Sinima Wa Falsafa
السينما والفلسفة: ماذا تقدم إحداهما للأخرى
Noocyada
يختلف التصور الإيماني للطبيعة الجوهرية للبشر عن تصور أرسطو. فيرى المؤمن بالله أن الهدف أو المنتهى من الحياة هو الخلاص الذي يتخذ شكل الخلود الفردي، ونوع خاص من السعادة؛ ففي الجنة سيحظى الفرد بعلاقة أكثر حميمية مع الله مما كان متاحا له على الأرض. «الغبطة» أو «السعادة» هي هدف المؤمن، وتعرف الطبيعة البشرية في ضوء هذا الهدف. ويعني كونك إنسانا أنك مخلوق زائل تعتمد سعادته في النهاية على علاقة مع إله أزلي. يقتضي السعي لتحقيق هذا الهدف ما يعتبره المؤمنون طريقة حياة مميزة.
إذا رفضنا التصورات الجوهرية للسعادة الإنسانية، ستنكسر إذن الصلة بين المعنى والسعادة. ويمكننا عندئذ افتراض ما نعرفه بالفعل على أي حال، وهو أن حياة ذات معنى، بل حياة مفعمة بالمعنى، لا تضمن للمرء السعادة. ومع ذلك، على اعتبار أننا نعرف بالفعل الطبيعة البشرية، يبدو أن فرص السعادة تتزايد إجمالا بقدر سعي المرء وراء مشروعات ذات قيمة إيجابية مع تحقيق قدر يسير من النجاح في مسعاه على الأقل. وعلى الرغم من أن جهود واتانابي لإنشاء المتنزه لم تضمن بأي شكل من الأشكال شعوره بالسعادة، فإن جهوده قد كوفئت (وهو ما كان متوقعا).
قد نفترض أن واتانابي، مثل معظم اليابانيين، يمزج في حياته جوانب من ديانتي البوذية والشنتو. (الزواج وغيره من الأحداث الاحتفالية البهيجة مثل بداية السنة الجديدة تخضع لتقاليد الشنتو، بينما تخضع الجنازات غالبا للبوذية.) وبما أن البوذية، إذا راعينا الدقة، ديانة تنكر وجود الله (مع أن الممارسة البوذية غالبا ما تتضمن إشارات إلى آلهة متنوعة)، فإن السؤال حول ما إذا كان وجود الله أو وجود خطة إلهية ما شرطا لازما لنيل السعادة ليس - على حد علمنا - سؤالا يخطر على بال واتانابي من الأساس. وبحثه عن سبيل لإيجاد معنى في حياته منفصل أيضا عن مفهوم السعادة القصوى البوذي (النرفانا) وأي مفاهيم دينية أخرى فيما يبدو؛ ومن ثم، بقدر ما يتضح في حالة واتانابي، إيجاد المرء معنى لحياته سعي لا يرتبط البتة بوجود أي إله أو خطة مقدرة. وحتى إذا كان الله موجودا، فإن رحلة واتانابي كانت ستظل كما هي في طبيعتها، بل ربما في فحواها أيضا؛ إذا افترضنا أن الله قد حدد مسارا لنا، غاية لكل فرد منا على حدة، فإن تلك الغاية السماوية لن تساعد أيا منا على إرساء معنى لحياته إذا لم نتمكن من بلوغها وإدراكها ثم تبنيها في حياتنا. ولا جدوى من إخبار أحدهم أن معنى حياته، مثلا، هو تأسيس علاقة مع الله، إذا لم يكن الفرد نفسه قادرا على إيجاد معنى في ذلك المسار. فحتى لو وجد إله قد حدد غاية لكل منا، فإن ذلك على المستوى المنطقي لا يكفي كي يجد أي منا معنى لحياته إلا إذا كان يعتبر هذه الغاية ذات معنى. وحتى لو كان الله يعلم أن شخصا ما، لنسمه «أ»، لن يحقق الغاية التي حددها له إلا إذا فعل شيئا محددا، لنسمه «ب»، فسيظل لزاما على «أ» اعتبار «ب» مسعى يحمل معنى. وإذا كان الله قد خلق «أ» على نحو محدد يجعله عاجزا عن إيجاد معنى في أي شيء سوى «ب»، فسيكون «أ» عندئذ محروما فعليا من الحرية التي لا غنى له عنها في تشكيل حياته وما تحمله من معان. دون وجود تلك الحرية وذلك الاختيار، يعفى «أ» من تحمل نوع محدد من المسئولية عن طريقة حياته؛ لن يعفى من مسئوليته عن الاستجابة التي اختارها للخطة التي رسمها الله له، بل سيعفى من مسئولية جعل حياته ذات معنى.
زعم سارتر (1957) أنه في حالة وجود معنى موضوعي للوجود صاغه إله؛ أي جوهر إنساني في واقع الأمر، فإن ذلك لا يعني فحسب حرمان البشر من الحرية والقدرة على تأسيس حياة ذات مغزى بل سيصادر أيضا مسئوليتهم عن اختياراتهم المحورية ذات القيمة. وعليه، يرى سارتر أن غياب أي إله والجوهر الإنساني شرط للحرية وعبء في الوقت ذاته؛ فالحرية شرط لا غنى عنه لتحقق المسئولية وترسيخ معنى في حياة المرء.
