Tafsirka Dhexdhexaadka ah

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

Daabacaha

دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع

Daabacaad

الأولى

Goobta Daabacaadda

الفجالة - القاهرة

[المجلد الاول]
بسم الله الرّحمن الرّحيم
مقدّمة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا هو، وحده لا شريك له، ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله رحمة للعالمين، وأنزل عليه كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. اللهم صل وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون.
وبعد: فإن القرآن الكريم هو كتاب الله الذي أنزله على قلب نبيه محمد ﷺ، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ولينقذهم من الكفر والظلم والفجور. كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ «١» .
وقد أنزل الله- تعالى- هذا القرآن على قلب نبيه ﷺ، لمقاصد عالية، وحكم سامية، وأغراض شريفة ...
من أهمها أن يكون هذا القرآن هداية للإنس وللجن في كل زمان ومكان إلى الصراط المستقيم، وإلى السعادة التي تصبو إليها النفوس، وتتطلع إليها الأفئدة والقلوب ...
وقد أودع- تعالى- في هذا الكتاب من العقائد السليمة، والعبادات القويمة، والأحكام الجليلة، والآداب الفاضلة، والعظات البليغة، والتوجيهات الحكيمة ... ما به قوام الملة الكاملة، والأمة الفاضلة، والجماعة الراشدة، والفرد السليم في عقيدته وسلوكه وفي كل شئونه.
فكان هذا الكتاب أفضل الكتب السماوية، وأوفاها بحاجة البشرية، وأجمعها للخير، وأبقاها على الدهر، وأعمها وأتمها وأصحها في هدايته الناس إلى ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم.

(١) سورة إبراهيم: الآية ١.

1 / 5

قال- تعالى-: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا «١» .
وقال تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «٢» .
وقال- تعالى- قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ، فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا «٣» .
كذلك من أهم المقاصد التي من أجلها أنزل الله تعالى على نبيه ﷺ هذا القرآن، أن يكون هذا القرآن معجزة ناطقة في فم الدنيا بصدقه فيما يبلغه عن ربه.
ولقد جاء النبي ﷺ إلى الناس فدعاهم إلى وحدانية الله، وإلى مكارم الأخلاق، وقال لهم: معجزتي الدالة على صدقى هذا القرآن، فإن كنتم في شك من ذلك فأتوا بمثله فعجزوا، فأرخى لهم العنان وتحداهم بأن يأتوا بعشر سور من مثله فما استطاعوا، فزاد في إرخاء العنان لهم- وهم أرباب البلاغة والبيان- وتحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة من مثله، فأخرسوا وانقلبوا صاغرين. فثبت أن هذا القرآن من عند الله، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.
قال الله تعالى-: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ «٤» .
كذلك من أهم المقاصد التي من أجلها أنزل الله هذا القرآن على قلب نبيه ﷺ أن يتقرب الناس به إلى خالقهم عن طريق تلاوته، وحفظه، وتدبره، والعمل بتشريعاته وآدابه وتوجيهاته ...
ولقد تكلم الإمام القرطبي بإسهاب في مقدمة تفسيره عن فضائل القرآن، والترغيب فيه، وفضل طالبه، وقارئه، ومستمعه، والعامل به، وكيفية تلاوته ... فقال ما ملخصه:
اعلم أن هذا الباب واسع كبير. ألف فيه العلماء كتبا كثيرة، نذكر من ذلك نكتا تدل على فضله، وما أعد الله لأهله إذا أخلصوا الطلب لوجهه، وعملوا به. فأول ذلك أن يستشعر المؤمن من فضل القرآن أنه كلام رب العالمين. كلام من ليس كمثله شيء....

(١) سورة الإسراء. الآية ٩.
(٢) سورة المائدة: الآيتان ١٥، ١٦.
(٣) سورة الجن: الآيتان ١، ٢.
(٤) سورة البقرة: الآيتان ٢٣، ٢٤.

