Shacir Andalusi
شاعر أندلسي وجائزة عالمية
Noocyada
فليس العربي الأندلسي مفاخرا بمكان تركه في المشرق، ولا بسكان تركهم فيه يعيشون معه في زمانه وينتمون إلى الشرف الذي ينتمي إليه، ولكنما الفخر عندهم جميعا «بوطن روحي» واحد ينتمي إليه بنوه بالضمير والفكر وبما يشرف الإنسان من وجدان ولسان، فإذا هم أعطوه حقه من القداسة والصيانة فلا جناح عليهم بعد ذلك أن يتنافسوا ويتناظروا، بل لا جناح عليهم أن يتنازعوا ويتنافروا، ويذهب كل منهم مع حاضر زمنه ومآلف سكنه، حيث طاب له الذهاب في أبعد مطاف وأوسع رحاب.
وكذلك صنع الأندلسيون في دواعي الجد واللهو من مطالب المعيشة اليومية، فتصرفوا بفنون النظم والغناء، وطوعوا الموشحة الفصيحة والزجل العامي على هوى المجلس والسامر الذي ألفوه في رحاب الوطن الجديد، واستطاعوا أن يبدعوا لتلك السوامر الراقصة وفاقها من المعاني الشعرية والأوزان المستحدثة، وتمموا المقابلة بينهم وبين أبناء الجزيرة في المشرق إلى أبعد غاياتها المعروفة عند ازدواج الفنون العربية والفنون الفارسية حول الحيرة وبلاد النهرين؛ فقد أخذ العرب من الفرس معازفهم وآلات موسيقاهم، ولكنهم لم يأخذوا منهم شعرهم ولا عروضهم، بل أعطوهم على نقيض ذلك أوزانا عربية، وبحورا من العروض العربي ينظمون فيها أشعارهم الفارسية ويقيسون عليها أغانيهم التي توقع على المعازف وأناشيدهم التي تنظم للتلاوة والإلقاء.
ومثل هذا قد حدث في الأندلس كلها وما جاورها بعد امتزاج الشعر العربي بفنون الرقص والموسيقى الإسبانية؛ فإن الأمة الوافدة أخذت من الأمة المقيمة مجالسها ومعازفها وعادات إنشادها ورقصها في الجماعة المشتركة من الجنسين، ولكنها أعطتها الأوزان والأعاريض، ويسرت لمن ينظم فيها بلغات الغرب ما لم يكن يسيرا أن ينظم في الكلام الموزون قبل ذاك.
ولم يكن فتح العرب للأندلس فاتحة مرحلة كبيرة في تاريخ الآداب العربية بالمغرب وحدها، بل كان على صورة أوضح من ذلك فاتحة المرحلة الأولى في آداب القومية الإسبانية منذ أقدم عهودها؛ فإنه لمما لا شك فيه أن هذا الفتح كان حدا واضح المعالم بين عهدين في حياة الإسبان الثقافية: أولهما سابق لفترة الفتح، ولم يكن فيه للأمة الإسبانية شيء يصح أن يطلق عليه اسم «الآداب الإسبانية» ولا سيما الآداب المقروءة أو الآداب التي أطلق عليها بعد ذلك اسم الفنون المهذبة
، والآخر لاحق بالدولة العربية تنسب إليه آثار النظم والنثر والرواية المسرحية والكتابة المهذبة، ويعتبر - على ما تقدم - أول مرحلة في تاريخ أمة موحدة تسمى بالأمة الإسبانية، فلم يكن لهذه الأمة قبل فتح العرب لغة عامة تتسع للتأليف والدراسة والآثار الفنية، وكانت لغة الكلام فيها موزعة بين لهجة قسطيل ولهجة الباسك ولهجات الأقاليم المتفرقة التي لم تبلغ قط أن تكون أداة ثقافة قومية. وقد دخلت اللاتينية إلى بلاد الإسبان بعد فتح الرومان، فتعلمها الخاصة ورجال الحكم، وسرت من ألسنة الجنود بلهجاتهم الدارجة إلى زوجاتهم وأولادهم، فامتزجت بتعبيرات العامة في كل لهجة من لهجات البلاد، وتولدت منها لغة هجينة لا هي باللاتينية ولا بالإسبانية، وظل الإسبان المتعلمون يرتضخون من اللاتينية الفصحى أسلوبا يتميزون به بين كتابها والناطقين بها يتندر به فصحاء اللاتين، فيصفه شيشرون باللوثة أو الجلافة
Aliquid
، ويسخرون منه كما يسخر أهل الحاضرة اليوم بمن يحاكيهم من أبناء الريف.
