Nafs ka socota Kitab Al-Shifa

النفس من كتاب الشفاء

بسم الله الرحمن الرحيم الفن السادس من الطبيعيات وهوكتاب النفس

Bogga 1

قد استوفينا فى الفن الأول اللام عى الأمور العامة فى الطبيعيات، نم تلوناه بالفن الثانى فى معرفة السماء والعالم والأجرام والصور والحركات الأولى فى عالم الطبيعة، وحققنا أحوال الأجسام التى لا تفسد والتى تفسد، ثم تلوناه بالكلام على الكون والفساد وأسطقساته ثم تلوناه بالكلام على أفعال الكيفيات الأولى وانفعالاتها والأمزجة المتولدة منها، وبقى لنا أن نتكلم على الأمور الكائنة فكانت الجمادات وما لا حس له ولا حركة إرادية أقدمها وأقربها تكونا من العناصر فتكلمنا فيها فى الفن الخامس، وبقى لنا من العلم النظر فى أمور النباتات والحيوانات، ولما كانت النباتات والحيوانات، متجوهرة الذوات عن صورة هى النفس ومادة هى الجسم والأعضاء وكان أولى ما يكون علما بالشىء هو ما يكون من جهة صورته رأينا أن نتكم أولا فى النفس ولم نر أن نبتر علم النفس فنتكلم أولا فى النفس النباتية والنبات ثم فى النفس الحيوانية والحيوان ثم فى النفس الإنسانية والإنسان، وإنما لم نفعل ذلك لسببين أحدهما أن هذا التبتر مما يوعر ضبط علم النفس المناسب بعضه لبعض والثانى أن النبات يشارك الحيوان فى النفس التى لها فعل النمو والتغذية والتوليد ويجب لا محالة أن ينفصل عنه بقوى نفسانية تخص جنسه ثم تخص أنواعه، والذى يمكننا أن نتكلم عليه من أمر نفس النبات هو ما يشارك فيه الحيوان، ولسنا نشعر كثير شعور بالفصول المنوعة لهذا المعنى الجنسى فى النبات، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن نسبة هذا القسم من النظر إلى أنه كلام فى النبات أولى منه إلى أنه كلام فى الحيوان إذ كانت نسبة الحيوان إلى هذه النفس نسبة النبات إليها، وكذلك أيضا حال النفس الحيوانية بالقياس إلى الإنسان والحيوانات الأخر، وإذ كنا إنما نريد أن نتكلم فى النفس النباتية والحيوانية من حيث هى مشتركة وكان لا علم بالمخصص إلا بعد العلم بالمشترك وكنا قليلى الاشتغال بالفصول الذاتية لنفس نفس ولنبات نبات ولحيوان حيوان لتعذر ذلك علينا فان الأولى أن نتكم فى النفس فى كتاب واحد، ثم إن أمكننا أن نتكلم فى النبات والحيوان كلاما مخصصا فعلنا، وأكثر ما يمكننا من ذلك يكون متعلقا بأبدانها وبخواص من أفعالها البدنية، فلأن نقدم تعرف أمر النفس ونؤخر تعرف أمر البدن أهدى سبيلا فى التعليم من أن تقدم تعرف أمر البدن ونؤخر تعرف أمر النفس، فإن معونة معرفة أمر النفس فى معرفة الأحوال البدنية أكثر من معونة معرفة أمر البدن فى معرفة الأحوال النفسانية على أن كل واحد منهما معين على الآخر، وليس أحد الطرفين بضرورى التقديم إلا أنا آثرنا أن نقدم الكلام فى النفس لما أبليناه من العذر، فمن شاء أن يغير هذا الترتيب فعل بلا مناقشة لنا معه، فهذا هو الفن السادس، ثم نتلوه فى الفن السابع بالنظر فى أحوال النبات وفى الفن الثامن بالنظر فى أحوال الحيوان، وهناك نختم العلم الطبيعى، ونتلوه بالعلوم الرياضية فى فنون أربعة، ثم نتلو ذلك كله بالعلم الإلهى ونردفه شيئا من علم الأخلاق ونختم كتابنا هذا به.

