Sharh Fath al-Majid by al-Ghunayman
شرح فتح المجيد للغنيمان
Noocyada
تفسير قوله تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]].
هذه الآية لها نظائر كثيرة في القرآن ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
(ولقد): الواو هنا واو القسم، واللام موطئة للقسم، فالله يقسم، وهل نحتاج إلى أن يقسم ربنا لنا؟ الله جل وعلا هو أصدق قيلًا، ولا يمكن أن يخبر عن شيء خلاف الواقع تعالى وتقدس، ولكن الإنسان ظلوم كفور، وظلوم جهول، لهذا تمادى كثير من الخلق بظلمه، فأقسم رب العالمين له: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا)، والبعث في الأصل: هو إثارة الشيء.
يقول العرب: بعث فلان البعير.
إذا أثاره من مبركه، ويقال: بعث الصيد.
إذا أثاره من مكامنه.
ويقال: بعثت فلانًا إلى فلان، أي: أرسلته برسالة إليه سواء أكانت الرسالة كلامًا أم غير ذلك، ومنه البعث الذي أخبر الله جل وعلا به: ﴿وأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٧] يعني: إخراج الموتى أحياءً بعدما كانوا رميمًا، بل بعدما كانوا ترابًا؛ لأن الإنسان إذا قبر وبقي شهورًا وسنينًا تبلى عظامه وتصبح ترابًا، ويبقى منها جزء صغير جدًا قد لا يرى بالعين يسمى (عجب الذنب)، جزء صغير جدًا في أسفل ظهر الإنسان، منه ينبت الإنسان مثل البذرة التي تكون للشجرة، فلو أتيت إلى أرض هامدة في الصيف مثلًا، وبحثت بكل ما تستطيع أن تبحث عن بذور فيها فلن تجد شيئًا، ثم إذا نزل المطر يخرج النبات بكثرة، كذلك الإنسان يتفتت ويصبح ترابًا كما أخبر الله جل وعلا أنه يعيدهم ترابًا، وهو ما خلقوا منه، فإن أصل خلقنا من التراب، خُلِق أبونا آدم من تراب كما أخبر الله جل وعلا بذلك، ثم يعاد الإنسان إلى أصل خلقه التراب، إلا الرسل فقد حرم الله ﷿ على الأرض أن تأكل أجسادهم، فلا تبلى أجسادهم بل تبقى طرية كرامة لهم، ومع ذلك يموتون، فكل رسول مات، وما بقي أحد من الرسل، كلهم ماتوا وذهبوا إلى ربهم، ثم يبعثون كما يبعث غيرهم من الخلق، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ في قصة اليهودي الذي لطمه أحد الصحابة، كان يبيع سلعة في سوق المدينة، فجاء أحد الصحابة فقال: أشتريها بكذا، فقال: والذي فضل موسى على العالمين لقد أعطيت بها كذا وكذا، يعني: أكثر من هذا، عند ذلك غضب الصحابي وقال: تقول هذا، ورسول الله ﷺ بين أيدينا؟ فلطمه، يعني: إنك تفضل موسى على نبينا، فجاء اليهودي يشتكي من الصحابي، فقال: يا رسول الله! إنه يقول كذا وكذا، عند ذلك قال ﷺ: (لا تفضلوني على موسى؛ فإني يوم القيامة أكون أول من تنشق عنه الأرض، فأجد موسى قائمًا قابضًا بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أبعث قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟)، وفي رواية في صحيح مسلم: (فيصعق الناس الصعقة الثانية، فأكون أول من ينفض التراب عن رأسه، فأجد أخي موسى قائمًا بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أبعث قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟)، وصعقة الطور هي حينما سأل ربه النظر كما قال الله: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، فهذه صعقة الطور التي حصلت له لما تجلى الله جل وعلا للجبل، فتدكدك الجبل وصار دكًا، أي: صار هباء لرؤية الله جل وعلا، مع ذلك وقد تجلى الله تعالى قليلًا جدًا جدًا، حتى جاء عن بعض السلف أنه قال: مثل ثقب الإبرة.
ولهذا ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري قال: (قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات)، وهكذا كانت عادته صلوات الله وسلامه عليه إذا تكلم لا يطيل الكلام، ويتكلم بكلام واضح جلي يحفظ عنه، يقول: (قام فينا بخمس كلمات)، يعني: قام يخطب بخمس كلمات، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا صلوات الله وسلامه عليه حتى تحفظ، ولهذا حفظ الصحابة أحاديثه صلوات الله وسلامه عليه، يقول: (قام فينا بخمس كلمات، فقال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، وبصره جل وعلا لا يمكن أن يحول دونه شيء، يبصر كل شيء، ولكن احتجب عن خلقه بالنور، حتى لا يذهب الخلق كله، وسبحات وجهه، أي: نور وجهه وجماله وبهاؤه.
