Sacd Fi Noloshiisa Khaaska ah
سعد في حياته الخاصة
Noocyada
ولما وصل سعد باشا والأستاذ مكرم إلى «ماهي» عاصمة جزائر سيشل، هرع سكانها لمشاهدتهما، وكانوا يحيون سعد باشا باحترام وإكبار لما سمعوه عن اسمه ومقامه بين قومه، فكان يرد لهم التحية باسما شاكرا، وبعدما قابلا الحاكم أبلغا أنهما سيقطنان في دار اختيرت لإقامتهما على ربوة تبعد عن البلد نفسها مسافة غير قصيرة، فأعرب سعد باشا عن رغبته في مشاهدتهما، فحملوه إليها بمركبة صغيرة يجرها رجل من الوطنيين بيديه، وحملوا الأستاذ مكرم بمركبة مثلها، فلما وصل الرئيس إلى الدار وتفقد نظامها، قال إنها تبعد عن قلب البلد مسافة عظيمة، وإنه لو احتاج إلى طبيب أو إلى دواء لفاضت روحه قبل أن يصل إليه الطبيب أو الدواء، وبعد أخذ ورد طويلين اقتنعوا بعدالة طلبه، فأسكنوه مع الأستاذ مكرم في دار قاض كان غائبا بالإجازة.
وبعد أيام نقلوهما إلى جزيرة «ليلونج»، وهي تقوم على مقربة من «ماهي»، فسر سعد باشا بهذا الانتقال؛ لأن المناظر الطبيعية فيها كانت تأخذ بمجامع القلوب، وقد أعد لسكنه دار فسيحة تحيط بها حدائق غناء. فلما استقر بهما المقام فيها، جعل سعد باشا يقول للأستاذ مكرم إن المرء يتمنى لو يتاح له أن يعيش مدة طويلة منعزلا عن الناس وعن ضوضاء المدن في مثل هذه الجنة الفيحاء، وكان دولته يعتقد وهو يقول هذا القول أنه لن يعود إلى مصر حيا، وإلا فما الغاية من نفيه في تلك الجزائر البعيدة النائية بعدما كان معتقلا في عدن، ثم يعود فيقول: «إن الأمر موقوف على ثبات الأمة، ولي فيها عظيم الثقة.»
وكان الرئيس الجليل يمضي أوقاته في سيشل بالتريض والتنزه تارة، ويتجاذب أطراف الحديث مع الأستاذ مكرم تارة أخرى، وكانت أحاديثهما تتناول جميع الموضوعات الفلسفية والاجتماعية والأدبية، علاوة على البحث في جميع المراحل السياسية التي اجتازتها القضية الوطنية، وقد قص سعد باشا على الأستاذ مكرم في أثنائها علاقته بالثورة العرابية وببعض الحوادث التي حدثت عند إنشاء الجمعية التشريعية، ولما اكتشف دولته أن الله حبا الأستاذ مكرم بصوت شجي، كان يلح عليه بأن يسليه بإنشاد بعض القصائد المشهورة، ويقول الأستاذ مكرم إنه كان للفقيد ولع خاص بأشعار سامي البارودي باشا.
ثم خطر لسعد باشا أن يتعلم اللغة الإنجليزية على يد الأستاذ مكرم، فعكف على تلقينه أصولها ومبادئها بأسهل الطرق وأقربها إلى الفهم، فأظهر (رحمه الله) عبقرية مدهشة في تفهم عباراتها واستيعاب ألفاظها، ومما تحسن الإشارة إليه هنا أنه كان يدرس الإنجليزية في الكتاب الذي وضعه المستر مكدونلد رئيس الوزارة البريطانية الحالية عن «الاشتراكية». وكان من عادته إذا قرأ كلمة إنجليزية تشابه بنطقها كلمة فرنسية يعرفها، يطلب من الأستاذ مكرم أن يفسرها له، فإذا جاء تفسيرها مخالفا لتفسير الكلمة الفرنسية يقول له: «أنت مخطئ»، ثم يكب على مناقشته فيها بما اشتهر به من حب الجدل والمناقشة، وأخيرا فكر الأستاذ مكرم في حل لطيف لهذه الحالة، فطلب من الرئيس الجليل أن يدونا الكلمات المختلف عليها على ورقة مستقلة، ويحتكما في تفسيرها إلى شخص يعرف اللغة الإنجليزية غيرهما.
