397

ثم من المعلوم أن ما كانت الحدود الوسطى في برهانه مأخوذة من علل صورية فقط، فلا يجوز أن يشترك في البرهان عليه علمان - إذا أريد بالبرهان برهان اللم. وأما إذا كانت له علل مختلفة، فلا يخلو إما أن يكون بعض الأسباب خارجة عن موضوع الصناعة مثل السبب الأول الفاعل للأمور الطبيعية على الإطلاق، والغاية القصوى، فإنها مفارقة للموجودات الطبيعية. أما السبب الفاعل فبالذات، وأما الغاية القصوى لها فمن وجه بالحد ومن وجه بالذات. وإما أن تكون كل تلك داخلة في موضوع الصناعة : أي إما كائنة أنواعا لها )104 - ب ( أو كائنة من عوارضه الذاتية مثل السبب الفاعلي والتمامي والمادي والصوري لموجودات ما طبيعية، دون العامة للكل مثل أسباب الإنسان أو أسباب نوع جنس آخر من الكائنات الطبيعية أو الطبيعيات التي ليس بكائنة، فإن أسبابها الظاهرة كلها طبيعية. ونشرح هذا فيما هو أظهر كالإنسان، فإن سببه الفاعل الظاهر إما إنسان أو نطفة أو قوة في نطفة وصورة فيها. وهذه الثلاثة إما نوع موضوع الصناعة وإما صورة وإما عرض ذاتي داخل في موضوع العلم الطبيعي الذي هو الجسم من جهة ما يتحرك ويسكن. وسببه المادي إما الأركان أو الأخلاط أو الأعضاء، وهو من أنواع الجسم الطبيعي. وسببه الصوري النفس، وهو، من حيث هو، صورة ما للجسم الطبيعي وكمال ما له، وسببه الغائي الكمالي الذي يخصه، وجود أكمل جوهر يمكن حصوله من مبادئ كائنة فاسدة حصولا متحدا من نفس وبدن، حتى يكون من شانه أن تبقى نفسه للسعادة. وهذا الكمال من عوارض الجسم الطبيعي التي لا يمكن أن توجد في غيره.

ويشبه أن يكون الفاعل والصورة والغاية في الأمور الطبيعية واحدا بالنوع، وأن تكون الغاية التي هي غير الصورة في الطبيعيات خارجة عن فعل الطبيعة، ومن عند مبدأ أعلى من الطبيعة وغاية له، مل أن فاعل الإنسان إنسانية ما، وصورته إنسانيته، وهي غاية الفاعل الطبيعي. وأما الكمال الآخر كالطحن الذي هو الغاية المقصودة في تعريض الأضراس للطحن، فهي مقصودة عند مبدأ أعلى من الطبيعة. وأما نفس التعريض فإنه غاية للفاعل الطبيعي ومقصود له. فكأن الغاية في الطبيعيات غايتان : غاية هي صورة - وهي نهاية حركة وتمام محرك طبيعي - مثل التعريض - وغاية بعد الصورة ليست الصورة المقصودة قصدا أوليا في حركة التكوين، وهي مثل الطحن. وهي غاية لفاعل أعلى من الطبيعة.

ونقول بقول مطلق إن المادة والصورة لا يجوز أن يكونا غريبين من جنس الصناعة؛ والفاعل والغاية ربما كانا غريبين. فإذا مهدنا هذه الأصول فنقول : إذا أمكن أن تكون بعض أسباب الشي خارجا عن موضوع صناعته وواقعا في صناعة أخرى، أمكن أن يكون على المسألة برهانان من علمين. وأما إذا كانت الأسباب متعلقة بالموضوع غير غريبة منه، لم يمكن في غير ذلك العلم إعطاء برهان اللم.

فقد اجتمع من جميع ما قلناه أنه لا سبل إلى إقامة البراهين إلا من مبادئ خاصة. وبهذا السبب نغلط فنظن في كثير من الأشياء أنا علمناه بالحقيقة إذا كانت المقدمات المأخوذة في قياساتها صادقة ولا نكون علمناه العلم الحقيقة إذا لم تكن مناسبة.

الفصل السابع في اختلاف العلوم واشتراكها بقول مفصل

نقول إن اختلاف العلوم الحقيقية هو بسبب موضوعاتها. وذلك السبب إما اختلاف الموضوعات وإما اختلاف موضوع. ولنفصل أقسام الوجه الأول ونقول : إن اختلاف موضوعات العلوم إما على الإطلاق من غير مداخلة - مثل اختلاف موضوعي الحساب والهندسة، فليس شيء من موضوع هذا في موضوع ذلك - وغما مع مداخلة مثل أن يكون أحدهما يشارك الآخر في شيء. وهذا على وجهين : إما أن يكون أحد الموضوعين أعم كالجنس، والآخر أخص كالنوع أو الأعراض الخاصة بالنوع. وإما أن يكون في الموضوعين شيء مشترك وشيء متباين مثل علم الطب وعلم الخلاق : فإنهما يشتركان في قوى نفس الإنسان من جهة ما الإنسان حيوان، ثم يختص الطب بالنظر في جسد الإنسان وأعضائه، ويختص علم الخلاق بالنظر في النفس الناطقة وقواها العملية.

وأما القسم الأول من هذين القسمين فإما أن يكون العام فيه عمومه للخاص عموم الجنس أو عموم اللوازم مثل عموم الواحد والموجود. ولنؤخر الآن هذا القسم. وأما الذي عمومه فيه عموم الجنس للنوع فهو كالنظر في المخروطات على انها من المجسمات، والمجسمات على أنها من المقادير. وأما الذي عمومه كالجنس لعارض النوع فمثل موضوع الطبيعي وموضوع الموسيقى : فإن موضوع الموسيقى عارض نوع من موضوع العلم الطبيعي.

Bogga 454