من حديث يحيى بن عبيد الله، ويحيى بن عبيد الله ضعيف عند أكثر أهل الحديث، تكلم فيه شعبة، ويحيى بن عبد الله هو ابن مَوْهبٍ وهو مدني.
(*) في الأصل والمطبوع: "عبد"، والتصويب من سنن الترمذي.
(٢) في الأوسط (١٦٣٨) وقال الطبراني عن هذا الحديث والذي قبله: لم يرو هذين الحديثين عن قتادة إلا همام، تفرد بهما محمد بن مصعب.
وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٣٠): رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن.
(٣) في الكامل (٦/ ٤٥٤ - علمية) في ترجمة أبي طيبة عيسى بن سليمان وقال ابن عدي بعد إيراده عده أحاديث في الترجمة: وهذه الأحاديث لكرز بن وبرة يرويها عنه أبو طيبة وهي كلها غير محفوظة، وأبو طيبة هذا كان رجلًا صالحًا، ولا أظن أنَّه كان يتعمد الكذب، ولكنه لعله كان يشبه عليه فيغلط.
4 / 102
كيف نامَ هاربُها، ثم يقول: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧، ٩٨] (١).
وقال أبو الجوزاءِ: لو وليتُ من أمرِ الناس شيئًا اتخذتُ منارًا على الطريقِ وأقمتُ عليها رجالًا ينادون في الناس: النارَ النارَ. خرَّجه الإمامُ أحمدُ في كتابِ "الزهدِ".
وخرَّج ابنُه عبدُ اللَّه في هذا الكتابِ أيضًا بإسنادِهِ عن مالكِ بنِ دينارٍ، قالَ: لو وجدتُ أعوانًا لفرقتهم ينادون في منارِ الدنيا كلها: يا أيها الناس النارَ النارَ.
وفي رواية أخرى عنه قالَ: لو وجدتُ أعوانًا لناديت في منارِ البصرة بالليل: النارَ النارَ.
...
(١) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ١١٩).
4 / 103
الباب الثاني في ذكر الخوف من النار وأحوال الخائفين
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٢].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٥، ١٦].
وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ إِلَى قوله: ﴿اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٦٦].
وقال تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ [المعارج: ٢٧، ٢٨].
وقال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٤، ١٥].
وقال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٥ - ٢٧].
4 / 104
قال إبراهيم التيمي: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار، لأنّ أهل الجنة قالوا: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤].
وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦].
وقد كان النبي ﷺ كثيرًا يستعيذ من النار ويأمر بذلك في الصلاة وغيرها، والأحاديث في ذلك كثيرة.
وقال أنس: كان أكثر دعاء النبي ﷺ: "رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" أخرجه البخاري (١).
وفي كتاب النسائي (٢) عن أبي هريرة ﵁، أنَّه سمع النبي ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من حر جهنم".
وفي سنن أبي داود (٣) وابن ماجه (٤) عن جابر أن النبي ﷺ قال لرجل: "كيف تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد، ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال النبي ﷺ: "حولها ندندن".
وخرّجه البزار (٥) ولفظه "وهل أدندن أنا ومعاذ إلا لندخل الجنة ونعاذ من النار".
(١) برقم (٤٥٢٢)، وكذا مسلم (٢٦٩٠).
(٢) في المجتبى (٨/ ٢٧٨ - ٢٧٩) بلفظ: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم".
(٣) برقم (٧٩٢، ٧٩٦).
(٤) برقم (٩١٠) قال في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.
(٥) أورده الهيثمي في المجمع (٢/ ١٣٣) وقال: لجابر حديث في هذا رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح خلا معاذ بن عبد الله بن حبيب، وهو ثقة لا كلام فيه.