1 / 6

ومن الآثار التي جاءت في هذا الباب ما أخرجه الترمذي عن أبى سعيد قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله تعالى: «من شغله القرآن وذكرى عن مسألتى، أعطيته أفضل ما أعطى السائلين..» .
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم ...» .
وروى البخاري عن عثمان بن عفان عن النبي ﷺ قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، وروى مسلّم عن أبى موسى الأشعرى قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة «١» ريحها طيب وطعمها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مر» .
وروى مسلّم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه- أى يقرؤه بصعوبة- وهو عليه شاق له أجران» .
وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» «٢» .
هذا جانب من الأحاديث الشريفة التي أوردها القرطبي، وهو يتحدث عن فضائل القرآن، والترغيب فيه ... إلخ.
ولقد حذر النبي ﷺ: أمته تحذيرا شديدا من نسيان القرآن، فقد روى الشيخان عن أبى موسى عن النبي ﷺ قال: «تعاهدوا القرآن فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا- أى:
تفلتا- من الإبل في عقلها» .
وروى الترمذي وأبو داود عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «عرضت على ذنوب أمتى فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها» .
هذه أهم المقاصد والحكم التي من أجلها أنزل الله- تعالى- القرآن على نبيه ﷺ: أن

(١) الأترجة: ثمرة حلوة الطعم، طيبة الرائحة، جميلة اللون، تشبه التفاحة.
(٢) تفسير القرطبي: ح ١ ص ٤ وما بعدها.

1 / 7

يكون هداية للناس، وأن يكون معجزة خالدة باقية شاهدة بصدق الرسول ﷺ: فيما يبلغه عن ربه، وأن يتقرب الناس بقراءته والعمل به إلى خالقهم- ﷿ ولقد تكفل الله- تعالى- بحفظ هذا القرآن، وصانه من التحريف والتبديل، والتغيير والمعارضة. قال- تعالى-: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «١» .
وكان من مظاهر عنايته- سبحانه- بكتابه، أن جعله محفوظا في كل العصور بالتواتر الصادق القاطع، يرويه الخلف عن السلف بالكيفية المروية عن رسول الله ﷺ، وأن وفق له في كل عصر حفاظا متقنين جمعوه في صدورهم، وعمروا به ليلهم ونهارهم ...
وأن قيض له رجالا قضوا معظم أيام حياتهم في خدمته ودراسة علومه، فمنهم من كتب في إعجازه وبلاغته، ومنهم من كتب في قصصه وأخباره، ومنهم من كتب في أسباب نزوله، ومنهم من كتب في قراءته ورسمه، ومنهم من كتب في محكمه ومتشابهه، ومنهم من كتب في ناسخه ومنسوخه، ومنهم من كتب في مكية ومدنية، ومنهم من كتب في غريب ألفاظه..... إلى غير ذلك من ألوان علومه.
وكثير منهم كتبوا في تفسيره. وتوضيح معانيه ومقاصده وألفاظه، وذلك لأن سعادة الأفراد والأمم لا تتأتى إلا عن طريق الاسترشاد بتعاليم القرآن وتوجيهاته، وهذا الاسترشاد لا يتحقق إلا عن طريق الكشف والبيان، لما تدل عليه ألفاظ القرآن. وهو ما يسمى بعلم التفسير.
فتفسير القرآن هو المفتاح الذي يكشف عن تلك الهدايات السامية، والتوجيهات النافعة، والعظات الشافية والكنوز الثمينة التي احتواها هذا الكتاب الكريم.
وبدون تفسير القرآن، تفسيرا علميا سليما مستنيرا لا يمكن الوصول إلى ما اشتمل عليه هذا الكتاب من هدايات وتوجيهات، مهما قرأه القارئون وردد ألفاظه المرددون.
قال إياس بن معاوية: مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره، كمثل قوم جاءهم كتاب من مليكهم ليلا، وليس عندهم مصباح، فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما في الكتاب. ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرأوا ما في الكتاب» «٢» .
ولقد أفاض الامام ابن كثير في بيان هذا المعنى «وفي بيان أحسن طرق التفسير فقال:
«فالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام الله، وتفسير ذلك، وطلبه من مظانه، وتعلم ذلك وتعليمه....
فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطريق في ذلك أن يفسر

(١) سورة الحجر. الآية ٩.
(٢) تفسير القرطبي ح ١ ص ٢٦.

