Tafsir Jawamic Jamic

تفسير جوامع الجامع

Tifaftire

مؤسسة النشر الإسلامي

Daabacaad

الأولى

Sanadka Daabacaadda

1418 AH

Gobollada
Afgaanistaan
•
Imbaraado iyo Waqtiyo
Ghaznavids

مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله الذي أكرمنا بكتابه الكريم، ومن علينا بالسبع المثاني (1) والقرآن العظيم، وما ضمنه من الآيات والذكر الحكيم، فهو النور الساطع برهانه، والفرقان الصادع (2) تبيانه، والمعجز الباقي على مر الدهور، والحجة الثابتة سجيس (3) العصور، يهدي إلى صالح القول والعمل، ويثبت من الميل والزلل، لا تمجه (4) الأسماع، ولا تمله الطباع، معدن كل علم ومنبع كل حكم، وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين، نزل به الروح الأمين على خاتم النبيين ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين.

ثم الصلاة والسلام على الرسول الأمين والنبي المكين، محمد خير البشر، وسيد البشر (5)، وأكرم النذر، المنتجب من أشرف المناصب، المنتخب من أعلى

Bogga 47

المناسب، الذي سما بسمو انتسابه اسم عدنان (1) ومضر (2)، وبعلو قدره علا كعب كعب وكبر (3)، وبنضرة جاهه وجه النضر نضر (4)، وبرفعة أمره استمر أمر مرة وأمر، فأسرته خير الأسر، وشجرته أكرم الشجر، وعترته أفضل العتر، صلى الله عليه وعلى أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

أما بعد، فإني لما فرغت من كتابي الكبير في التفسير الموسوم ب‍ " مجمع البيان لعلوم القرآن "، ثم عثرت من بعد بالكتاب الكشاف لحقائق التنزيل لجار الله (5)

Bogga 48

العلامة، واستخلصت (1) من بدائع معانيه وروائع ألفاظه ومبانيه مالا يلفى مثله في كتاب مجتمع الأطراف، ورأيت أن أسمه وأسميه بالكاف الشاف، فخرج الكتابان إلى الوجود، وقد ملكا أزمة القلوب، إذ أحرزا من فنون العلم غاية المطلوب، وجادت جدواهما، وتراءت ناراهما، وبعد في استجماع جواهر الألفاظ وزواهر المعاني مداهما، فسارا (2) في الأمصار مسير الأمثال، وسريا في الأقطار مسرى الخيال، اقترح علي من حل مني محل السواد من البصر والسويداء من الفؤاد، ولدي أبو نصر الحسن - أحسن الله نصره وأرشد أمري وأمره - أن أجرد من الكتابين كتابا ثالثا يكون مجمع بينهما ومحجر (3) عينهما، يأخذ بأطرافهما ويتصف بأوصافهما، ويزيد بأبكار الطرائف وبواكير (4) اللطائف عليهما، فيتحقق ما قيل: إن الثالث خير، فإن الكتب الكبار قد يشق على الشادي (5) حملها ويثقل على الناقل نقلها، فأكثر أبناء الزمان تقصر هممهم عن احتمال أعباء (6) العلوم الثقيلة والإجراء في حلباته (7) المديدة الطويلة، فاستعفيته من ذلك مرة بعد أخرى لما كنت أجده في نفسي من ضعف المنة (8) ووهن القوة، فلقد ذرفت (9) على السبعين سنيا، وبلغت من الكبر عتيا، وصرت كالحنية حنيا (10)، واشتعل الرأس

Bogga 49

شيبا، وقاربت شمس العمر مغيبا، فأبى إلا المراجعة فيه، والعود والاستشفاع بمن لم أستجز (1) له الرد فلم أجد بدا من صرف وجه الهمة إليه والإقبال بكل العزيمة عليه، وهممت أن أضع يدي فيه، ثم استخرت الله تعالى وتقدس في الابتداء منه بمجموع مجمع جامع للكلم الجوامع، أسميه كتاب " جوامع الجامع "، ولا شك أنه اسم وفق للمسمى ولفظ طبق للمعنى، وأرجو أن يكون بتوفيق الله وعونه وفيض فضله ومنه كتابا وسيطا خفيف الحجم، كثير الغنم، لا يصعب حمله، ويسهل حفظه، ويكثر معناه وإن قل لفظه، يروع (2) موضوعه، ويروق مسموعه، ينظم وسائط القلائد، ويحوي بسائط الفوائد، ويستضئ العلماء بغرره ودرره، ويفتقر الفضلاء إلى فقره، فيكتب (3) على وجه الدهر، ويعلق في كعبة المجد والفخر.

