لا تتفرقوا حول كلمتين: فينيقية وعروبة، فهما واحدة. ومن يتقعر في البحث عن الجذور فهو كالخلد لا يعيش إلا في الأنفاق.
اللسان يوحدكم فاحفظوا ذكر أنبيائكم ورسلكم في قلوبكم، وهم لو عادوا اليوم لما قالوا لكم غير هذا، لا بل قالوه يوم جاءوا، كل المعابد تعلم الخير وتنهى عن الشر، أما البلوى فمن أكثر رعيان القطيع، متى تقاتلت الغنم على المراعي؟ أليس الرعاة يتقاتلون؟ فاسمعوا وعوا كما قال ابن ساعدة.
يا أولادي، الناس يتقاتلون اليوم على «المنفعة» فلا دين لهم ولا مذهب، فلا تتصارعوا أنتم عند باب السماء، السماء مشاع. كانوا فيما مضى يستعمرون باسم الدين، أما اليوم فيحاربون الشعوب ليمدنوها كما يزعمون.
أجل، لقد صار التمدن دكتورا في الأدب يلقي دروسه غازات خانقة، والعلم من حملة الليسانس في الحقوق يلقي بألسنة المدافع مرافعات طويلة ... لم يعد للمذاهب تلك الصولة كأيام الصليبيين، فانسوا ذلك، إن الدول التي تتناحر كلها على دين المسيح، وأحبار وكهنة المسيح يحاربون في المعسكرين! فمن يتعظ منكم؟
ما لكم وللأديان فلها معابد، لكم دينكم ولي ديني، ومتى رأيتني ملتهبا في جهنم - لا سمح الله - فلا تستغث بالإطفائية.
الحياة لعبات يا أولادي، ولكنها خطيرة ولذيذة، فنظموا صفوفكم جيدا لتلعبوا وتفوزوا، تعلموا الرمي وإلا كنتم الكرة، وسيان أن تدفع بالرأس أو ترفس بالأقدام فأخيرا مستقرها الأرض ... أفهمتم؟
ليس العلم وحده بالعدة الواقية في معترك الحياة، فكم من معلم مغفل تهزءون منه وتتماجنون عليه ولا يحس، بل يضحك معكم على نفسه! إن هذا يجني عسلا، ولكنه يضل كالنحلة، فلا تحولوا فم الخلية ... أما الفتى الذكي الفؤاد فقد يكون القائد لأمة لا قائد لها، وما رأيت أمة نهضت إلا بفرد، لست أعني «الديكتاتور» فأنا أمقت المستبد ولو دفق الخير على الأمة دفقا.
وأنا - وقد تستغربون - لست ممن يثقون بالرأي العام، ففكروا ولا تسيروا خلفنا لعل الله يفتح عليكم، كونوا شجعانا واشغلوا عقولكم بالتأمل وأعينكم بالمراقبة، فكروا بمحيطكم، ولكن بمقدار، وقووا أجسادكم وعقولكم فالوطن بحاجة إلى أدمغتكم وسواعدكم.
اطلبوا التجديد دائما، ولا تتغنوا بالماضي فيلهيكم عن الحاضر، تذكروه للعظة لتعلموا أين كنتم وأين صرتم، فلا يكون أجدادكم خيرا منكم، فيقال لكم: نعم الجدود ولكن ... إن المدارس تسلح العقول وتجهزها لمعترك الحياة، فاحسبوا كل يوم كم رمية تعلمتم، لا تناموا قبل أن تفحصوا ضمائركم، ومن رأى أنه غير كفء للكتاب فليأخذ الفأس ... ليذهب إلى الحقل، فكتاب الحقل أرحب من هوامش المدن. تعودوا النقض والإبرام وحدكم، ما لكم ولنا؟ فما نحن أوصياء عليكم إن نحن إلا مرشدون لكم، نصارحكم بهذا لأننا لا نريد أن نربي عبيدا، فمن نستعبده نحن عاش عبدا لغيرنا.
حذار أن تبصقوا في وجه الهواء! وأحسنوا السباحة لئلا تأخذكم «الحامولة »، فنهر الحياة هادئ ماكر.
Bog aan la aqoon