1 / 8

القرآن بالقرآن فما أجمل في مكان فإنه قد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة للقرآن وموضحة له.... وقد قال رسول الله ﷺ: «ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه»، يعنى السنة ...
والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة.... فإن لم تجده فمن أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالخلفاء الراشدين، والأئمة المهتدين المهديين ... قال عبد الله بن مسعود: والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت. ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله منى تناله المطايا لأتيته» . وقال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن» .
وقال أبو عبد الرحمن السلمى: «حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي ﷺ وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعلموا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعا» ....
فإذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين كمجاهد بن جبر، وسعيد ابن جبير. وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبى رباح، والحسن البصري وغيرهم» «١» .
هذا، وأنت إذا سرحت طرفك في المكتبة الإسلامية ترى العشرات من كتب التفسير، منها القديم والحديث، وترى منها الكبير والوسيط والوجيز، وترى منها ما يغلب عليه طابع التفسير بالمأثور، وترى ما يغلب عليه طابع التفسير بالرأى، وترى منها ما تغلب عليه الصبغة الفقهية، أو البلاغية، أو الفلسفية، أو الصوفية، أو العلمية، أو الاجتماعية، أو الطائفية.... أو غير ذلك من الاتجاهات والميول التي تختلف باختلاف أفكار الكاتبين وثقافتهم ومذهبهم ...
وترى منها المحرر أو شبه المحرر من الخرافات، والأقوال السقيمة، والقصص الباطلة ... كما ترى منها ما هو محشو بذلك.
ولقد انتفعت كثيرا بما كتبه الكاتبون عن كتاب الله- تعالى-، وها أنذا- أخى القارئ- أقدم لك تفسيرا وسيطا لسورتى الفاتحة والبقرة، وقد بذلت فيه أقصى جهدي ليكون تفسيرا علميا محققا، محررا من الأقوال الضعيفة، والشبه الباطلة، والمعاني السقيمة..

(١) تفسير ابن كثير ح ١ ص ٤ وما بعدها- بتصرف وتلخيص-

1 / 9

وستلاحظ خلال قراءتك له أننى كثيرا ما أبدأ بشرح الألفاظ القرآنية شرحا لغويا مناسبا ثم أبين المراد منها- إذا كان الأمر يقتضى ذلك-.
ثم أذكر سبب النزول للآية أو الآيات- إذا وجد وكان مقبولا- ثم أذكر المعنى الإجمالى للآية أو الجملة، عارضا «١» ما اشتملت عليه من وجوه البلاغه والبيان، والعظات والآداب والأحكام ...، مدعما ذلك بما يؤيد المعنى من آيات أخرى، ومن الأحاديث النبوية، ومن أقوال السلف الصالح.
وقد تجنبت التوسع في وجوه الإعراب، واكتفيت بالرأى أو الآراء الراجحة إذا تعددت الأقوال ...
وذلك لأننى توخيت فيما كتبت إبراز ما اشتمل عليه القرآن الكريم من هدايات جامعة، وأحكام سامية، وتشريعات جليلة، وآداب فاضلة، وعظات بليغة، وأخبار صادقة، وتوجيهات نافعة، وأساليب بليغة، وألفاظ فصيحة ...
والله أسأل أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا، وبهجة أفئدتنا، وأن يعيننا ويوفقنا لإتمام ما بدأناه من خدمة كتابه، وأن يجعل أعمالنا وأقوالنا خالصة لوجهه، ونافعة لعباده.
وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلّم.
كتبه الراجي عفو ربه محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر

(١) عرض الشيء: أظهره وأبرزه. المعجم الوسيط ح ٢ ص ٥٩٣.

