Sharh al-Hamawiyyah by Ibn Taymiyyah - Al-Rajhi
شرح الحموية لابن تيمية - الراجحي
Noocyada
فريقان حكموا عقولهم في صفات الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم هم ههنا فريقان، أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه، -ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه- وما نفاه قياس عقولكم الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلافًا أكثر من جميع من على وجه الأرض فانفوه].
الشيخ: أي: أن الذين نفوا الصفات حكموا عقولهم، وقالوا: ننظر في عقولنا في قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] فإذا كان العقل يرى أن هذه الصفة تصلح أن تثبت لله نثبتها، وإذا كان يرى أنها لا تصلح وأن فيها تنقص من الله، وأن فيه مشابهة للمخلوق، فالواجب نفيها عن الله تعالى، ولهذا فإنهم يقولون: إن الاستواء فيه مشابهة للمخلوق، ويلزم منه أن يكون الله محدودًا متحيزًا، فلهذا نفوه بعقولهم.
إذًا: فالعقول متضاربة، فأي عقل يرجع إليه؟ ثم لماذا أنزل الله علينا الكتاب؟ وما الفائدة منه إذا كنا لا نعمل به، فنقول في قول الله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]: إن العقل يقول: لا يصح أن يوصف الله بالاستواء؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: ثم هم ههنا فريقان أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه -ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه- وما نفاه قياس عقولكم الذي أنتم فيه مختلفون مضطربون اختلافًا أكثر من جميع من على وجه الأرض فانفوه، وإليه عند التنازع فارجعوا، فإنه الحق الذي تعبدتكم به، وما كان مذكورًا في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا، أو يثبت ما لم تدركه عقولكم -على طريقة أكثرهم- فاعلموا أني أمتحنكم بتنزيله لا لتأخذوا الهدى منه، لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ، وغرائب الكلام].
الشيخ: هذا حال أهل الكلام فأكثرهم ينفون ما تثبته عقولهم، وبعضهم يقول: إن ما نفاه العقل يجب نفيه، وبعضهم يتوقف، فيقول في (استوى): لم يستو، بل نتوقف فيه.
فإن قيل: وماذا نعمل بالنصوص؟ قالوا: نحرفها، ونخرجها على وجوه اللغة الشاذة الغربية، ونحملها على معانيها البعيدة المحتملة، ونفسرها بها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لكن لتجهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ وغرائب الكلام، أو أن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله، مع نفي دلالته على شيء من الصفات، هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين].
الشيخ: أي: أن المتكلمين بين أحد أمرين: إما محرفين أو مؤلين، فبعضهم يحرف ويقول: إن استوى معناه: استولى؛ لأن الاستواء لا يليق بالله؛ لأنه يلزم منه أن يكون محدودًا متحيزًا، وأن يكون مشابهًا للمخلوق فننفيه، ونقول: إن معنى استوى: استولى.
فيجاب عليهم بأن الاستيلاء الذي فررتم إليه كذلك فيه مشابهة للمخلوق، ويلزم محذور آخر، هو أنه كان مغلوبًا ثم غلب.
هذا المعنى، المعنى الثاني: السكوت عن معناه، فبعضهم ذهب إلى التفويض -وهو الإيمان باللفظ والسكوت عن المعنى وتفويض المعنى إلى الله- فيقول: لا أدري ما معنى استوى، فأفوض معناها إلى الله.
فكأن الألف والسين والتاء والواو والألف حروف أعجمية لا يفهم معناها.
ولذلك قال بعض العلماء: المفوضة شر من المعطلة، فهم إما أن ينفوا الصفات ويعطلوها ويحرفوها ويفسروها بتفسيرات باطلة، أو يفوضوا المعنى إلى الله ويكتفوا بالإيمان بالله، فهم بين هذين النقيصتين وهذين الداءين، وهذين الباطلين، إما تحريف وإما تفويض.
وهذا هو الذي يذكره النووي في شرح صحيح مسلم وغيره، حيث يقول: للعلماء في صفات الله طريقان: طريقة السلف وهي الإيمان باللفظ، وتفويض المعنى، والطريقة الثانية: طريقة الخلف، وهي التأويل.
ولا يذكرون منهج السلف الصالح وهو إثبات الألفاظ والمعاني وتفويض الكيفية إلى الله.
والتفويض: هو الإيمان باللفظ والسكوت عن المعنى، مع الجزم بأن الصفات منفية عن الله وأهل التفويض يقولون: نؤمن باللفظ، ولكن المعنى لا نجده بل نفوضه إلى الله، مع الجزم بأن الصفات منفية غير مرادة، وغير ثابتة، لما فيها من التنقص من الله ﷿ بزعمهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا الكلام قد رأيته صرح بمعناه طائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزومًا لا محيد عنه ومضمونه: أن كتاب الله لا يهتدى به في معرفة الله، وأن الرسول ﷺ معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله، وأن الناس عند التنازع لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، بل إلى مثلما كانوا عليه في الجاهيلة وإلى مثلما يتحاكموا إليه من لا يؤمن بالأنبياء، كالبراهمة والفلاسفة وهم المشركون والمجوس وبعض الصابئين.
وإن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة ولا يرتفع الخلاف به، إذ لكل فريق طواغيت، يريدون إن يتحاكموا إليهم، وقد أمروا أن يكفروا بهم.
وما أشبه حال هؤلاء المتكلمين بقوله ﷾: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء:٦٠ - ٦٢].
فإن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول -والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته- أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا الإحسان علمًا وعملًا بهذه الطريق التي سلكناها، والتوفيق بين الدلائل العقيلة والنقلية.
ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل إنما تقلدوا أكثرها عن طواغيت من طواغيت المشركين أو الصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا بهم، مثل فلان وفلان، أو عمن قال كقولهم لتشابه قلوبهم، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢١٣].
ولازم هذه المقالة: ألا يكون الكتاب هدى للناس ولا بيانًا ولا شفاء لما في الصدور ولا نورًا، ولا مردًا عند التنازع؛ لأنا نعلم بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون: أنه الحق الذي يجب اعتقاده، لم يدل عليه الكتاب والسنة لا نصًا ولا ظاهرًا، وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥].
وبالاضطرار يعلم كل عاقل، أن من دل الخلق على أن الله ليس على العرش ولا فوق السموات ونحو ذلك بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، قد أبعد النجعة، وهو إما ملغز أو مدلس، لم يخاطبهم بلسان عربي مبين].
الشيخ: استدلالهم بقول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] فإنهم يريدون به أن الله ليس فوق العرش؛ لأنه لو صار فوق العرش لصار مشابهًا لأحد من الناس، وصار شيئًا على محسوس، ومشابهًا للمخلوق الذي يكون محدودًا على محدود، فيزعمون أن الله إما أن يكون في كل مكان، أو يكون لا داخل العالم ولا خارجه نعوذ بالله.
ولا شك أن الاستدلال بمثل هذا من أبطل الباطل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرًا لهم في أصل دينهم؛ لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عمى وضلالة.
يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول ﷺ -يومًا من الدهر- ولا أحد من سلف الأمة: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، أو اعتقدوا كذا وكذا فإنه الحق، وما خالف ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، أو انظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاعتقدوه، وما لا فتوقفوا فيه أو انفوه.
2 / 2