Bogga 3

المقالة الأولى

فصل 1 (فى إثبات النفس وتحديدها من حيث هى نفس)

Bogga 4

نقول إن أول ما يجب أن نتكلم فيه إثبات وجود الشىء الذى يسمى نفسا، ثم نتكلم فيما يتبع ذلك، فنقول إنا قد نشاهد أجساما تحس وتتحرك بالإرادة، بل نشاهد أجساما تغتذى وتنمو وتولد المثل وليس ذلك لها لجسميتها فبقى أن تكون فى ذواتها مبادىء لذلك غير جسميتها والشىء الذى يصدر عنه هذه الأفعال وبالجملة كل ما يكون مبدأ لصدور أفاعيل ليست على وتيرة واحدة عادمة للإرادة فإنا نسميه نفسا، وهذه اللفظة إسم لهذا الشىء لا من حيث جوهره ولكن من جهة إضافة ما له أى من جهة ما هو مبدأ لهذه الأفاعيل، ونحن نطلب جوهره والمقولة التى يقع فيها من بعد، ولكنا الآن إنما أثبتنا وجود شىء هو مبدأ لما ذكرنا وأثبتنا وجود شى، من جهة ما له عرض ما، ونحتاج أن نتوصل من هذا العارض الذى له إلى أن تحقق ذاته لنعرف ماهيته، كانا قد عرفنا أن لشىء يتحرك محركا ما. ولسنا نعلم من ذلك أن ذات هذا المحرك ما هو، فنقول: إذا كانت الأشياء، التى نرى أن النفس موجودة لها، أجساما، وإنما يتم وجودها من حيث هى نبات وحيوان بوجود هذا الشىء لها، فهذا الشىء جزء من قوامها، وأجزاء القوام كما علمت فى مواضع هى قسمان جزء يكون به الشىء هو ما هو بالفعل، وجزء يكون به الشىء هو ما هو بالقوة وهو بمترلة الموضوع، فإن كانت النفس من القسم الثانى ولا شك أن البدن من ذلك القسم فالحيوان والنبات لا يتم حيوانا ولا نباتا بالبدن ولا بالنفس، فيحتاج إلى كمال آخر هو المبدأ بالفعل لما قلنا فذلك هو النفس وهو الذى كلامنا فيه، بل ينبغى أن يكون النفس هو ما به يكون النبات والحيوان بالفعل نباتا وحيوانا، فإن كان جسما أيضا فالجسم صورته ما قلنا، وإن كان جسما بصورة ما فلا يكون هو من حيث من حيث هو جسم ذلك المبدأ، بل يكون كونه مبدأ من جهة تلك الصورة، ويكون صدور تلك الأحوال عن تلك الصورة بذاتها وإن كان يتوسط هذا الجسم فيكون المبدأ الأول تلك الصورة، ويكون أول فعله بوساطة هذا الجسم ويكون هذا الجسم جزأ من جسم الحيوان لكنه أول جزء يتعلق به المبدأ، وليس هو بما هو جسم إلا من جملة الموضوع،