1 / 10

سورة الفاتحة
[سورة الفاتحة (١): الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)
سورة الفاتحة هي السورة الوحيدة التي أمر الإسلام أتباعه أن يقرءوها في كل صلاة. وفي جميع الركعات، وفي كل الأوقات، ولهذا أصبح حفظها ميسورا لكل مؤمن.
وهذه السورة على صغر حجمها، وقلة آياتها، قد اشتملت بوجه إجمالى على مقاصد الدين من توحيد، وتعبد، وأحكام، ووعد ووعيد.
ونرى من الخير قبل أن نبدأ في تفسيرها بالتفصيل، أن نمهد لذلك بالكلام عما يأتى:
أولا: متى نزلت سورة الفاتحة؟
للإجابة على هذا السؤال نقول: إن الرأى الراجح بين المحققين من العلماء أنها نزلت بمكة، بل هي من أوائل ما نزل من القرآن بمكة.
وقيل: إنها مدنية. وقيل: إنها نزلت مرتين مرة بمكة حين فرضت الصلاة ومرة بالمدينة حين حولت القبلة.
قال القرطبي: الأول أصح لقوله- تعالى- في سورة الحجر: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ وسورة الحجر مكية بالإجماع. ولا خلاف في أن فرض الصلاة كان بمكة، وما حفظ أنه لم يكن في الإسلام قط صلاة بغير الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «يدل على ذلك قوله

1 / 11

ﷺ: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» . وهذا خبر عن الحكم لا عن الابتداء» «١» .
ثانيا: عدد آياتها: وهي سبع آيات لقوله- تعالى-: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ. قال العلماء: السبع المثاني هي الفاتحة.
وقال ابن كثير: هي سبع آيات بلا خلاف. وقال عمرو بن عبيد: هي ثماني آيات لأنه جعل إِيَّاكَ نَعْبُدُ آية. وقال حسين الجعفي: هي ست آيات وهذان القولان شاذان» «٢» .
ثالثا: اسماؤها: لسورة الفاتحة أسماء كثيرة من أشهرها:
١- «الفاتحة أو فاتحة الكتاب، وسميت بذلك لأنه تفتتح قراءة القرآن بها لفظا. وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطا، وتفتتح بها الصلوات، وإن لم تكن هي أول ما نزل من القرآن. وقد اشتهرت بهذا الاسم في أيام النبوة.
وقد أصبح هذا الاسم علما بالغلبة لتلك الطائفة من الآيات التي مبدؤها الْحَمْدُ لِلَّهِ..
ونهايتها.. وَلَا الضَّالِّينَ.
٢- «أم القرآن أو الكتاب» وسميت بذلك لاشتمالها إجمالا على المقاصد التي ذكرت فيه تفصيلا، أو لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله بما هو أهله، والتعبد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده، أو على جملة معانيه من الحكم النظرية، والأحكام العملية التي هي سلوك الصراط المستقيم، والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء.
قال ابن جرير: «والعرب تسمى كل أمر جامع أمّا، وكل مقدم له توابع تتبعه «أما» فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ: «أم الرأس» . وتسمى لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها «أما» «٣» .
٣- «السبع المثاني» جمع مثنى كفعلى اسم مكان. أو مثنى- بالتشديد- من التثنية على غير قياس. وسميت بذلك لأنها سبع آيات في الصلاة، أى تكرر فيها أخرج الإمام أحمد، عن أبى هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «هي أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم» «٤» .
٤- وتسمى- أيضا- سورة «الحمد» . ٥- و«الكنز» . ٦- و«الواقية» .

(١) تفسير القرطبي. ج ١ ص ١١٥ طبعة دار الكاتب العربي.
(٢) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٨ طبعه عيسى الحلبي.
(٣) تفسير ابن جرير ج ١ ص ١٠٧ طبعة دار المعارف. [.....]
(٤) تفسير ابن كثير ج ١ ص ٩.