ومما حداني إليه وحثني وبعثني عليه، أن خطر ببالي وهجس بضميري، بل ألقي في روعي (4) محبة الاستمداد من كلام جار الله العلامة ولطائفه، فإن لألفاظه لذة الجدة ورونق الحداثة، مقتصرا فيه على إيراد المعنى البحت، والإشارة إلى مواضع النكت، بالعبارات الموجزة والإيماءات المعجزة، مما يناسب الحق والحقيقة ويطابق الطريقة المستقيمة.

وإذا ورد في أثناء الآيات شئ قد تقدم الكلام في نظيره، أعول في أكثره على المذكور قبل، إيثارا للإيجاز والاختصار.

وأنا أسأل الله الكريم المنان مستشفعا إليه بمحمد المصطفى وآله مصابيح الإيمان ومفاتيح الجنان، عليه وعليهم الصلاة والسلام ما اختلف الضياء والظلام، أن يجعل وكدي (5) وكدي في تأليفه مع تخاذل الأعضاء وتواكل الأجزاء موجبا لغفرانه، ومؤديا إلى رضوانه، ويمن بالتسهيل والتيسير، فإن تيسير العسير عليه جلت قدرته يسير، وهو على ما يشاء قدير، نعم المولى ونعم النصير.

Bogga 50

سورة الفاتحة / 2 سورة الفاتحة مكية سبع آيات بلا خلاف، إلا أن أهل مكة والكوفة عدوا * (بسم الله الرحمن الرحيم) * آية من الفاتحة، وغيرهم عدوا * (أنعمت عليهم) * آية.

وروي عن ابن عباس (1) أنه قال: من ترك * (بسم الله الرحمن الرحيم) * فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله تعالى (2).

وعن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن قوله تعالى: * (سبعا من المثاني) * (3)، فقال (عليه السلام): " هي سورة الحمد، وهي سبع آيات منها بسم الله الرحمن الرحيم " (4).

Bogga 51

وعن أبي بن كعب (1) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أيما مسلم قرأ فاتحة الكتاب أعطي من الأجر كأنما قرأ ثلثي القرآن، وأعطي من الأجر كأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة " (2).

وعن جابر بن عبد الله (3) عنه (عليه السلام) قال: " هي شفاء من كل داء إلا السام، والسام الموت " (4).

* (بسم الله الرحمن الرحيم) * (1) (5) أصل الاسم: سمو، لأن جمعه أسماء وتصغيره سمي * (الله) * أصله: إله، فحذفت الهمزة وعوض عنها حرف التعريف، ولذلك قيل في النداء: " يا الله " بقطع الهمزة، كما يقال: " يا إله ". ومعناه: أنه الذي يحق له العبادة، وإنما حقت له العبادة لقدرته على أصول النعم، فهذا الاسم مختص بالمعبود بالحق لا يطلق على غيره، وهو اسم غير صفة لأنك تصفه فتقول: " إله واحد " ولا تصف به، فلا تقول: شئ

Bogga 52

إله، و * (الرحمن) * فعلان من رحم كغضبان، و * (الرحيم) * فعيل منه كعليم، وفي * (الرحمن) * من المبالغة ما ليس في * (الرحيم) *، ولذلك قيل: الرحمن بجميع الخلق، والرحيم بالمؤمنين خاصة (1).

ورووا عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: " الرحمن اسم خاص بصفة عامة، والرحيم اسم عام بصفة خاصة " (2).

وتعلقت الباء في * (بسم الله) * بمحذوف تقديره: بسم الله أقرأ، ليختص اسم الله بالابتداء به (3)، كما يقال للمعرس: " باليمن والبركة " بمعنى: أعرست، وإنما قدر المحذوف متأخرا لأنهم يبتدئون بالأهم عندهم، ويدل على ذلك قوله: * (بسم الله مجريها ومرساها) * (4).

* (الحمد لله رب العلمين) * (2) * (الحمد) * والمدح أخوان، وهو الثناء على الجميل من نعمة وغيرها، وأما الشكر فعلى النعمة خاصة، والحمد باللسان وحده، والشكر يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، ومنه قوله (عليه السلام): " الحمد رأس الشكر " (5)، والمعنى في كونه رأس الشكر: أن الذكر باللسان أجلى وأوضح وأدل على مكان النعمة وأشيع للثناء على موليها من الاعتقاد وعمل الجوارح، ونقيض الحمد الذم، ونقيض الشكر الكفران.