Bogga 5

فبين أن ذات النفس ليست بجسم بل هي جزء للحيوان والنبات، هى صورة أو كالصورة أو كالكمال، فقول الآن إن النفس يصح أن يقال لها بالقياس إلى ما يصدر عنها من الأفعال قوة وكذلك يجوز أن يقال لها بالقياس إلى ما تقبله من الصور المحسوسة والمعقولة على معنى آخر قوة، ويصح أن يقال لها أيضا بالقياس إلى المادة التى تحلها فيجتع منهما جوهر مادى نباتى أو حيوانى صورة، ويصح أن يقال لها أيضا بالقياس إلى استكمال الجنس بها نوعا محصلا فى الأنواع العالية أو السافلة كمال، لأن طبيعة الجنس تكون ناقصة غير محدودة ما لم تحصلها طبيعة الفصل البسيط أو الغير البسيط منضافا إليها، فإذا انضاف إليها كمل النوع، فالفصل كمال النوع بما هو نوع، وليس لكل نوع فصل بسيط، قد علمت هذا، بل إنما هو للأنواع المركبة الذوات من مادة وصورة، والصورة منها هو الفصل البسيط لما هو كماله ثم كل صورة كمال وليس كل كمال صورة، فإن الملك كمال المدينة والربان كمال السفينة وليسا بصورتين لمدينة والسفينة، فما كان من الكمال مفارق الذات لم يكن بالحقيقة صورة للمادة وفى المادة، فإن الصورة التى هى فى المادة هى الصورة المنطبعة فيها القائمة بها، أللهم إلا أن يصطلح فيقال لكمال النوع صوة النوع، وبالحقيقة فإنه قد استقر الاصطلاح على أن يكون الشىء بالقياس إلى المادة صورة وبالقياس إلى الجملة غاية وكمالا وبالقياس إلى التحريك مبدأ فاعليا وقوة محركة، وإذا كان الأمر كذلك فالصورة تقتضى نسبة إلى شىء بعيد من ذات الجوهر الحاصل منها وإلى شىء يكون به الجوهر الحاصل هو ما هو بالقوة وإلى شىء لا تنسب الأفاعيل إليه، وذلك الشىء هو المادة، لأنها صورة باعتبار وجودها للمادة، والكمال يقتضى نسبة إلى الشىء التام الذى عنه تصدر الأفاعيل لأنه كمال بحسب اعتباره للنوع، فبين من هذا أنا إذا قلنا فى تعريف النفس إنها كمال كان أدل على معناها، وكان أيضا يتضمن جميع أنواع النفس من جميع وجوهها ولا تشذ النفس المفارقة للمادة عنه، وأيضا إذا قلنا إن النفس كمال فهو أولى من أن نقول قوة وذلك لأن الأمور الصادرة عن النفس منها ما هو من باب الحركة ومنها ما هو من باب الإحساس والإدراك، والإدرك بالحرى أن يكون لها لا بما لها قوة هى مبدأ فعل بل مبدا قبول، والتحريك بالحرى أن يكون لها لا بما لها قوة هى مبدأ قبول بل مبدأ فعل، وليس أن ينسب إليها أحد الأمرين بأنها قوة عليه أولى من الآخر، فإن قيل لها قوة وعنى به الأمران جميعا كان ذلك باشتراك الاسم، وإن قيل قوة واقتصر على أحد الوجهين عرض من ذلك ما قلنا، وشىء آخر وهو أنه لا يتضمن الدلالة على ذات النفس من حيث هى نفس مطقا بل من جهة دون جهة، وقد بينا فى الكتب المنطقية أن ذلك غير جيد ولا صواب ثم إذا قلنا كمال اشتمل على المعنيين، فإن النفس من جهة القوة التى يستكمل بها إدراك الحيوان كمال، ومن جهة القوة التى تصدر عنها أفاعيل الحيوان أيضا كمال، والنفس المفارقة كمال والنفس التى لا تفارق كمال، لكنا إذا قلنا كمال لم يعلم من ذلك بعد أنها جوهر أو ليست بجوهر، فإن معنى الكمال هو الشىء الذى بوجوده يصير الحيوان بالفعل حيوانا والنبات بالفعل نباتا وهذا لا يفهم عنه بعد أنه جوهر أو ليس بجوهر، لكنا نقول لا شك لنا فى أن هذا الشىء ليس جوهرا بالمعنى الذى يكون به الموضوع جوهرا ولا أيضا بالمعنى الذى يكون به المركب جوهرا، فأما جوهر بمعنى الصورة فلننظر فيه، فإن قال قائل إنى أقول للنفس جوهرا وأعنى به الصورة ولست أعنى به معنى أعم من الصورة، بل معنى أنه جوهر معنى أنه صورة، وهذا مما قاله خلق منهم، فلا يكون معه موضع بحث واختلاف البتة، فيكون معنى قوله إن النفس جوهر أنها صورة، بل يكون قوله الصورة جوهر كقوله الصورة صورة أو هيئة أو الإنسان إنسان أو بشر، ويكون هذيانا من الكلام، فإن عنى بالصورة ما ليس فى موضوع البتة أى لا يوجد بوجه من الوجوه قائما فى الشىء الذى سميناه لك موضوعا البتة فلا يكون كل كمال جوهرا، فإن كثيرا من الكمالات هى فى موضوع لا محالة، وإن كان ذلك الكثير بالقياس إلى المركب ومن حيث كونه فيه ليس فى موضوع، فإن كونه جزءا منه لا يمنعه أن يكون فى موضوع، وكونه فيه لا كالشىء فى الموضوع لا يجعله جوهرا كما ظن بعضهم لأنه لم يكن الجوهر ما لا يكون بالقياس إلى شىء على أنه فى موضوع حتى يكون الشىء من جهة ما ليس فى هذا الشىء على أنه فى موضوع جوهرا بل إنما يكون جوهرا إذا لم يكن ولا فى شىء من الأشياء على أنه فى موضوع، وهذا المعنى لا يدفع كونه فى شىء ما موجودا لا فى موضوع فإن ذلك ليس له بالقياس إلى كل شىء حتى إذا قيس إلى شىء يكون فيه لا كما يوجد الشىء فى موضوع صار جوهرا وإن كان بالقياس إلى شىء آخر بحيث يكون عرضا بل هو اعتبار له فى ذاته، فإن الشىء إذا تأملت ذاته ونظرت إليها فلم يوجد لها موضوع البتة كانت فى نفسها جوهرا، وإن وجدت فى ألف شىء لا فى موضوع بعد أن توجد فى شىء واحد على نحو وجود الشىء فى الموضوع فهى فى نفسها عرض، وليس إذا لم يكن عرضا فى شىء فهو جوهر فيه، فيجوز أن يكون الشىء لا عرضا فى الشىء ولا جوهرا فى الشىء كما أن الشىء يجوز أن لا يكون واحدا فى الشىء ولا كثيرا لكنه فى نفسه واحد أو كثير، وليس الجوهرى والجوهر واحدا، ولا العرض بمعنى العرضى الذى فى إيساغوجى هو العرض الذى فى قاطيغورياس، وقد بينا لك هذه الأشياء فى صناعة المنطق، فبين أن النفس لا يزيل عرضيتها كونها فى المركب كجزء بل يجب أن تكون فى نفسها لا فى موضوع البتة وقد علمت ما الموضوع، فإن كان كل نفس موجودة لا فى موضوع فكل نفس جوهر، وإن كانت نفس ما قائمة بذاتها والبواقى كل واحدة منها فى هيولى وليست فى موضوع فكل نفس جوهر، وإن كانت نفس ما قائمة فى موضوع وهى مع ذلك جزء من المركب فهى عرض، وجميع هذا كمال، فلم يتبين لنا بعد أن النفس جوهر أو ليست بجوهر من وضعنا أنها كمال، وغلط من ظن أن هذا يكفيه فى أن يجعلها جوهرا كالصورة،

