وأما التمييز بالفعل الذى يلحق ذلك، والذى الفصل قوة أولى عليه وعلى غيره من الأمور، ففيه اختلاف. وأما الدليل على أن حقيقة الجوهرية التى أوضحناها لا تقدم فيها ولا تأخر أنك لا يمكنك أن تقول: إن كون الصورة فى نفسها ماهية، إذا وجدت فى الأعيان لم تحتج إلى موضوع ولم توجد فيه هو قبل كون المركب كذلك؛ أو إن هذه الحقيقة فى المركب فى أنها كون بهذه الصفة متعلقة بكون الصورة على هذه الصفة؛ كما تقول: إن وجود الصورة على ما هى عليه من كونها لا فى موضوع قبل وجود المركب؛ إذ وجودها قبل وجوده؛ ووجوده متعلق بوجودها؛ وذلك الوجود لها هو الوجود لا فى موضوع. فإذن هذا غير موجب آن لا يكون الجوهر جنسا، إنما هو معنى ذات الجوهر.
ثم بعد هذا شكوك خاصية يجب أن تترك لكتاب اللواحق؛ بل تقول: إن الجوهر إما بسيط وإما مركب؛ أعنى من الأشياء التى منها تركب الجوهر، أعنى المادة والصورة. والبسيط إما أن يكون غير داخل فى تقويم المركب بل هو برىء مفارق؛ وإما أن يكون داخلا فى تقويمه؛ والداخل فى تقويمه إما دخول الخشب فى وجود الكرسى؛ ويسمى مادة؛ وإما دخول شكل الكرسى فى الكرسى؛ ويسمى صورة. والمادة هى ما لا يكون باعتباره وحده للمركب وجود بالفعل، بل بالقوة. والصورة ما إنما يصير المركب هوما هو بالفعل بحصولها. وجميع ذلك إما أن يوجد كليا وإما أن يوجد جزئيا. وإذا كان الجوهر، إنما هو جوهر كما قدمته لك، بماهيته التى يلزمها وجود فى الأعيان أو فى الأوهام، ليس من حيث هو موجود فى الأعيان، وإلا لكان المفهوم من لفظة الجوهر مشككا لا متواطئا، كما قالوا، بل إنما نعنى بالجوهر الشىء الذى حق وجود الماهية الخاصية له فى الأعيان أن يكون لا فى موضوع، وجب أن أن تكون هذه الماهية، كالأنسان مثلا، لحقيقتها جوهرا. فالإنسان إنما هو جوهر لأنه إنسان، لا لأنه موجود فى الأعيان نحوا من الوجود؛ وإذا كان جوهرا لأنه إنسان، فما لحقه من اللواحق، أعنى مثل الشخصية والعموم وأيضا مثل الحصول فى الأعيان أو التقرر فى الذهن، فهى أمور تلحق جوهرا؛ ولواحق الجوهر لوازم وأعراض، لا تبطل معها جوهريته، فتبطل ذاته، فتكون قد لحقت غير الجوهر؛ إذ الجوهر قد بطلت ذاته. فإن الأشخاص فى الأعيان جواهر؛ والمعقول الكلى أيضا جوهر؛ إذ صحيح عليه أنه ماهية حقها فى الوجود فى الأعيان أن لا تكون فى الموضوع، ليس لأنه معقول الجوهر فإن معقول الجوهر ربما شكك فى أمره فظن أنه علم وعرض؛ بل كونه علما أمر عرض لماهيته؛ وهو العرض؛ وأما ماهيته فماهية الجوهر؛ والمشارك للجوهر بماهيته جوهر.
وكذلك فإن حد النوع، من حيث هو طبيعة، وحد الجنس أيضا، من حيث هو طبيعة، محمولان على الأشخاص التى لا يشك فيها أنها جواهر؛ فما شاركها فى حدها فهو جوهر. ولو كانت إنما هى جواهر لأنها موجودة فى الأعيان مكتنفة بالأعراض، لكانت جوهرية الأمور عارضة لماهيتها؛ إذ صح أن الوجود عارض فى هذه الماهيات؛ ولكانت العوارض تجعل ما ليس فى نفسه بجوهر جوهرا؛ فيكون شىء عرض له أن كان جوهرا؛ فتكون الجوهرية عارضة لشىء. وإذ هذا مستحيل فكليات الجواهر جواهر فى ماهياتها.
الفصل الثانى فصل (ب) فى الجوهر الأول والثاني والثالث
لكن الجواهر الأولى عى الشخصيات. والأول فى الأمور المشتركة فى طبيعة واحدة قد يكون على وجهين؛ فإنه إما أن يكون أولا فى ذلك المعنى بعينه؛ كما أن الجوهر أول فى الوجود بالقياس إلى العرض، وإما أن لا يكون فى ذلك المعنى أولا ولا أخيرا، ولكن يكون أولا بوجه آخر ومعنى آخر.
فالجواهر الشخصية ليست أولا فى حقيقة الجوهرية، وإن كانت أولى، وفرق بين الأول والأولى؛ فليس كل ما هو أولى بشىء فهو قبل به؛ بل قد يكون أولى به إذا كانت واحق الشىء وكمالاته تكون له أكثر مما لغيره أو أقدم له فى الوجود مما لغيره. والجزئيات ليست أول فى حقيقة الجوهرية؛ إذ تلك الحقيقة للماهية التى لها ولا تخالف فيها غيرها.
Bogga 80