وبعد أيام أبلغ سعد باشا أن صحبه الذين تركهم في عدن سيلحقون به، وفي اليوم المحدد لوصولهم انتقل دولته مع الأستاذ مكرم إلى جزيرة «ماهي» لاستقبالهم، ولما رآهم نازلين من الباخرة التي أقلتهم إليها، انهمرت الدموع من عينيه وقال: «إن الله سبحانه وتعالى لم يشأ أن أفارق هذه الحياة وأنا بعيد عن أولادي»، فدعوا له بطول العمر، وكان سرور الجميع باجتماع الشمل يفوق الوصف.
وكان أول ما فعله سعد باشا بعد ذلك أن سأل عاطف بركات باشا عن الكلمات التي اختلف مع الأستاذ مكرم على تفسيرها، فجاء شرح عاطف باشا مطابقا لشرح الأستاذ مكرم فضحك سعد باشا واقتنع.
وكانت السلطات المحلية قد استعدت لإيواء النزلاء الجدد، فأعدت لسعد باشا وللأستاذ مكرم دارا تسعهما مع خدمهما، وأعدت للنحاس باشا وفتح الله بركات باشا وعاطف بركات باشا وسينوت حنا بك دارا أخرى على مقربة من الدار الأولى، ولكن الجميع كانوا يتناولون طعام الغداء والعشاء على مائدة سعد باشا ليتسلى بوجودهم حوله، ثم انتقل دولته والنحاس باشا والأستاذ مكرم وسينوت بك إلى دار فخمة تقع فوق ربوة جميلة قدمها لهم وجيه مسلم عاد إلى الجزيرة بعد غياب طويل عنها، وظل فتح الله باشا وعاطف باشا يقيمان في الدار الأصلية، ولكنهما كانا يصعدان إلى قمة الربوة عند حلول ساعة الأكل لينضما إلى إخوانهما حول مائدة سعد باشا، ولما استقر قرار ولاة الأمور البريطانيين على نقل الرئيس الجليل من سيشل إلى جبل طارق، أخذ معه صورتهم الفوتوغرافية، وتروي أم المصريين أنها لما لحقت به هناك كانت تراه كل يوم يضم تلك الصورة إلى قلبه وهو يقول: «هؤلاء هم أولادي، فليحرسهم الله بعنايته.» (7) سعد وحياته في سيشل وجبل طارق
5
كان الرئيس يستيقظ من نومه مبكرا جدا، حوالي الساعة الخامسة والنصف أو السادسة، وبعد أن يغسل وجهه ويرتدي ثيابه، يجلس خارج غرفته بالبلكون يطالع درسه الإنجليزي، وكان يهتم به كثيرا جدا، حتى بلغ الأمر منه أنه كان يجلس الساعات الطوال يطالع تلك اللغة بمساعدة مكرم بك، وبلغ من مغالاته في الانهماك بها أن كان يقرؤها حتى في فراشه وإبان ساعات نومه، ولم تقل ساعات مذاكرته يوما عن ست ساعات على أقل تقدير، حتى إن أصحابه كثيرا ما أظهروا عدم ارتياحهم إلى إنهاك قواه العقلية بهذا الشكل، وأنحوا باللائمة كثيرا على الأستاذ مكرم الذي كان يقوم بتدريسها له، وكان يدرسها في بعض الأحيان أيضا على عاطف بركات باشا، ولكنه كان يفضل درسها على الأستاذ مكرم، وكنت أساعده دائما في تفهم معانيها ومخاطبته بها وتمرينه عليها، وكان الأستاذ مكرم يدعوني لذلك أحيانا «مساعد معلم الرئيس» على سبيل المزاح.
قلت إنه كان يجلس كل يوم في الصباح بالبلكون بعد أن يرتدي ثيابه يطالع كتابا في الإنجليزية إلى أن يحين موعد الفطور، وفي كثير من الأحيان كان يستيقظ عاطف باشا مبكرا أيضا ويجلس بإزاء الرئيس لمطالعة الدرس الإنجليزي، وفي الساعة الثامنة يكون أول الداخلين إلى غرفة المائدة مع عاطف باشا، ثم يتبعهما بعد ذلك النحاس باشا وفتح الله باشا وسينوت بك، فالأستاذ مكرم الذي كثيرا ما يكون هو الأخير في الحضور إلى المائدة .
Bog aan la aqoon