Bogga 10

فنقول إنا إذا عرفنا أن النفس كمال بأى بيان وتفصيل فصلنا الكمال لم نكن بعد عرفنا النفس وماهيتها بل عرفناها من حيث هى نفس، وإسم النفس ليس يقع عليها من حيث جوهرها بل من حيث هى مدبرة للأبدان ومقيسة إليها، فلذلك يؤخذ البدن فى حدها كما يوخذ مثلا البناء فى حد البانى وإن كان لا يؤخذ فى حده من حيث هو إنسان، ولذلك صار النظر فى النفس من العلم الطبيعى لأن النظر فى النفس من حيث هى نفس نظر فيها من حيث لها علاقة بالمادة والحركة، بل يجب أن نفرد لتعرفنا ذات النفس بحثا آخر، ولو كنا عرفنا بهذا ذات النفس لما أشكل علينا وقوعها فى أى مقولة تقع فيها، فإن من عرف وفهم ذات الشىء فعرض على نفسه طبيعة أمر ذاتى له لم يشكل عليه وجوده له كما أوضحناه فى المنطق، لكن الكمال على وجهين كمال أول وكمال ثان، فالكمال الأول هو الذى يصير به النوع نوعا بالفعل كالشكل للسيف، والكمال الثانى هو أمر من الأمور التى تتبع نوع الشىء من أفعاله وانفعالاته كالقطع للسيف وكالتمييز والروية والإحساس والحركة للانسان، فإن هذه كمالات لا محالة للنوع لكن ليست أولى، فإنه ليس يحتاج النوع فى أن يصير هو ما هو بالفعل إلى حصول هذه الأشياء له بالفعل، بل إذا حصل له مبدأ هذه الأشياء بالفعل حتى صارله هذه الأشياء بالقوة بعد ما لم تكن بالقوة إلا بقوة بعيدة تحتاج إلى أن يحصل قبلها شىء حتى تصير بالحقيقة بالقوة صار حينئذ الحيوان حيوانا بالفعل، فالنفس كمال أول، ولأن الكمال كمال لشىء فالنفس كمال لشىء وهذا الشىء هو الجسم، ويجب أن يوخذ الجسم بالمعنى الجنسى لا المادى كما علمت فى صناعة البرهان، وليس هذا الجسم الذى النفس كماله كل جسم، فإنها ليست كمال الجسم الصناعى كالسرير والكرسى وغيرهما بل كمال الجسم الطبيعى، ولا كل جسم طبيعى فليست النفس كمال نار ولا أرض بل هى فى عالمنا كمال جسم طبيعى تصدر عنه كمالاته الثانية بآلات يستعين بها فى أفعال الحياة التى أولها التغذى والنمو، فالنفس التى نحدها هى كمال أول لجسم طبيعى آلى له أن يفعل أفعال الحياة،

