409

والحد فليس أصلا موضوعا ولا مصادرة لأنه ليس فيه حكم، بل إنما يوضع لتفهيم اسم فقط، اللهم إلا ان يسمى إنسان كل مسموع في فواتح الصناعات أصلا موضوعا. بل إنما الأصول الموضوعة أشياء مصدق بها وهي في أنفسها صادقة تجتمع من التصديق بها - ولو بالوضع مع مقدمات أخرى - نتيجة. والحدود ليست كذلك. ولما قيل في التعليم الأول هذا فطن لظن لعله يسبق إلى بعض السامعين : أنه ربما كان من المقدمات المستعملة مبدأ ما لعلم كله، أو لمسألة منه ما هو كاذب ثم يطلب منها نتيجة. فكأن سائلا سأل وقال : قد نرى في العلوم أصولا موضوعة ومقدمات كاذبة يتدرج منها إلى المسائل مثل أن المهندس يقول خط أ ب لا عرض له، وهو مستقيم، ولا يكون كذلك. ومثل أ ب ج مستقيم الخطوط، متساوي الأضلاع، ولا يكون في الحقيقة كذلك، بل يكون كاذبا فيما يقول ويروم مع ذلك إنتاج نتيجة صادقة. وإنما يكون كاذبا لأن ذلك الخط لا يكون عديم العرض ولا مستقيما في الحقيقة، ولا ذلك المثلث يكون متساوي الأضلاع في الحقيقة. فأجيب وقيل إن هذا الخط المخطوط والمثلث المشكل ليس مخطوطا لافتقار البرهان إلى مثله، والبرهان هو على خط بالحقيقة مستقيم وعديم العرض؛ وكذلك على مثلث بالحقيقة متساوي الأضلاع المستقيمة، بل إنما خط ذلك وشكل هذا إعانة للذهن بسبب التخيل. والبرهان هو على المعقول دون المحسوس والمتخيل. ولو لم يصعب تصور البرهان المجرد عن التخيل لما احتيج إلى تشكيل البتة. فقد بان أن الأصول الموضوعة مصدق بها، وعلل للتصديق بالنتيجة والمطلوب، ولا كذلك الحد.

وأيضا فإن كل أصل موضوع فهو محصور : كلى أو جزئي. ليس شيء من الحدود بمحصور كلى ولا جزئي. فليس شيء من الأصول الموضوعة بحدود. على أنه لا حاجة إلى هذا البيان بعد ما قيل.

ولأن قوما حسبوا أن موضوعات العلوم هي صور مفارقة، لكل نوع منها مثال يشبهه قائم بذاته عقلي موجود لا في مادة، فبالحرى أن يقع الشك وحله في جملة ما يتعلق بالبرهان. ويجب أن نذكر أولا السبب )105 أ( الذي حمل أولئك على هذا الظن فنقول : إنما وقع أولئك القوم في هذا الظن من جهة قياس قاسوه فقالوا إن هذه العلوم كلها إنما تنظر في موجودات ما، فالمعدومات لا فائدة في النظر فيها. ثم الموجودات إما واقعة تحت الفساد والتغير، وإما دائمة الوجود غير متغيرة. وأيضا إما محسوسة، وإما معقولة. والفاسدات لا برهان عليها ولا حد لها. والمحسوسات ليست أيضا مبرهنا عليها ولا محدودة من جهة ما هي محسوسة وشخصية، بل من جهة طبيعية عقلية أخرى. فالبرهان ليس يقوم على الشمس من جهة ما هي هذه الشمس، بل من جهة ما أنها مجردة من سائر العوارض اللاحقة لها والشخصية العارضة لها. وكذلك الحد ليس لها من جهة ما هي هذه الشمس.

فإذا كان كذلك، كان البرهان على صور معقولة مجردة عن المادة، لئلا تكون محسوسة ولا قابلة للفساد.

وكذلك الحد. فبعضهم وضع ذلك للعدديات فقط، وبعضهم للعدديات والصور الهندسية، وبالجملة للصور التعاليمية دون الطبيعية ورقى إليها الطبيعية.

وكان مأخذ هؤلاء في الاحتجاج شيئا آخر : وهو أن هذه مستغنية عن المادة في الحد، وكذلك في الوجود. وقالوا : وإما ما يضعه الرياضي من خط وشكل محسوس فهو كاذب فيه. والخط والشكل الحقيقي عقلي وعليه البرهان.

وقوم ألفوا الهندسيات من العدديات، وجعلوا العدديات مبدأ الهندسيات. وأما أفلاطن فجعل الصور المعقولة المفارقة موجودة لكل معقول حتى للطبيعيات فسماها إذا كانت مجردة مثلا، وإذا اقترنت بالمادة صورا طبيعية. وجميع هذا باطل، فغن الصور الطبيعية لا تكون هي هي إذا جردت عن المادة، والصور التعليمية لا تقوم بلا مادة وإن كانت تحد لا بالمادة، والكلام في إبطال هذه الآراء والقياسات الداعية إليها غنما هو في صناعة الفلسفة الأولى دون المنطق وعلوم أخرى، بل يحسن في المنطق بوجه من الوجوه أن يبين أن هذه وإن فرضت موجودة فلا مدخل لها في علم البرهان ولا هي موضوعة لهذه البراهين التي نحن في تعليمها : لأن هذه البراهين وإن كانت بالذات وأولا لأمور عقلية كلية، فإنها ثانيا وبالعرض للمحسوسات والفاسدات. فإن كل حكم يصح على الشمس المطلقة يصح على هذه الشمس، وكل حكم يصح على الغب على الإطلاق فيصح على هذا الغب. وإذا صح أن كل إنسان حيوان، صح على إنسان ما أنه حيوان.

Bogga 466