قال: «نعم يا أخي وصل منذ أيام وهو الآن على الضفة اليمنى، وحالما وصل بعث إلى حضرة المحترم رئيس ديرنا أن يوافيه إلى هناك على عجل فلم يسعه غير الطاعة.»
قال: «وما الذي يبتغيه منه وليس عنده جند ينجده به؟»
قال: «يظهر أنك تجهل حال هذا الدوق مع رجال الله والكنائس والأديرة.»
قال: «أعرف عنه قليلا.»
قال: «ألا تعرف طمعه في أموال الكنائس وأرزاقها وهل فاتك ما ارتكبه من الظلم مع أكليروس أوستراسيا؟»
قال: «سمعت بعض الشيء وأخشى أن يفعل مثل ذلك في كنائسنا هنا.»
قال: «وهذا الذي نخشاه نحن.»
وبينما هما في ذلك، إذ سمعا قرع الجرس فبغت راهب الدير ووقف الباقون وهم يحسبون الجرس يقرع للصلاة، ولكنهم رأوا الكنيسة لا تزال مغلقة وقد تقاطر الرهبان من كل ناحية نحو طرقة من طرقات الحديقة تؤدي إلى سور الدير من جهة النهر، فظلت سالمة وراهبها واقفين بجوار المقعد ينتظران ما يكون، ولم يمض قليل حتى رأيا جماعة من الرهبان عائدين وفي مقدمتهم راهب بملابس خاصة، يمتاز عن الباقين وعلى رأسه قلنسوة خاصة فعرفت سالمة أنه الرئيس وقد عاد من مهمته التي ذهب لأجلها إلى شارل فاستغربت رجوعه في ساعة مبكرة، وتفرست فيه عن بعد فرأته ماشيا وحوله الرهبان والجميع سكوت تهيبا مما في وجهه من مظاهر الغضب.
وكان ذلك الرئيس كهلا كثيف اللحية قد وخطه الشيب في أواسط لحيته من مقدم الذقن ولا يزال الباقي حالكا، وكذلك شاربه فإنه كان غليظا كثيفا وكانت عيناه كبيرتين براقتين، فوقهما حاجبان عريضان ومنظره في الجملة وقور مع جلال، وقد زاده الغضب هيبة ووقارا حتى ألجم الرهبان كافة عن الكلام، فتوسمت سالمة من ذلك الغضب خيرا ولما دنا من الدير أسرع رفيقها الراهب إلى يده، فقبلها وهو جاث وقبعته بيده، ففعلت سالمة مثله ثم تنحى الجميع ودخل الرئيس من باب الدير وتبعه جماعة الرهبان وعلى وجوههم علامات الدهشة، ولا يجسر أحد على الكلام إلا همسا.
فظلت سالمة وراهبها يترقبان فرصة تسمح بدخولهما على الرئيس، وكانت سالمة تفضل الدخول عليه وحدها ومعها الكتاب، وبعد هنيهة جاء الراهب الذي كان قد استقبلهم من باب السور وقال: «هذا هو الرئيس قد عاد فما الذي تريدانه؟»
Bog aan la aqoon