Bogga 53

وإنما عدل بالحمد عن النصب الذي هو الأصل في كلامهم على أنه من المصادر التي تنصب بأفعال مضمرة، كقولهم: شكرا وعجبا... ونحو ذلك إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات المعنى واستقراره، دون تجدده وحدوثه في نحو قولك: أحمد الله حمدا. ومعناه: الثناء الحسن الجميل والمدح (1) الكامل الجزيل للمعبود المنعم بجلائل النعم، المنشئ للخلائق والأمم (2).

سورة الفاتحة / 3 - 5 والرب: السيد المالك، ومنه قول صفوان لأبي سفيان (3): لان يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن (4). يقال: ربه يربه فهو رب، ولم يطلقوا الرب إلا في الله وحده، ويقيد في غيره فيقال: رب الدار، ورب الضيعة.

والعالم: اسم لأولي العلم من الملائكة والثقلين، وقيل: هو اسم لما يعلم به الصانع من الجواهر والأجسام والأعراض، وجمع بالواو والنون وإن كان اسما غير صفة لدلالته على معنى العلم، وليشمل كل جنس مما سمي به (5).

Bogga 54

* (الرحمن الرحيم) * (3) مر معناهما (1).

* (ملك يوم الدين) * (4) من قرأ: " ملك " (2) فلأن الملك يعم والملك يخص، ولقوله سبحانه: * (ملك الناس) * (3)، ومن قرأ: * (ملك) * بالألف فهو إضافة اسم الفاعل إلى الظرف على طريق الاتساع، أجري الظرف مجرى المفعول به والمعنى على الظرفية، والمراد:

مالك الأمر كله في يوم الدين، وهو يوم الجزاء من قولهم: كما تدين تدان. وهذه الأوصاف التي هي كونه سبحانه ربا مالكا للعالمين لا يخرج منهم شئ من ملكوته وربوبيته، وكونه منعما بالنعم المتوافرة (4) الباطنة والظاهرة، وكونه مالكا للأمر كله في الدار الآخرة بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله: * (الحمد لله) * فيها دلالة باهرة على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء.

* (إياك نعبد وإياك نستعين) * (5) " إيا " ضمير منفصل للمنصوب، والكاف والهاء والياء اللاحقة به في " إياك وإياه وإياي " لبيان (5) الخطاب والغيبة والتكلم، ولا محل لها من الإعراب، إذ هي حروف عند المحققين وليست بأسماء مضمرة كما قال بعضهم (6). وتقديم المفعول

Bogga 55

إنما هو لقصد الاختصاص، والمعنى: نخصك بالعبادة ونخصك بطلب المعونة.

والعبادة ضرب من الشكر وغاية فيه وكيفيته، وهي أقصى غاية الخضوع والتذلل، ولذلك لا تحسن إلا لله سبحانه الذي هو مولى أعظم النعم، فهو حقيق بغاية الشكر. وإنما عدل فيه عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب على عادة العرب في تفننهم في محاوراتهم، ويسمى هذا التفاتا، وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم كقوله سبحانه: * (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) * (1)، وقوله: * (والله الذي أرسل الريح فتثير سحابا فسقناه) * (2).

وأما الفائدة المختصة به في هذا الموضع فهو أن المعبود الحقيق بالحمد والثناء لما أجري عليه صفاته العلى تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالعبادة والاستعانة به في المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، وقيل:

إياك - يامن هذه صفاته - نخص بالعبادة والاستعانة، ولا نعبد غيرك ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له لذلك المتميز (3) الذي لا تحق العبادة إلا له (4).

سورة الفاتحة / 6 و 7 وقرنت الاستعانة بالعبادة ليجمع بين ما يتقرب به العباد إلى ربهم وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته، وقدمت العبادة على الاستعانة لأن تقديم الوسيلة يكون قبل طلب الحاجة ليستوجبوا الإجابة إليها، وأطلقت الاستعانة ليتناول كل مستعان فيه. والأحسن أن تراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة، فيكون قوله: * (اهدنا) * بيانا للمطلوب من المعونة، كأنه قيل: كيف أعينكم؟ فقالوا:

Bogga 56