صلى الله عليه وسلم
شيئا فيأتينا به.» وكانوا كتبوا ما تلقوه من ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان عمر لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد عليه شاهدان، وقتل وهو يجمع ذلك إليه؛ فقام عثمان بن عفان فقال ما قال عمر وصنع صنيعه، وعهد إلى زيد بن ثابت بجمع القرآن، وضم إليه نفرا من الحفاظ وقال لهم: «إذا اختلفتم فاكتبوا لغة مضر؛ فإن القرآن نزل على رجل من مضر.»
أما والثابت المقطوع به أن أبا بكر هو الذي أمر بجمع القرآن بعد حواره مع ابن الخطاب، فيجمل بي قبل أن أفصل كيف كان هذا الجمع أن أقف عند قول الصديق: «كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله
صلى الله عليه وسلم !» فقد نزل الوحي بالقرآن على رسول الله خلال ثلاث وعشرين سنة، منذ بعثه الله نبيا وهو بمكة إلى أن قبضه إليه وهو بالمدينة. وكان الوحي ينزل ببعض الآيات أحيانا، وبالسورة كاملة أحيانا أخرى، ولقد كان أول ما نزل من الوحي قوله تعالى:
اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم ، أما بقية هذه السورة على ما نتلوها اليوم في المصاحف فنزلت بعد ذلك، وبعد أن نزل غيرها من الوحي قبل نزولها. أفيعني قول أبي بكر وقول زيد بن ثابت من بعده: «كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله!» أن القرآن بقي إلى وفاة الرسول لم يجمع سورا، ولم ينتظم كتابا، فبقيت الآيات التي نزلت فرادى لم تضم إلى غيرها على الصورة التي نراها اليوم بها، فلما كان الجمع رتبت السور ونظمت في كتاب؟
هذا ما يقول به بعض المؤرخين، وترجحه طائفة من المستشرقين، بل لقد نسب إلى زيد بن ثابت أنه قال: «قبض النبي ولم يكن القرآن جمع في شيء.» والمستشرق الإنجليزي سير وليم ميور يسوق هذا القول في مقدمة كتابه عن سيرة الرسول حجة من الحجج على الدقة والصدق في جمع القرآن، فيقول: «إن القرآن بمحتوياته ونظامه ينطق في قوة بدقة جمعه؛ فقد ضمت الأجزاء المختلفة بعضها إلى بعض ببساطة تامة، لا تعمل ولا تكلف فيها، وهذا الجمع لا أثر فيه ليد تحاول المهارة أو التنسيق، وهو يشهد بإيمان الجامع وإخلاصه لما يجمع؛ فهو لم يجرؤ على أكثر من تناول هذه الآيات المقدسة ووضع بعضها إلى جانب بعض.» والمستشرقون المؤيدون لهذا الرأي يؤاخذون زيد بن ثابت والذين عاونوه في جمع القرآن بأنهم لم يراعوا في ترتيب القرآن أوقات نزوله، ولم يقدموا ما نزل منه بمكة على ما نزل منه بالمدينة، بل وضعوا آيات مدنية خلال السور المكية دون أن يقتضيهم المقام هذا الصنيع، ولو أنهم راعوا الدقة التاريخية في الترتيب لكان ذلك أدنى في نظر هؤلاء المستشرقين إلى التحقيق العلمي، وأجدى في كتابة السيرة وفي تتبع أحوال النبي العربي من يوم بعثه إلى يوم وفاته.
ويزيد المستشرقون أن جامعي القرآن لم يعنوا كذلك بتأليف آياته حسب موضوعاتها، فأنت ترى في السورة الواحدة شئونا مختلفة من القصص والتاريخ، ومن الإيمان والعبادات، ومن الأحكام التشريعية، ومن قواعد الخلق، وأنت ترى الموضوع الواحد من هذه الشئون جميعا مذكورا في سورة مختلفة على صور تتقارب أو تتفاوت في اللفظ وفي قوة العبارة، أما وقد كان الجامعون أحرارا في ترتيب الآيات في السور فهم جديرون، في رأي هؤلاء المستشرقون، بالتثريب عليهم من الناحية العلمية؛ لأنهم لم يراعوا الموضوعات، وكان حقا عليهم أن يراعوها، وبخاصة؛ لأنهم لم يتقيدوا بمواقيت الوحي ونزوله.
هذه ملاحظات يبديها المستشرقون على جمع القرآن مستندين فيها إلى قول أبي بكر: «كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله
صلى الله عليه وسلم !» وهم مخطئون في تحميل عبارة أبي بكر هذا المعنى، وفي ظنهم أن الآيات ظلت مبعثرة منذ نزولها إلى أن جمعت في عهد الخليفة الأول، ثم في عهد عثمان، فالأمر الذي لا ريبة فيه أن الآيات قد جمعت سورا في عهد رسول الله وبتوقيفه، ولقد كان مالك يقول: «إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول الله
صلى الله عليه وسلم »، وكان عبد الله بن مسعود يقول : «قرأت من في رسول الله
Bog aan la aqoon