4 / 105
وفي مسند الإمام أحمد (١) بإسناد منقطع عن سليم الأنصاري: أن النبي ﷺ قال له: "يَا سُلَيْمُ مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: إِنِّي أَسْأَلُ اللهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ، وَاللهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ اللهِ ﷺ: "وَهَلْ تَصِيرُ دَنْدَنَتِي وَدَنْدَنَةُ (٢) مُعَاذٍ إِلَّا أَنْ نَسْأَلَ اللهَ الْجَنَّةَ وَنَعُوذَ بِهِ مِنَ النَّارِ؟! ".
وروينا من حديث سويد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "إِنَّمَا يدخل الجنة من يرجوها، ويجنب النار من يخافها، وإنَّما يرحم الله من يرحم".
وخرّجه أبو نعيم (٣)، وعنده: "إِنَّمَا يرحم الله من عباده الرحماء" وقال: غريب من حديث زيد مرفوعًا متصلًا، تفرد به حفص، ورواه ابن عجلان عن زيد مرسلًا، انتهى، والمرسل أشبه.
وقال عمر: لو نادى مناد من السماء: أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلًا واحدًا لخفت أن أكون أنا هو. خرجه أبو نعيم (٤).
وخرج الإمام أحمد (٥) من طريق عبد الله الرومي قال: بلغني أن عثمان، ﵁ قال: لو أني بين الجنة والنار -ولا أدري إِلَى أيتهما يؤمر بي- لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إِلَى أيتهما أصير.
...
(١) (٥/ ٧٤).
(٢) الدندنة: أن يتكلم الرجل بالكلام يُسمع نغمته ولا يُفْهَم، وهو أرفع من الهينمة قليلًا، والمعنى: أي حولها ندندن وفي طلبها. (انظر "النهاية" مادة: "دندن").
(٣) في "الحلية" (٣/ ٢٢٥).
(٤) في "الحلية" (٥٣).
(٥) في "الزهد، ص ١٦٠.
4 / 106
فصل [الخوف من عذاب جهنم لا يخرج عنه أحد]
والخوف من عذاب جهنم لا يخرج عنه أحد من الخلق، وقد توعد الله سبحانه خاصة خلقه عَلَى المعصية، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩].
وقال في حق الملائكة المكرمين: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩].
وثبت من حديث عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة، قال: "فَيَأْتُونَ آدَمَ" فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا، لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ أمرني بأمر فعصيته، فأخاف أن يطرحني في النار، انطلقوا إلى غيري، نفسي نفسي".
وذكر في نوح إبراهيم وموسى وعيسى مثل ذلك، كلهم يقول: إني أخاف أن يطرحني في النار. خرجه ابن أبي الدُّنْيَا (١) عن أبي خيثمة، عن جرير، عن عمارة به.
وخرّجه مسلم في "صحيحه" (٢) عن أبي خيثمة إلا أنَّه لم يذكر لفظه بتمامه.
(١) وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢/ ٤٣٥) والترمذي (٢٤٣٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (١٠/ ٤٥١).
(٢) برقم (١٨٢).
4 / 107
وخرّجه البخاري (١) من وجه آخر بغير هذا اللفظ.
ولم يزل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون يخافون النار ويخوفون منها.
فأما ما يذكر عن بعض العارفين من عدم خشية النار فالصحيح منه له وجه، سنذكره إن شاء الله تعالى.
قال ابن المبارك: أخبرني عمر بن عبد الرحمن بن هرمز، سمعت وهب بن منبه يقول: قال حكيم من الحكماء: إني لأستحيي من الله أن أعبده رجاء ثواب الجنة فأكون كالأجير السوء، إن أعطي عمل، وإن لم يعط لم يعمل، وإني لأستحي من الله أن أعبده مخافة النار، أي قط، فأكون كالعبد السوء، إن رهب عمل لأن لم يرهب لم يعمل، لأنه يستخرج حبه مني ما لا يستخرجه مني غيره.
خرجه أبو نعيم بهذا اللفظ.
وفي تفسير لهذا الكلام من بعض رواته، وهو أنَّه ذم العبادة عَلَى وجه الرجاء وحده أو عَلَى وجه الخوف وحده، وهذا حسن.