وجاء الفتح العربي في إبان الدور الذي بدأ فيه تطور اللغة الإسبانية، ووجدت فيه الثقافة التي يمكن أن تودع اللغة المكتوبة، وتنقل إليها المؤلفات التي كانت مقصورة على اللاتينية، وكلها من كتب الدين وما إليها، وقد تم هذا التطور كله بعد شيوع الثقافة العربية وسريان البحث فيها والاطلاع عليها بين طبقة المتعلمين وصفوة العلية من المرشحين لمناصب الحكم والرياسة. وليس أدل على مدى هذا الشيوع من أقوال الراضين عنه والمتبرمين به على السواء، ويكفي في مقامنا هذا أن ننقل منه رسالة الكاتب الإسباني الفارو التي أوردها (دوزي) في كتابه عن الإسلام الأندلسي حيث يقول: «إن أرباب الفطنة والذوق سحرهم رنين الأدب العربي، فاحتقروا اللاتينية وجعلوا يكتبون بلغة قاهريهم دون غيرها، وساء ذلك معاصرا كان على نصيب من النخوة الوطنية أوفى من نصيب معاصريه، فأسف لذلك مر الأسف، وكتب يقول: إن إخواني المسيحيين يعجبون بشعر العرب وأقاصيصهم، ويدرسون التصانيف التي كتبها الفلاسفة والفقهاء المسلمون، ولا يفعلون ذلك لإدحاضها والرد عليها بل لاقتباس الأسلوب العربي الفصيح، فأين اليوم من غير رجال الدين من يقرأ التفاسير الدينية للتوراة والإنجيل؟ وأين اليوم من يقرأ الأناجيل وصحف الرسل والأنبياء؟ وا أسفاه! إن الجيل الناشئ من المسيحيين الأذكياء لا يحسنون أدبا أو لغة غير الأدب العربي واللغة العربية، وأنهم ليلتهمون كتب العرب ويجمعون منها المكتبات الكبيرة بأغلى الأثمان، ويترنمون في كل مكان بالثناء على الذخائر العربية، في حين يسمعون بالكتب المسيحية، فيأنفون من الإصغاء إليها محتجين بأنها شيء لا يستحق منهم مؤنة الالتفات، فيا للأسى! إن المسيحيين قد نسوا لغتهم، فلن تجد فيهم اليوم واحدا في كل ألف يكتب بها خطابا إلى صديق. أما لغة العرب فما أكثر الذين يحسنون التعبير بها على أحسن أسلوب! وقد ينظمون بها شعرا يفوق شعر العرب أنفسهم في الأناقة وصحة الأداء.»
ولقد كان شيوع التعليم بالعربية على هذا المدى الواسع سببا لإهمال اللاتينية والإغريقية، وخطوة لا بد منها لإحياء اللغات الشعبية وتداول الشعر والبلاغة والعلم من طريق غير طريق رجال الدين، ومن هذا الطريق سرت إلى لغة القوم أنماط النظم والتعبير، التي قال صاحب تلك الرسالة: إن متعلمي العربية كانوا يحتفلون بتجويدها احتفالا يفوقون به العرب أنفسهم في الأناقة وصحة الأداء.
ولا شك أن الثقافة الطارئة على البلاد كان لها أثرها الذي سرى إلى الأفكار والأذواق من طريق التأثير في مرافق المجتمع، وتبديل نظمه ومعاملاته، وتوزيع الأرزاق والمزايا الاجتماعية بين طوائفه وأفراده، وهو تأثير متشعب بعيد الغور صاحب تكوين الأمة الإسبانية في نشأتها الجديدة، فشوهدت له نتائجه في كل تغيير تتميز به الأمة الناشئة من أسلافها الأقدمين منذ خضوعهم للدولة الرومانية، وبعض هذا التغيير يتصل بالعقائد التي تركها الفاتحون لأهلها، وتركوها لوكلاء الكنيسة القائمين عليها.
Bog aan la aqoon