Bogga 12

لكنه قد يتشكك فى هذا الموضع بأشياء ، من ذلك أن لقائل أن يقول إن هذا الحد لا يتناول النفس الفلكية فإنها تفعل بلا آلات، وإن تركتم ذكر الآلات واقتصرتم على ذكر الحياة لم يغنكم ذلك شيئا فإن الحياة التى لها ليس هو التغذى والنمو ولا أيضا الحس وأنتم تعنون بالحياة التى فى الحد هذا، وإن عنيتم بالحياة ما للنفس الفلكية من الإدراك مثلا والتصور العقلى والتحريك لغاية إرادية أخرجتم النبات من جملة ما يكون له نفس، وأيضا إن كان التغذى حياة فلم لا تسمون النبات حيوانا، وأيضا لقائل أن يقول ما الذى أحوجكم إلى أن تثبتوا نفسا ولم لم يكفكم أن تقولوا إن الحياة نفسها هى هذا الكمال فتكون الحياة هى المعنى الذى يصدر عنه ما تنسبون صدوره إلى النفس،

Bogga 13

فلنشرع فى جواب واحد واحد من ذلك وحله، فنقول أما الأجسام السماوية فإن فيها مذهبين، مذهب من يرى أن كل كوكب يجتمع منه ومن عدة كرات قد دبرت بحركته جملة جسم كحيوان واحد فتكون حينئذ كل واحدة من الكرات يتم فعلها بعدة أجزاء ذوات حركة فتكون هى كالآلات، وهذا القول لا يستمر فى كل الكرات، ومذهب من يرى أن كل كرة فلها فى نفسها حياة مفردة وخصوصا ويرى جسما تاسعا ذلك الجسم واحد بالفعل لا كثرة فيه، فهؤلاء يجب أن يروا أن إسم النفس إذا وقع على النفس الفلكية وعلى النفس النباتية فإنما يقع بالاشتراك، وأن هذا الحد إنما هو للنفس الموجودة للمركبات، وإنه إذا احتيل حتى تشترك الحيوانات والفلك فى معنى إسم النفس خرج معنى النبات من تلك الجملة، على أن هذه الحيلة صعبة، وذلك لأن الحيوانات والفلك لا تشترك فى معنى إسم الحياة ولا فى معنى إسم النطق أيضا لأن النطق الذى هاهنا يقع على وجود نفس لها العقلان الهيولانيان وليس هذا مما يصح هناك على ما ترى، فإن العقل هناك عقل بالفعل، والعقل بالفعل غير مقوم للنفس الكائنة جزء حد للناطق، وكذلك الحس هاهنا يقع على القوة التى تدرك بها المحسوسات على سبيل قبول أمثلتها والانفعال منها، وليس هذا أيضا مما يصح هناك على ما ترى، ثم إن اجتهد فجعل النفس كمالا أول لما هو متحرك بالإرادة ومدرك من الأجسام حتى تدخل فيه الحيوانات والنفس الفلكية خرج النبات من تلك الجملة، وهذا هو القول المحصل، وأما أمر الحياة والنفس فحل الشك فى ذلك على ما نقول إنه قد صح أن الأجسام يجب أن يكون فيها مبدأ للأحوال المعلومة المنسوبة إلى الحياة بالفعل، فإن سمى مسم هذا المبدأ حياة لم تكن معه مناقشة، وأما المفهوم عند الجمهور من لفظة الحياة المقولة على الحيوان فهوأمران، أحدهما كون النوع موجودا فيه مبدأ تصدر تلك الأحوال عنه أو كون الجسم بحيث يصح صدور تلك الأفعال عنه، فأما الأول فمعلوم أنه ليس معنى النفس بوجه من الوجوه، وأما الثانى فيدل على معنى أيضا غير معنى النفس، وذلك لأن كون الشىء بحيث يصح أن يصدر عنه شىء أو يوصف بصفة يكون على وجهين، أحدهما أن يكون فى الوجود شىء غير ذلك الكون نفسه يصدر عنه ما يصدر مثل كون السفينة بحيث تصدر عنه المنافع السفينية وذلك مما يحتاج إلى الربان حتى يكون هذا الكون، والربان وهذا الكون ليس شيئا واحدا بالموضوع، والثانى أن لا يكون شىء غير هذا الكون فى الموضوع مثل كون الجسم بحيث يصدر عنه الإحراق عند من يجعل نفس هذا الكون الحرارة حتى يكون وجود الحرارة فى الجسم هو وجود هذا الكون، وكذلك وجود النفس وجود هذا الكون على ظاهر الأمر إلا أن ذلك فى النفس لا يستقيم، فليس المفهوم من هذا الكون ومن النفس شيثا واحدا، وكيف لا يكون كذلك والمفهوم من الكون الموصوف لا يمنع أن يسبقه بالذات كمال ومبدأ ثم للجسم هذا الكون، والمفهوم من الكمال الأول الذى رسمناه يمنع أن يسبقه بالذات كمال آخر لأن الكمال الأول ليس له مبدأ وكمال أول، فليس إذن المفهوم من الحياة والنفس واحدا إذا عنينا بالحياة ما يفهمه الجمهور، وإن عنينا بالحياة أن تكون لفظة مرادفة للنفس فى الدلالة عل الكمال الأول لم نناقش، وتكون الحياة

