إن وجود بيت يسمح للمرء بتناول طعامه في خلوة، والطعام الذي يؤكل في خلوة لذيذ الطعم، ويعلم الإنسان الحكمة، بيت يتمتع بأمان لاستمرار القبول الاجتماعي. إنه مثل صورة العائلة، وفيها يرتدي الأب أفضل أربطة عنقه، وتعرض الأم أغلى جواهرها، شعر الأطفال ممشط جيدا بماء الكولونيا الحقيقي. أما الطريق فمن الناحية الأخرى، فهو عالم غير مستقر، خطر، مليء بالمغامرات، زائف كالمرآة، وهو المغسلة العامة لجميع ملابس الحي القذرة.
كم من مرات عديدة لعبت على هذه العتبة وهي طفلة! كم من مرة أيضا، بينما كان والدها وعمها «خوان» يتحادثان في شئونهما قبل الانصراف، تلهت هي بالنظر من مكانها إلى أفاريز أسطح البيوت المجاورة، مستعرضة على السماء الزرقاء كأنها أعمدة فقرية مغطاة بالقشور. - ألم تسمعهم وقد ظهروا من تلك النافذة؟ أليس ذلك صحيحا؟ وأنهم لا يفتحون الباب ... أو أننا قد أخطأنا المنزل ... سيكون هذا غريبا!
وتركت المطرقة ونزلت من على الإفريز لترى واجهة المنزل. كلا، لم يخطئا المنزل. إنه منزل عمها «خوان». كانت ثمة لوحة نحاسية على الباب مكتوب عليها: «خوان كاناليس، مهندس معماري». وتغضن وجهها كالطفلة الصغيرة ثم انفجرت باكية. وجرت دموعها على خديها كالجياد العاديات، وفجرت معها من بين ثنايا الذهن الداخلية تلك الفكرة السوداء بأن ذا الوجه الملائكي قد صدق القول حين خرجا من حانة «الخطوتان». ولم تكن راغبة في تصديق ذلك حتى ولو كان صحيحا.
وكانت الشوارع مغلفة بالضباب، ضباب يعبق بالخضرة الناضرة ويزخرف المنازل بلون أخضر شاحب. - تعال معي من فضلك لرؤية أعمامي الآخرين. سنذهب أولا لعمي «لويس»، إذا سمحت. - كل ما تأمرين به، إذن هيا بنا ... إنهم لا يريدونني هنا.
وكانت الدموع تهطل من عينيها كالمطر.
وانطلقا. ومع كل خطوة كانت تلتفت وراءها - فلم يكن بمستطاعها أن تقطع الأمل في أن يفتحوا لها الباب في آخر لحظة. وسار ذو الوجه الملائكي في صمت كئيب. إنه سيذهب لمقابلة السيد «خوان كاناليس» مرة أخرى، فمن غير الممكن التغاضي عن مثل هذا السلوك. كان نباح الكلب لا يزال يسمع، وينحسر عن الآذان مع كل خطوة. وسرعان ما غاب هذا العزاء الأخير، ذلك أن الكلب هو الآخر لم يعد يسمع له صوت. وأمام دار سك النقود، صادفا ساعي بريد مخمورا، يلقي بالخطابات في الطريق وهو يسير كالماشي في نومه. كان لا يكاد يقوى على الوقوف. وكان بين آونة وأخر يرفع ذراعيه في الهواء وينفجر في القوقأة كالدجاجة؛ إذ يناضل كيما يخلص أزرار سترته الرسمية من سيل اللعاب الذي كان يطفو من فمه. وأخذت كميلة وذو الوجه الملائكي، مدفوعين بنفس الفكرة، في التقاط الخطابات ودسها في حقيبة الرجل المخمور، محذرينه من عدم إلقائها مرة أخرى.
وتمتم الرجل في عناية وهو يستند إلى جدار دار السك: شك ... را لكما، شك ... را جز ... يلا!
وحين عادت جميع الخطابات إلى حقيبته، وابتعدت كميلة وذو الوجه الملائكي عنه، سار مرة أخرى، يغني:
للصعود إلى السماء،
يحتاج الأمر،
Bog aan la aqoon