أما القيمة الذاتية فهي تشير إلى معتقدات الفرد الفاعل ومواقفه أو حالاته الأخرى التي تنسب قيمة إلى أمر ما. على سبيل المثال إذا كانت صناعة الأفلام نشاطا ذا قيمة ذاتية لدى كوروساوا، فذلك يعني أن كوروساوا يعتبر أن صناعة الأفلام أمر ذو قيمة، ويؤمن بذلك. بل والأهم من ذلك، إيمان كوروساوا بقيمة صناعة الأفلام شرط لازم وكاف كي تصبح صناعة الأفلام نشاطا ذا قيمة ذاتية في نظره. ربما تكون صناعة الأفلام نشاطا مضرا بكوروساوا من نواح عدة، وربما تكون مفيدة. لكن بصرف النظر عن ذلك، إذا اعتقد كوروساوا أن صناعة الأفلام أمر ذو قيمة، أو بعبارة أخرى إذا كان كوروساوا يقدر صناعة الأفلام، فإن صناعة الأفلام تصبح نشاطا ذا قيمة ذاتية بالنسبة له. القاعدة إذن هي، مهما كانت فائدة «س» بالنسبة ل «ص»، إذا لم يقدر «ص» «س»، فلا يمكن أن تصبح «س» أمرا ذا قيمة ذاتية لدى «ص». بالطبع قد يكون كوروساوا مخطئا حيال ذلك كله؛ فقد يظن أنه يقدر صناعة الأفلام، ويكون مخطئا. ربما كان يخدع نفسه مثلا، فيشدد بحماس على قيمة الأفلام على المستوى الواعي بينما ينكر قيمتها على مستوى اللاوعي. (ربما اختار هذا المجال سعيا خلف المال والنساء.) وبما أن الأشياء التي نخدع أنفسنا بشأنها هي أشياء ذات أهمية نسبية لدينا، يمكن للمرء أن يتوقع أنه أينما تبرز المسائل ذات القيمة يبرز أيضا خداع الذات.
إذا زعمنا أن شيئا ما يتمتع بقيمة موضوعية فإننا نعني بوجه عام أنه ذو قيمة بصرف النظر عما إذا كان أحد يراه كذلك أم لا. وفي هذه الحالة اعتقاد الأفراد أن شيئا ما ذو قيمة لا يعتبر عموما شرطا ضروريا أو كافيا كي يصبح ذلك الشيء ذا قيمة موضوعية. الأشياء ذات القيمة الذاتية (على سبيل المثال، سعادتي التي أقدرها) قد تكون ذات قيمة موضوعية كذلك. لكن في ظل غياب حجة ما تبين وجود صلة جوهرية بين النوعين، لا نجد مبررا قويا يدفعنا إلى افتراض أن ذلك هو الوضع بالضرورة أو على الأقل في أغلب الأحيان. ما يعيدنا من جديد إلى القول بأنه إذا كان شيء ما يتمتع بقيمة موضوعية، فلا يشترط بالضرورة - بعيدا عن أي حجة لإثبات قيمة جوهرية - أن يتمتع بقيمة ذاتية لدى أحد.
تنقسم القيم إلى شعبتين على الأقل؛ فقد تكون قيما موضوعية أو قيما ذاتية كما أوضحنا منذ قليل. وقد تكون، في إطار آخر، قيما جوهرية أو قيما غير جوهرية. القيمة الجوهرية هي قيمة في حد ذاتها، بصرف النظر عن أي ارتباط بقيمة إضافية أو أوضاع ما. على سبيل المثال، يؤمن بعض الأفراد بأن المتعة شيء ذو قيمة جوهرية. ما يعني أن تجربة ممتعة بعينها تحمل قدرا من القيمة بصرف النظر عما حدث قبلها أو بعدها، ومهما كانت عواقبها. بالطبع قد تغطي العواقب السيئة الناتجة عن متعة لحظية على المتعة ذاتها، لكن إذا كانت المتعة ذات قيمة جوهرية فلا يمكن أبدا لعواقبها أن تمحوها كلية. بل سيظل لها نفع ما، إذا جاز لنا القول. القيمة غير الجوهرية هي القيمة التي تنبع من علاقة الشيء بأشياء أخرى، والنوع الأوضح من القيمة غير الجوهرية هو القيمة الذرائعية. تتألف القيمة الذرائعية لشيء من قدرته على التسبب في أشياء أخرى ذات قيمة أو على تيسير وجودها. فقرص لعلاج الصداع لا يملك قيمة جوهرية، لكنه ذو قيمة ذرائعية. قد تكون القيمة الذاتية قيمة جوهرية أو قيمة غير جوهرية (أو الاثنتين معا). تكون سعادتي ذات قيمة ذاتية من وجهة نظري، وفي حد ذاتها إذا أنا اعتبرتها كذلك. وربما تكون ذات قيمة ذاتية كذلك من وجهة نظري إذا كانت تمكنني من تحقيق غاية ما أخرى ذات قيمة. وبالطبع قد تكون الاثنتين معا. القيمة الجوهرية والقيمة الذرائعية لا تستلزم ولا تستبعد إحداها الأخرى. وبالمثل القيمة الذاتية والقيمة الموضوعية لا تستلزم بالضرورة ولا تستبعد إحداها الأخرى.