وكاد بعض السَّلف يقول: من عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف والرجاء والمحبة فهو موحد مؤمن، وسبب هذا أنَّه يجب عَلَى المؤمن أن يعبد الله بهذه الوجوه الثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، ولا بد له من جميعها، ومن أخل ببعضها فقد أخل ببعض واجبات الإيمان.
وكلام هذا الحكيم يدل عَلَى أن الحب ينبغي أن يكون أغلب من الخوف والرجاء.
وقد قال الفضيل بن عياش ﵀: المحبة أفضل من الخوف، ثم استشهد بكلام هذا الحكيم الَّذِي حكاه عنه وهب.
وكذا قال يحيى بن معاذ قال: حسبك من الخوف ما يمنع من الذنوب، ولا
(١) برقم (٧٤٣٧).
4 / 108
حَسْبَ من الحب أبدًا.
فأما الخوف والرجاء، فأكثر السلف عَلَى أنهما يستويان، لا يرجح أحدهما عَلَى الآخر، قاله مطرف والحسن والإمام أحمد وغيرهم.
ومنهم من يرجح الخوف عَلَى الرجاء، وهو محكي عن الفضيل وأبي سليمان الداراني.
ومن هذا قول حذيفة المرعشي: إن عبدًا يعمل عَلَى خوف لعبد سوء، وإن عبدًا يعمل عَلَى رجاء لعبد سوء، فكلاهما عندي سواء.
ومراده إذا عمل على إفراد أحدهما عن الآخر.
وقال وهيب بن الورد: لا تكونوا كالعامل، يقال له: تعمل كذا وكذا، فيقول: نعم إن أحسنتم لي من الأجر، ومراده: ذم من لا يلاحظ بالعمل إلا الأجر.
وهؤلاء العارفون لهم ملحظان:
أحدهما: أن الله تعالى يستحق لذاته أن يطاع ويحب، ويبتغى قربه والوسيلة إِلَيْهِ مع قطع النظر عن كونه يثيب عباده أو يعاقبهم، كما قال القائل:
هب البعثَ لم تأتنا رسله ... وجَاحِمَةُ النار لم تُضْرِمِ
أليس من الواجب المُسْتـ ... حِقِّ حياءُ العبادِ من المُنْعِمِ
وقد أشار هذا إِلَى أن نعمه عَلَى عباده تستوجب منهم شكره عليها وحياءهم منه.
وهذا هو الَّذِي أشار إِلَيْهِ النبي ﷺ لما قام حتى تورمت قدماه، فقِيلَ لَهُ: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فَقَالَ: "أفلا أكون عبدًا شكورًا" (١).
(١) أخرجه البخاري (٤٨٣٧)، ومسلم (٢٨٢٠) من حديث عائشة. وأخرجه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨١٩) من حديث المغيرة بن شعبة.
4 / 109
والملحظ الثاني: أن أكمل الخوف والرجاء ما تعلق بذات الحق تعالى -كما تقدم-، دون ما تعلق بالمخلوقات في الجنة والنار، فأعلى الخوف خوف البعد والسخط والحجاب عنه سبحانه، كما قدم سبحانه ذكر هذا العقاب لأعدائه عَلَى صليهم النار في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٥، ١٦].
وقال ذو النون: خوف النار عند خوف الفراق كقطرة في بحر لجي، كما أن أعلى الرجاء ما تعلق بذاته سبحانه من رضاه ورؤيته ومشاهدته وقربه، ولكن قد يغلط بعض الناس في هذا، فيظن أن هذا كله ليس بداخل في مسمى نعيم الجنة ولا في مسمى الجنة إذا أطلقت، ولا في مسمى النار ولا في مسمى عذاب النار إذا أطلقت، وليس كذلك.
