158

القسوة والجهالة

ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة .

القسوة والجهل من معدن واحد، يصطحبان ويتعاونان. الطفل على ضعف جسمه ونفسه تشتد قسوته أحيانا على ضعاف الحيوان؛ بما جهل أثر فعله، وغفل عن سوء عمله. والجاهل من الرجال والنساء أقسى قلبا ويدا ممن أوتي نصيبا من العلم وحظا من المعرفة. المعرفة توقظ النفس من رقدتها، وتنبهها من غفلتها، فتشعر بما في أفعالها من حسن وقبح وقسوة ورحمة، ولا سيما المعرفة التي تتصل بالنفس تقويما وتأديبا وتهذيبا وترقيقا ، فيختلف الناس في هذا اختلاف درجاتهم في المعرفة، وأثر المعارف في نفوسهم.

واعتبر هذا بالبهيمة في يد فلاح جاهل، انظر كيف يقسو عليها ويحملها ما لا تطيق، فإن عجزت لم يألها ضربا وتعذيبا لتقدر! وليست القدرة بملكها، ولا القوة بإراداتها. ولا يشفق هذا القاسي على البهيمة إلا بمقدار ما يقومها بمال فيخاف أن يخسر هذا المال بعجزها أو نفوقها.

رأيت في إسطنبول رجالا اجتمعوا حول حمار واقع لينهضوه فأشعلوا ورقا وقربوه من بطنه لينهض. وقصصت ما رأيت على عالم ألماني هناك، فعجب كيف رضي الناس هذا ولم تأخذ السابلة على أيدي المجرمين! وقال: إننا في بلادنا لا نبيح لإنسان أن يحمل دجاجة آخذا برجليها منكسا رأسها، ينهره ويمنعه أول من يلقاه على الطريق.

قلت: لستم أرحم من هؤلاء طبعا، ولا أشفق منهم سجية، ولكنه فرق العلم والجهل، والخشونة والصقل.

الأحد 24 محرم/5 نوفمبر

مد التاريخ وجزره

بلغت اليوم مدينة كراچي على ساحل السند، فازدحمت في فكري حوادث الدهر وذكر التاريخ. ذكرت العرب المسلمين في دولة بني أمية يطوون الأرض شرقا وغربا، ويركبون المفاوز والبحار إلى أقصى الأقطار، فيأتون إلى السند ويفتحون وينشرون ألويتهم ودينهم في السند وبلاد وراءها في الهند. وتبقى هذه الأصقاع في سلطان الخلفاء الأمويين والعباسيين مائتي سنة، ثم يحسر عليها سلطان الخلفاء.

وامتد فكري إلى ما قبل الإسلام فذكرت دارا ملك الفرس يغزو الهند، وتذكرت إسكندر المقدوني يمتد به الفتح من مقدونية إلى هذه الأقاليم. ثم رجعت إلى تاريخ المسلمين أرى السلطان محمود الغزنوي يغزو الهند اثنتي عشرة مرة، فيفتح أقاليمها الشمالية والغربية. وذكرت ملوك الغور ومن خلفهم من الذين زحزحوا خلفاء محمود إلى الهند ثم لحقوهم فيها، وفكرت في الدول الإسلامية الصغيرة التي انتشرت في أرجاء الهند.

Bog aan la aqoon