Bogga 15

إسما لما كنا وراء إثباته من هذا الكمال الأول، فقد عرفنا الآن معنى الإسم الذى يقع على الشىء الذى سمى نفسا بإضافة له، فبالحرى أن نشتغل بإدراك ماهية هذا الشىء الذى صار بالاعتبار المقول نفسا، ويجب أن نشير فى هذا الموضع إلى إثبات وجود النفس التى لنا إثباتا على سبيل التنبيه والتذكير إشارة سديدة الموقع عند من له قوة على ملاحظة الحق نفسه من غير احتياج إلى تثقيفه وقرع عصاه وصرفه عن المغلطات، فنقول بجب أن يتوهم الواحد منا كأنه خلق دفعة وخلق كاملا لكنه حجب بصره عن مشاهدة الخارجات، وخلق يهوى فى هواء أو خلاء هويا لا يصدمه فيه قوام الهواء صدم ما يحوج أن يحس، وفرق بين أعضائه فلم تتلاق ولم تتماس، ثم يتأمل أنه هل يثبت وجود ذاته فلا يشك فى إثباته لذاته موجودة ولا يثبت مع ذلك طرفا من أعضائه ولا باطنا من أحشائه ولا قلبا ولا دماغا ولاشيئا من الأشياء من خارج بل كان يثبت ذاته ولا يثبت لها طولا ولا عرضا ولا عمقا، ولو أنه أمكنه فى تلك الحالة أن يتخيل يدا أو عضوا آخر لم يتخيله جزءا من ذاته ولا شرطا فى ذاته، وأنت تعلم أن المثبت غير الذى لم يثبت، والمقربة غير الذى لم يقربه، فإذن الذات التى أثبت وجودها خاصية له على أنها هو بعينه غير جسمه وأعضائه التى لم يثبت، فإذا المتنبه له سبيل إلى أن يتنبه على وجود النفس شيئا غير الجسم بل غير جسم، وأنه عارف به مستشعر له وإن كان ذاهلا عنه يحتاج أن يقرع عصاه،

Bogga 16

فصل 2 (فى ذكر ما قاله القدماء فى النفس وجوهرها ونقضه)

Bogga 17