وبقي هاهنا أمر آخر، وهو أن يقال: ما أعده الله في جهنم من أنواع العذاب المتعلق بالأمور المخلوقة لا يخافها العارفون، كما أن ما أعده الله في الجنة من أنواع النعيم المتعلق بالأمور المخلوقة لا يحبه العارفون ولا يطلبونه.
وهذا أيضًا غلط، والنصوص الدالة عَلَى خلافه كثيرة جدًا ظاهرة. وهو أيضًا مناقض لما جبل الله عليه الخلق من محبة ما يلائمهم وكراهة ما ينافرهم، وإنَّما صدر مثل هذا الكلام ممن صدر منه في حال سكره واصطلامه واستغراقه وغيبة عقله، فظن أن العبد لا يبقى له إرادة أصلًا، فإذا رجع إِلَيْهِ عقله وفهمه علم أن الأمر عَلَى خلاف ذلك.
ونحن نضرب لذلك مثلًا يتضح به هذا الأمر إن شاء الله تعالى. وهو أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة واستدعاهم الرب سبحانه إِلَى زيارته ومشاهدته ومحاضرته يوم المزيد، فإنهم ينسون عند ذلك كل نعيم عاينوه في الجنة قبل ذلك، ولا يلتفتون إِلَى شيء مما هم فيه من نعيم الجنة حتى يحتجب عنهم سبحانه، ويحتقرون كل نعيم في الجنة حين ينظرون إِلَى وجهه ﷻ، كما جاء ذلك في أحاديث يوم المزيد. فلو أنهم ذكروا حينئذٍ شيئًا من نعيم الجنة لأعرضوا عنه،
4 / 110
ولأخبروا أنهم لا يريدونه في تلك الحال، وكذلك لو خوفوا عذابًا ونحوه لم يلتفتوا إِلَيْهِ، وربما لم يستشعروا ألمه في تلك الحال، وإنَّما يحذرون حينئذٍ من الحجاب عما هم فيه والبعد عنه، فإذا رجعوا إِلَى منازلهم، رجعوا إِلَى ما كانوا عليه من التنعم بأنواع النعيم المخلوق لهم، بل يزداد نعيمهم بذلك مع شدة شوقهم إِلَى يوم المزيد ثانيًا.
فهكذا أحوال العارفين الصادقين في الدُّنْيَا إذا تجلى عَلَى قلوبهم أنوار الإحسان واستولى عليها المثل الأعلى، فإن هذا من شواهد ما يحصل لهم في الجنة يوم المزيد، فهم لا يلتفتون في تلك الحال إِلَى غير ما هم فيه من الأنس بالله والتنعم بقربه وذكره ومحبته، حتى ينسوا ذكر نعيم الجنة، ويصغر عندهم بالنسبة إِلَى ما هم فيه، ولا يخافون حينئذ أيضًا غير حجبهم عن الله وبعدهم عنه وانقطاع مواد الأنس به، فإذا رجعوا إِلَى عقولهم، وسكنت عنهم سلطنة هذا الحال وقهره، وجدوا نفوسهم وإرادتهم باقية، فيشتاقون حينئذٍ إِلَى الجنة ويخافون من النار، مع ملاحظتهم لأعلى ما يشتاق إِلَيْهِ من الجنة ويخشى منه من النار.
وأيضًا، فالعارفون قد يلاحظون من النار أنها ناشئة عن صفة انتقام الله وبطشه وغضبه، والأثر يدل عَلَى المؤثر، فجهنم دليل عَلَى غضب الله وشدة بأسه وبطشه وقوة سلطنة سطوته وانتقامه من أعدائه، فالخوف منها في الحقيقية خوف من الله وإجلال له وإعظام وخشية لصفاته المخوفة، مع أنَّه سبحانه يخوف بها عباده، ويحب منهم أن يخافوه بخوفها، وأن يخشوه بخشية الوقوع فيها، وأن يحذروه بالحذر منها، فالخائف من النار خائف من الله، متبع لما فيه محبته ورضاه والله أعلم.
***
4 / 111