من حق القارئ أن يثير هذه الأسئلة والشكوك، وأن يجتهد في تصور التناقض في صور أو صيغ أخرى. وبغير حاجة للاستطراد عن ارتباط الفلسفة بسياقها المكاني والزماني والاجتماعي، وعن بدء الفلاسفة دائما من «هذا» العالم ومن «هذا» الواقع المباشر بأشيائه وموجوداته وأحداثه وعلاقاته وقيمه ... إلخ، أقول: نعم من «الهنا والآن» يبدأ الإبداع الفلسفي قبل أن يمضي قدما في رحلة تجريده وتعميمه وتركيبه ونقده وتقييمه، من القضايا والمواقف والمشكلات التي يحياها ويعانيها الإنسان «العربي» في هذه اللحظة من تاريخها «العربي» وتاريخ العالم في مجموعه.
50
من تجارب هذا الواقع السائد الذي يسعى إلى مجاوزته، وتجارب الناس الذين يحيون فيه ويحلمون ويتألمون ويأملون ويتكلمون ويصمتون ويعرفون ويتعذبون ويسألون ويموتون ... إلخ، يبدأ صياغة أحكامه وقضاياه «العامة» التي لا تؤيدها التجربة ولا تفندها التجربة، ويبني فلسفته التي لا تغترب عن نفسها ولا عن واقعها. فعل هذا كل الفلاسفة الحقيقيون بطريقة ضمنية أو صريحة، مباشرة أو غير مباشرة؛ إما ليعقلوا هذا الواقع أو ينقدوه ويقاوموه ويتخطوه، أو يعملوا في لحمه نصل التحليل، أو يفتشوا وراءه عن واقع آخر حقيقي، أو يفسروا القوانين التي تتحكم في حركته التاريخية الاجتماعية، أو يجمعوا شتاته في وحدة أعلى، إلى آخر ما هنالك من أنساق وتيارات واتجاهات ونزعات.
ويتساءل القارئ: وهل يهتدي «المبدع المنتظر» إلى منهجه قبل بداية تجربته أم أثناءها أم بعدها؟ فأجيب: إنه لا يستطيع بطبيعة الحال أن يجرب أو يفكر بغير منهج، ومحنة التناقض أو تناقض المحنة التي يجد نفسه فيها تفرض عليه أن يكون نقديا وجدليا وثوريا. نقديا لأن مسئولية اللحظة قد وضعت على كاهله عبء مراجعة كل شيء مراجعة جذرية، بما في ذلك وعيه النقدي الذي يحتاج إلى النقد المستمر والارتباط بذاته التاريخية والاجتماعية؛ حتى لا يكتفي بمنظور الذات الأخرى. وجدليا لأن مجاوزة الواقع السائد والساكن والثابت تحتم عليه إدراك منطق التحول والإمكان في كل شيء. وثوريا لأن التحرير والتغيير - لا الاتساق وصحة التفسير وحدهما - هو المقياس الأخير الذي يحتكم إليه في تقييم فكره وعمله. ومن الطبيعي أن يتصور بعضنا بدايات أخرى لا تتنافى مع ضرورة البداية من قضايانا ومشكلاتنا وأزماتنا الملحة «هنا والآن»، وإنما تفرضها وتحفز عليها؛ فالتعريف الأمين بالمذاهب والمدارس والشخصيات الكبرى من الشرق والغرب، ودراستهم، والترجمة الدقيقة والواضحة عنهم، مع الحرص على الحوار معهم واتخاذ موقف نقدي منهم؛ هو عمل لا شك في إبداعه (ولذلك فهو شديد الندرة في مكتبتنا العربية!) ونقل الأمهات الفلسفية إلى لغتنا نقلا ينم عن التمكن والتفهم والتعاطف لا يمكن أن يخلو من إبداع، فما أكثر الكتب التي فجرت ثورات فكرية بين أبناء اللغة «المستقبلة» التي نقلت إليها! وما أشد فقرنا وخجلنا حين ننظر إلى لغتنا، فلا نجد الأعمال الكاملة المحققة لفيلسوف واحد من الكبار! والإسهام في الجهود الفلسفية العالمية في مجالات البحث الفلسفي المتخصص (كالمنطق الرمزي وفلسفة الرياضيات وفلسفة اللغة ونظريات المعرفة ومبحث القيم وآفاق التفلسف المعاصر التي نشأت نتيجة التطورات التقنية المذهلة ... إلى آخر ذلك) - وهذا مبلغ علمي - شبه معدومة، والمراجعات الجذرية للتعليم الفلسفي الذي غرق في الصراعات الصغيرة، وأخفق طوال السنوات الأخيرة إخفاقا ذريعا في تحقيق الحد الأدنى من الحس النقدي المستقل لدى الدارسين، أو تأصيل اتجاه أو تيار أو مدرسة بالمعنى العلمي المتعارف عليه، فغلب عليه التقليد واجترار القديم والحديث، والتأليف المترجم، والترجمة المؤلفة، من ناحية، أو ارتفاع الشعارات والأصوات الأيديولوجية التي خنقت الصوت العلمي من ناحية أخرى. بيد أن المجال يضيق عن طرح المزيد من الأسئلة والمشكلات والتمنيات، وربما اتسع يوما من الأيام - إذا أعان الله وشاءت رحمته - لبدايات أخرى نابعة من الأزمات والتناقضات التي تعذبنا «هنا والآن».
هوامش
النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت
تمهيد
لا تستغني الحياة الواعية عن النقد، ولا يشك أحد في ضرورة النقد المتجدد للواقع السائد في نظم المعرفة والقيم والاجتماع وأنماط الفكر والفعل والسلوك؛ إذ إن إحياء الحس النقدي معناه إحياء الحس بالحرية والاستنارة، وضرورة التغيير والتقدم والحوار المستمر.
وعلى الرغم من تعدد مفاهيم النقد وتنوع أساليب تطبيقه وميادينه، فهو في تصوره البسيط المباشر يتضمن مناهج المراجعة والتقييم للأفكار والوقائع والأفعال التي تنطلق من معايير معينة، كما يستهدف الكشف عن تعارض تلك الأفكار والوقائع والأفعال مع هذه المعايير التي أصابها العجز والفساد بغية العمل على «رفعها » وتجاوزها.
هذا السلب أو النفي الدائب للمعايير السائدة والوقائع والأوضاع القائمة، يكمن كذلك في النقد الذاتي الذي يزاوله الفرد أو المجتمع، أو ينبغي أن يزاولاه على مختلف الظروف والقيم والمواضعات والمؤسسات والنظم التي قد تبدو للوعي غير النقدي مطلقة وثابتة ومستقرة؛ ولهذا يظل النقد والنقد الذاتي هو التعبير الحي الفعال عن صحوة الوعي الفردي والاجتماعي، وأهم الأسس التي يعتمد عليها الصراع الدائم مع النزعات المحافظة والتقليدية والسلبية التي تبرر كل وضع سائد وتباركه، وتقاوم التغيير والتطوير والتجديد والإبداع. وطبيعي أن يبقى النقد الذي يكتفي بنفي الواقع القائم ونقضه وتعرية عيوبه وأخطائه في أدنى مستويات النقد؛ لأن النقد الصحيح هو الذي يضع «الضد» في مواجهة «القائم»، ويؤلف بينهما في «جديد» أعلى وأشمل وأكثر وعيا وخصوبة.
Bog aan la aqoon