هذه سبحات وجهه، لو كشف الحجاب لزال كل شيء، وما يستطيع شيء أن يقوم لنور الله جل وعلا، وقد يقول قائل: إذًا كيف يراه الناس يوم القيامة؟ نقول: الرؤية يوم القيامة غير هذه، رؤية يوم القيامة رؤية نعيم، إلا الرؤية في الموقف فإنها أمر آخر، وقد ثبت أن المؤمنين يرونه، ثم إن الخلق يركبون تركيبًا لا يقبل الموت، يركبون بالبعث تركيبًا لا تقبل الروح فيه مفارقة الجسد أبدًا، يركبون للحياة الأبدية، ولهذا يدخل أهل النار النار ويصلونها دائمًا ولا يموتون، ولا يوجد موت، وكذلك أهل الجنة لا يوجد عندهم موت مهما عظمت الكوارث، وأحوال القيامة ما أحد يستطيع أن يقوم لها في تركيب الخلق اليوم أبدًا، فسيموتون في أول وهلة لو كانوا على هذه الصورة وهذه الحياة، كيف يقفون ألف سنة على أقدامهم؟ يستطيع الإنسان حينئذ ذلك وهو عار، فلا يوجد ثوب، ولا نعال، ولا أكل، ولا شرب، ألف سنة والشمس فوق رأسه ما تغيب عنه أبدًا، ولا يجد إلا موطئ قدميه فقط، وليس هناك جلوس، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، وهو يوم عسير على الكافرين، ولكننا ننسى هذا الشيء ولا نذكره، والواجب أن يهمنا كثيرًا، والمقصود أن حياة الناس بعد البعث غير هذه الحياة، هي حياة أخرى، حياة لا تقبل الموت أبدًا، فلو جاءه الموت من كل مكان لا يموت.
يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل:٣٦] البعث هو الإثارة، ومعنى هذا: أن الله أرسل الرسل من الأمم إليهم، كل أمة بعث الله منها رسولًا يعرفونه، يعرفون نسبه، ويعرفون صدقه، ويعرفون أمانته، كل أمة يأتيهم رسول بهذه الصفة، فيعرفون لسانه، ويعرفون أمانته وصدقه؛ لأنه لا يبعث إلا خيار الخلق، وهو فضل الله يتفضل به على من يشاء، فيرسله إلى قومه.
وقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل:٣٦]، كل رسول يقول لقومه هذه المقالة (اعبدوا الله)، كل رسول يقول هذا القول لأمته، فدل هذا على أن دين الله واحد وهو عبادة الله وحده، وأن الخلق خلقوا لهذا، وأنه لا يجوز للإنسان أن يعبد غير الله، وأن سبب شرك المشركين أنهم وزعوا العبادة بين الله تعالى وبين المعبودات الأخرى فحصل الشرك بذلك، وهذا لا يسمى عبادة، فلا تسمى العبادة عبادة إلا إذا كانت خالصة لله، والعبادة سبق تعريفها أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فالقول الذي يكون باللسان مثل التسبيح والتهليل والقراءة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا كله عبادة، وكذلك الأعمال التي تكون بالجوارح مثل الركوع والسجود والمشي إلى المساجد والجهاد والحج، ومنه أيضًا الأعمال التي تؤدى بالأيدي من الصدقات، وكذلك إنكار المنكر الذي يُتناول باليد، وكذلك إزالة المؤذيات عن الطرق، فهذه عبادة يثاب عليها الإنسان، وكذلك الأعمال الباطنة -أعمال القلب- مثل الخشية والخوف والرجاء والحب والإنابة وغير ذلك من أعمال القلوب، هذه كلها عبادة، فالعبادة تشمل كل ما أمر الله جل وعلا به، وأحب وجوده من الإنسان وأثاب عليه، وكذلك تشمل ترك كل ما نهى الله عنه، فإذا ترك الإنسان المعصية خوفًا من الله فهي عبادة، ولا يجوز أن يترك الإنسان شيئًا لأجل الإنسان؛ لأن هذا عبادة، ولا يجوز أن تكون العبادة لغير الله، كما أنه لا يجوز للإنسان أن يفعل شيئًا مما يطلب الثواب عليه من أجل الإنسان؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تجوز أن تكون لغير الله، فالمقصود أن دين الرسل واحد، كلهم أمروا أممهم أن يعبدوا الله وحده.
﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، والطاغوت مأخوذ من الطغيان، والطغيان: هو تجاوز الحد.
والإنسان إذا تجاوز حده صار طاغوتًا، والحد هو الشيء الذي خلق له الإنسان، والإنسان خلق عبدًا ليعبد الله، فإذا نصب الإنسان نفسه ليكون ربًا صار طاغوتًا، فإن نصب نفسه ليكون معبودًا، أو نازع الله في حكمه وأصبح يحكم بغير ما أنزل الله صار طاغوتًا، فعن جابر بن عبد الله أنه قال: (الطاغوت الشيطان)، وفي رواية: (كهان ينزل عليهم الشياطين)، فالكاهن هو الذي ينزل عليه الشيطان، وجاء عن عمر ﵁ أنه قال: (الطاغوت الشيطان)، وجاء عن مالك ﵁ أنه قال: (كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت)، فكل المعبودات طواغيت إلا الذي يعبد وهو غير راضٍ، كالصالحين والأولياء والأنبياء، فبعضهم يعبدون ولكنهم لا يرضون بهذا، النصارى يعبدون عيسى، واليهود يعبدون عزيرًا، فلا يسمى هؤلاء طواغيت، ولما أخبر الرسول ﷺ عن الأصنام أنها وعابدوها في جهنم جاء رجل من الكفار وقال: أنا أخاصمك فأخصمك، قال له: ألم يعبد عيسى؟ ألم يعبد عزير؟ فإذًا يكونون في النار، فأنزل الله جل وعلا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، إلى أن قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُون
5 / 2