عندما نبحث عن معنى لحياتنا، فإننا نبحث عن قيم إيجابية. لكن هل تلك القيم ذاتية أم موضوعية؟ هل هي قيم جوهرية أم غير جوهرية؟ لا بد أن تكون قيما ذاتية على الأقل وإلا لن تسهم في سعينا لإيجاد معنى لحياتنا. قد تكون القيم الذاتية متفردة نسبيا ؛ فربما يعتبر شخص واحد شيئا ما ذا قيمة. تخيل شخصا يقرر اعتبار علب البيتزا المهملة أشياء ذات قيمة، وينشغل بجمعها وتصنيفها في أماكن الصدارة بحجرة التذكارات. (هل يحيا هذا الشخص حياة ذات معنى؟) لا يجب أن تتسم القيم الذاتية بهذه الدرجة من التفرد، بل يمكن أن تعتنق على نطاق واسع، وأن تحظى بالتأييد من عدة أفراد واعين. يبدو أن البحث عن حياة ذات معنى هو بحث عن سبل للإسهام بأشياء ذات قيمة ذاتية مشتركة تحظى بتأييد عدة أشخاص. هل لا بد أن تتمتع تلك الأشياء بقيمة جوهرية؟ لا بد أن ترتبط على نحو وثيق بأشياء ذات قيمة جوهرية. لقد وجد واتانابي قيمة في متنزه الأطفال. لكن المتنزه قد لا يكون ذا قيمة جوهرية في حد ذاته؛ ربما يكون ذا قيمة لما يمنحه من سعادة للأطفال ولعائلاتهم. وهذه السعادة في حد ذاتها قد تكون ذات قيمة جوهرية، وهي تبدو صالحة إلى حد كبير لاحتواء قيمة جوهرية. بناء على ذلك، سوف يجد واتانابي قيمة بالغة العمق في إسهامه في سعادة الأطفال الآخرين. إذا لم يكن المتنزه مرتبطا على هذا النحو الوثيق نسبيا بأشياء ذات قيمة جوهرية - تخيل أن الشيء الوحيد ذا القيمة الذي تمكن واتانابي من فعله عبر مجهوداته هو المساعدة على إعادة انتخاب نائب رئيس البلدية، وهو أمر تنحصر قيمته في أن نائب رئيس البلدية شخصية سياسية أقل فسادا بعض الشيء من خصمه - فإننا قد نبدأ في التشكك بالدور الذي لعبه المتنزه في إحساس واتانابي بأنه عاش حياة ذات معنى. فلا يكفي على ما يبدو أن يساهم المرء بوصفه ترسا في آلة عملاقة ذات قيمة ذرائعية. (ولعل واتانابي قد لعب، رغم كل شيء، هذا الدور بدرجة ما، حتى في الأيام التي قضاها في نقل الأوراق من كومة لأخرى.) إذن كي يحيا المرء حياة ذات معنى، عليه أن يسهم إسهاما مؤثرا في إنتاج أشياء ذات قيمة جوهرية يتفق عليها عدة أفراد؛ أي أشياء تهمنا وأشياء مهمة في حد ذاتها.
لكن ذلك يتركنا مع مسألة القيمة الموضوعية. ما الدور الذي قد تلعبه في عيش حياة ذات معنى؟ يزعم البعض أنه بعيدا عن وجود الله أو الإيمان بالله (أو كلا الأمرين)، تتبدد احتمالية بلوغ أشياء ذات قيمة موضوعية في الحياة وأن ذلك يقوض من احتمالية عيش حياة ذات معنى. لكن كيف يمكن دعم مثل هذا الزعم؟ بل ما معناه من الأساس، بما أن أولئك غير المؤمنين بوجود إله أو بالخلود يحيون حياة ذات معنى وذات أهمية من نوع ما؟ نتحدث هنا عن نوع من المعنى لا يمكن لذي فهم إنكار وجوده بالحياة؛ إنها المعاني الذاتية التي لا نتوقف عن خلقها لأنفسنا بينما نحيا أو التي نجد أنفسنا منغمسين فيها. قد تساهم الوظائف والعلاقات في عيش حياة ذات معنى ذاتي، مع أنها، كما نجد في أفلام كثيرة، قد تستلب بشدة من ذات المعنى أو الإحساس بوجود غاية.
رأى برتراند راسل أن الحياة بأسرها في المجموعة الشمسية سوف تفنى في نهاية المطاف. واعتقد أن قبول فنائنا والموت اللاحق لكل أشكال الحياة في المجموعة الشمسية، إلى جانب قبول غياب أي هدف أو خطة إلهية، جزء لا يتجزأ من أي حل مقبول فلسفيا لمشكلة إيجاد المرء معنى لحياته. يقول راسل (1981: 56):
Bog aan la aqoon