Tafsirka Miizaanka
تفسير الميزان - العلامة الطباطبائي
Noocyada
والنهي عن قرب الشجرة المنهية حتى يأكلا منها فيبدو لهما سوآتهما فيهبطا إلى الأرض، فآخر العوامل للاستقرار في الأرض، وانتخاب الحياة الدنيوية ظهور السوأة، وهي العورة بقرينة قوله تعالى: وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة فهو التمايل الحيواني ويستلزم التغذي والنمو أيضا فما كان لإبليس هم إلا إبداء سوآتهما، وآدم وزوجته وإن كانا قد سواهما الله تعالى تسوية أرضية بشرية ثم أدخلهما الجنة لم يمكثا بعد التسوية، ولم يمهلا كثيرا، ليتم في الدنيا إدراكهما لسوآتهما ولا لغيرها من لوازم الحياة الدنيا واحتياجاتها حتى أدخلهما الله الجنة، وأنه إنما أدخلهما الله الجنة حين أدخلهما ولما ينفصلا ولما ينقطع إدراكهما عن عالم الروح والملائكة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ليبدي لهما ما ووري عنهما ولم يقل ما كان ووري عنهما، وهو مشعر بأن مواراة السوآة ما كانت ممكنة في الحياة الدنيا استدامة وإنما تمشت دفعة ما واستعقب ذلك إسكان الجنة فظهور السوآة كان مقضيا محتوما في الحياة الأرضية ومع أكل الشجرة، ولذلك قال تعالى: فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى، وقال تعالى: وأخرجهما مما كانا فيه وأيضا هو تعالى غفر خطيئتهما بعد ما تابا ولم يرجعهما إلى الجنة بل أهبطهما إلى الدنيا ليحييا فيها ولو لم تكن الحياة الأرضية مع أكل الشجرة وظهور السوآة حتما مقضيا، والرجوع إلى الجنة مع ذلك محالا، لرجعا إليها بعد حط الخطيئة، فالعامل في خروجهما من الجنة وهبوطهما هو الأكل من الشجرة وظهور السوآة، وكان ذلك بوسوسة الشيطان اللعين، وقد قال تعالى في سورة طه في صدر القصة: "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما".
ثم ساق تعالى القصة.
فهل هذا العهد هو قوله تعالى: لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين؟ أو أنه قوله تعالى: إن هذا عدو لك ولزوجك أو أنه العهد بمعنى الميثاق العمومي المأخوذ من جميع الإنسان، ومن الأنبياء خاصة بوجه آكد وأغلظ.
والاحتمال الأول غير صحيح لقوله تعالى: "فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهيكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين" الآيتان فهما قد كانا حين اقتراف الخطيئة واقتراب الشجرة على ذكر من النهي، وقد قال تعالى: "فنسي ولم نجد له عزما" فالعهد المذكور ليس هو النهي عن قرب الشجرة وأما الاحتمال الثاني وهو أن يكون العهد المذكور هو التحذير عن اتباع إبليس فهو وإن لم يكن بالبعيد، كل البعيد، لكن ظواهر الآيات لا تساعد عليه فإن العهد مخصوص بآدم (عليه السلام) كما هو ظاهر الآية.
مع أن التحذير عن إبليس كان لهما معا، وأيضا ذيل الآيات وهو على طبق صدرها في سورة طه يناسب العهد بمعنى الميثاق الكلي، لا العهد بمعنى التحذير عن إبليس، قال تعالى: "فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى الآيات " فبحسب التطبيق ينطبق قوله تعالى: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا على نسيان العهد وهو كما ترى مع العهد بمعنى الميثاق على الربوبية والعبودية أنسب منه مع التحذير من إبليس، إذ لا كثير مناسبة بحسب المفهوم بين الإعراض عن الذكر واتباع إبليس، وأما الميثاق على الربوبية فهو له أنسب، فإن الميثاق على الربوبية هو أن لا ينسى الإنسان كونه تعالى ربا له أي مالكا مدبرا أي لا ينسى الإنسان أبدا ولا في حال أنه مملوك طلق لا يملك لنفسه شيئا لا نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، أي لا ذاتا ولا وصفا ولا فعلا.
والخطيئة التي تقابله هو إعراض الإنسان عن ذكر مقام ربه والغفلة عنه بالالتفات إلى نفسه أو ما يعود ويرجع إلى نفسه من زخارف الحياة الدنيا الفانية البالية هذا.
Bogga 72