1 / 12

٧- و«الشفاء»، لحديث. هي الشفاء من كل داء.
٨- و«الكافية» لأنها تكفى عن سواها ولا يكفى سواها عنها.
٩- و«الأساس» . ١٠- و«الرقية» .
هذا، وقد ذكر القرطبي للفاتحة اثنى عشر اسما، كما ذكر السيوطي لها في كتابه «الإتقان» خمسة وعشرين اسما.
رابعا: فضلها: ورد في فضل سورة الفاتحة أحاديث كثيرة منها:
ما رواه البخاري في صحيحه عن أبى سعيد بن المعلى- ﵁ قال:
كنت أصلى في المسجد، فدعاني النبي ﷺ فلم أجبه فقلت: يا رسول الله، إنى كنت أصلّى.
فقال: ألم يقل الله: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ.
ثم قال لي: «لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد» . ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت: يا رسول الله. ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن. قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» «١» .
وروى مسلّم والنسائي، عن ابن عباس، قال:
بينما جبريل قاعد عند النبي ﷺ سمع نقيضا من فوقه- أى: صوتا- فرفع رأسه فقال:
هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم. فسلّم وقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما، ولم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته» «٢» .
وروى مسلّم عن أبى هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ قال:
«من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج (ثلاثا): غير تمام» فقيل لأبى هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله- تعالى-: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدى نصفين، ولعبدي ما سأل»، فإذا قال العبد:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. قال الله: حمدنى عبدى، وإذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قال الله تعالى: أثنى على عبدى. وإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال الله: مجدنى عبدى. فإذا قال:
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. قال الله: هذا بيني وبين عبدى ولعبدي ما سأل. فإذا قال:

(١) صحيح البخاري. كتاب التفسير. باب ما جاء في فاتحة الكتاب ج ٦ ص ٢١.
(٢) أخرجه مسلّم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها ج ٢ ص ١٩٨.

1 / 13

اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
قال الله: «هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» «١» .
وأخرج الإمام أحمد في مسنده، عن عبد الله بن جابر، أن رسول الله ﷺ قال له: ألا أخبرك بأخير سورة في القرآن؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: اقرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ حتى تختمها «٢» .
تلك هي بعض الأحاديث التي وردت في فضل هذه السورة الكريمة.
وقد ذكر العلماء أنه يسن للمسلّم قبل القراءة أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، استجابة لقوله- تعالى- فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ «٣» .
ومعنى «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»: ألتجئ إلى الله وأتحصن به، واستجير بجنابه من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياى.
قال ابن كثير: «والشيطان في لغة العرب كل متمرد من الجن والإنس والدواب وكل شيء.
وهو مشتق من شطن إذا بعد، فهو بعيد بطبعه عن طباع الشر، وبعيد بفسقه عن كل خير.
وقيل: مشتق من شاط لأنه مخلوق من نار. والأول أصح إذ عليه يدل كلام العرب، فهم:
يقولون تشيطن فلان إذا فعل أفعال الشيطان، ولو كان من شاط. لقالوا: تشيط، فالشيطان مشتق من البعد على الصحيح» «٤» .
والرجيم: فعيل بمعنى مفعول أى أنه مرجوم مطرود من رحمة الله ومن كل خير، وقيل:
رجيم بمعنى راجم لأنه يرجم الناس بالوساوس والشكوك.
قال بعض العلماء: «وإنما خصت القراءة بطلب الاستعاذة مع أنه قد أمر بها على وجه العموم في جميع الشئون، لأن القرآن مصدر الهداية والشيطان مصدر الضلال، فهو يقف للإنسان بالمرصاد في هذا الشأن على وجه خاص، فيثير أمامه ألوانا من الشكوك فيما يقرأ، وفيما يفيد من قراءته، وفيما يقصد بها، فيفوت عليه الانتفاع بهدى الله وآياته، فعلمنا الله أن نتقي ذلك كله بهذه الاستعاذة التي هي في الواقع عنوان صدق، وتعبير حق، عن امتلاء قلب المؤمن بمعنى اللجوء إلى الله، وقوة عزيمته في طرد الوساوس والشكوك، واستقبال الهداية بقلب طاهر،

(١) أخرجه مسلّم في كتاب الصلاة ج ٢ ص ٩.
(٢) تفسير ابن كثير ج ١ ص ١٠.
(٣) سورة النحل الآية ٩٨.
(٤) تفسير ابن كثير ج ١ ص ١٤.

1 / 14

Tafsirka Dhexdhexaadka ah | Usul