وولى الخليفة بدله خازنا لبيت المال المدعو «نور واد إبرهيم»، الذي كان جده «تكروري»، وعلى ذلك هو ليس من القبائل النازلة على ضفاف النيل، ولكنه نال ثقة الخليفة ورضاءه.
وأما بالنسبة لشخصي، فقد تغيرت نظرات الخليفة إلي وداخله الشك من جهتي، ووصل رد خطابي الأخير الذي أرسلته إلى أهلي غير مشتمل على شيء سوى الاغتباط لانتظام المراسلات بيني وبينهم. وكتبوا في الوقت نفسه إلى الخليفة يشكرونه على عنايته وعلى الدعوة التي وجهها إليهم بطلب الحضور إلى أم درمان.
واعتذر أخي الأكبر عن عدم إمكانه الحضور بأن حالته لا تساعده؛ لأنه يشغل وظيفة كبير أمناء جلالة إمبراطور النمسا، واعتذر الآخر بأن وقته وهو ضابط في الطوبجية لا يسمح له بالقيام برحلة طويلة كهذه.
ولما طلبني الخليفة إلى حضرته أمرني بترجمة تلك الخطابات، ثم قال لي: «كانت رغبتي في أن تطلب إلى واحد من إخوتك أن يحضر، وبما أنهما يعتذران الآن بأعذار لا أقبلها، فيتحتم عليك ألا تكتب إليهما بعد الآن، فإذا أرسلت خطابا واحدا إليهما فإن ذلك يكفي للقضاء على هدوئك وسكينتك، أفهمت؟» فأجبته: «نعم يا مولاي، أوامرك مطاعة، وإني لا أجد داعيا للكتابة إليهما.» فقال لي: «أين الإنجيل الذي أرسل إليك؟» فأجبته: «إني مسلم يا مولاي وليس لدي إنجيل بالمنزل، وإنما الذي أمتلكه هو ترجمة القرآن الكريم الذي رآه كاتم سرك لما فتحنا الصناديق سويا.» فأمرني بأن أحضره إليه في صباح الغد وأشار إلي بالانصراف.
وتيقنت بعد هذه المقابلة أن ثقة الخليفة بي زالت، وعلمت أيضا أنه بعد هزيمة ابن النجومي أخذ يسر إلى قضاته أن ثقته في تغيرت.
وكنت في هذا الوقت قد صرفت المبلغ الذي وصل إلي من أهلي، وجله منحته هبات إلى زملائي الذين أخذوا يدسون لي الدسائس الآن لما علموا أنني أصبحت لا أملك شيئا، وهم الذين قالوا للخليفة إن الكتاب الذي عندي هو الإنجيل.
وفي صباح اليوم التالي توجهت إليه ومعي الكتاب وسلمته إليه، وهو من ترجمه العلامة «ألمان» ففحصه جيدا.
وقال لي: «أنت تقول إن هذا الكتاب ترجمة القرآن وهو مكتوب بلغة الذين ليس عندهم عقيدة دينية، إنهم ربما يكونون قد أخطأوا في ترجمته.» فأجبته بكل هدوء وسكينة: «إنه يا سيدي ترجمة حرفية، والغرض منه هو أن أتمكن من فهم الكتاب المقدس الذي نزل من عند الله - سبحانه وتعالى - على يد الرسول باللغة العربية، وإن شئت أن تتأكد من صحة ترجمته الحرفية.» فأجابني قائلا: «إني أعتقد فيك الصدق، ولكن الناس هم الذين قالوا ذلك القول، فيحسن بك والحالة هذه أن تحرقه.» ولما أظهرت له الموافقة على طلبه قال لي: «ويجب أيضا أن ترد الهدية التي بعث بها إخوتك لي؛ لأنه لا فائدة لها عندي، وليعرفوا أن الأشياء الدنيوية لا قيمة لها في نظري.»
ثم أمر كاتم سره بأن يكتب خطابا باسمي إلى أهلي يخبرهم فيه بأن لا داعي بعد الآن إلى مكاتبتي، فوقعته بإمضائي وأرسلته مع الهدية إلى بيت المال ليرسلا من هناك إلى سواكن كالمعتاد.
ومن هذا اليوم أصبحت شديد الحرص. وبعد موت عدلان استدعاني الخليفة مرة أخرى بحضور ضباطه، وأخذ يقول لي إنه يعلم أني جاسوس وتجب مراقبتي بكل دقة ومراقبة الذين يحضرون لزيارتي، وجلهم من أعدائه، ويجب علي أن أعلمه بمحل نومي في منزلي، وأن أغير خطتي التي أنا متبعها وإلا لحقت بعدلان!
Bog aan la aqoon