وفي هذه الآية دلالة على صحة القياس؛ لأنه لو لم يصح القياس لم يكن الله يجيب به، وفيها دليل على جواز قياس الشيء بالشيء من وجه دون وجه؛ لأن الله عز وجل إنما شبه عيسى بآدم في كونه من غير أب؛ لا في كونه من غير أم؛ ولا في خلقه من التراب.
فإن قيل: هلا قال الله تعالى: (كن فكان) فإن آدم قد انقضى كونه وقد أخبر عنه بالمستقبل؟ قيل: إن الفعل الماضي منقطع والمضارع متصل؛ وذلك يقال: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل كذا فكان فعل كن لأنه لا يقتضي التكرار، وما روي أنه كان يفعل كذا فإنه على التكرار دون الانقطاع. ثم فعل الله يبنى على المهلة ويحدث على التدريج، ألا ترى أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وكذلك بدت الحياة في آدم على التدريج، وكذلك أمر عيسى على التدريج كان يبدأ شيئا فشيئا؛ فأخبر الله عز وجل عن ذلك بفعل دائم.
[3.60]
قوله عز وجل: { الحق من ربك فلا تكن من الممترين }؛ قال الفراء: (رفع بخبر ابتداء محذوف تقديره: هو الحق أو هذا الحق). وقيل: تقديره: هذا الذي أنبأتك به هو الحق والصدق في أمر عيسى، { فلا تكن من الممترين } أي من الشاكين؛ فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن شاكا في أمر عيسى عليه السلام قط، وهذا كما قال تعالى:
يأيها النبي إذا طلقتم النسآء
[الطلاق: 1]. وقال بعضهم: معناه: لا تكن أيها السامع لهذا النبأ من الشاكين.
[3.61]
قوله عز وجل: { فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم }؛ أي فمن خاصمك وجادلك يا محمد في أمر عيسى من بعد ما جاءك من البيان بأنه عبد الله ورسوله، ولم يكن ابن الله ولا شريكه؛ { فقل تعالوا }؛ يا معشر النصارى؛ { ندع أبناءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم }؛ لنخرج إلى فضاء من الأرض؛ { ثم نبتهل }؛ أي نلتعن، والبهلة: اللعنة؛ يقال: بهله الله؛ أي لعنه الله وباعده. ويقال: معنى { نبتهل }: نجتهد ونتضرع في الدعاء على الكاذب. ثم فسر الابتهال فقال تعالى: { فنجعل لعنت الله على الكاذبين }؛ أي نقول: لعنة الله على الكاذبين في أمر عيسى.
قرأ الحسن وأبو واقد وأبو السمال العدوي: (تعالوا) بضم اللام. وقرأ الباقون: (تعالوا) بفتح اللام، والأصل فيه: تعاليوا؛ لأنه تفاعلوا من العلو، فاستثقلت الضمة على الياء فسكنت ثم حذفت وبقيت اللام على فتحها، ومن ضم فقد نقل حركة الياء المحذوفة إلى اللام. قال الفراء: (معنى تعال: ارتفع).
فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على نصارى نجران وقال لهم:
Bog aan la aqoon