Saacadaha u Dhaxeeya Buugaagta
ساعات بين الكتب
Noocyada
فما نرجحه ونكاد نؤكده أننا الآن أهيب للآلام الجسدية والنفسية، وأضعف منه على الأذى من أجدادنا الأولين، وقد يظهر لهذا الخلق فينا جانبه الحسن كما يظهر لنا جانبه القبيح، فنحن لا نطيق اليوم أن نرى مسجونا يجلد أو أسيرا يلقى بين براثن السباع، ونحن لا نستحسن تلك المشاهد الدموية التي كان يستحسنها الأقدمون، لو أنها عرضت علينا كما كانت تعرض عليهم. هذا جانب حسن في ذلك الخلق الذي أومأنا إليه، فأما الجانب السيئ، فهو أننا لا نطيق الصبر على مكاره الحياة، ولا نحجم عن نبذها على وتيرة أبناء العصور الماضية، مع أنهم كانوا ينبذونها مبجلين غير ملومين، ونحن لا ننبذها إلا مهانين أو معذورين. •••
وقد لاحظ المطران الفيلسوف «آنج» ذلك الخلق في فصل عقده على الدين بين القدماء والمعاصرين فعجب لغفلة أولئك - واليونان منهم على الخصوص - عن دمامة المناظر القاسية التي كانوا يتلهون بها، ويخفون إليها على ما في فطرتهم من حسن الذوق وحب الجمال، وحسبنا أننا قد ترقينا عليهم في ذوق الجمال الأدبي، وإن كنا لا نبذهم في أذواق الجمال الحسية، وما تتراءى فيه من مبدعات الفنون، وقال: «من المحقق أن مقتنا لهذه المناظر يصدر عن أسباب ذوقية أكثر من صدوره عن الأسباب الخلقية، وأذكر أنني ذهبت قبل سنوات عدة إلى رواية حمقاء موضوعها روما القديمة، عرضت في ليلتها الأولى فجيء فيها بمسيحي من صدر المسيحية ليعذب على المسرح عذابا هينا، فما هو إلا أن سقطت عليه ضربة السوط الأولى حتى وثب جيراني صارخين: يا للعار! يا للفضيحة! دعونا من هذا! فاضطرت الفرقة إلى إلغاء المنظر في الليالي التالية، وحدث أن العمال في بعض المصانع عطلوا المصنع كله ساعة؛ لأنهم سمعوا بين العدد هرة تموت فلما أنقذوها بشق النفس خنقوها! وإنني أترك تفسير هذا الإحساس المفرط لجماعة النفسيين، ولكنني على يقين أننا هنا حيال تطور في إحساس الجمال.»
إن هذا الذي يحسبه المطران «آنج» تطورا في إحساس الجمال، لا نحسبه نحن إلا مظهرا لضعف الاحتمال الذي فشا في العصر الحديث بين سكان الحواضر وبيئات الصناعة والضوضاء، والمطران الحكيم يلاحظ العلاقة بين فرط الإحساس وانتشار الصناعة، ولكنه لا يريد أن يجعل لهذه أثرا في إضعاف الاحتمال ونهك الأعصاب، فنحن لا نظلمها إذا ردننا إليها بعض الأثر، وضفنا إليها أثرا آخر من شيوع المخدرات وكثرة تكاليف الحياة، وسرعة أعمالها واشتداد زحامها، ولا نخالنا أرفع من اليونان ذوقا في الجمال الأدبي؛ لأنهم يجلدون الجواري الضعيفات ونحن نشفق من جلد الحيوان الأعجم! فإنما سبب ذلك فيما نعتقد أن الألم البدني لم يكن له رهبة على نفوس اليونان كرهبته علينا نحن في هذا الزمان، فلقد كانوا يزاولون الصراع، ويجرحون ويجرحون في الميدان، ويرون الصبر على الألم بعض مستلزمات البطولة وجمال الجسد وصحة الأعضاء، أما اليوم فقد أصبحت البطولة عندنا بطولة رصاصة تطلق من بعيد ولا تريك من شناعة قتيلها بعض ما تراه في ميدان الحرب بالسيوف والرماح، وما أخلق الرجل الذي تعود أن يغمد سيفه في لحم رجل مثله، وأن يفخر بهذه الشجاعة وهذه المهارة في تقليب السلاح، ألا يحس من هيبة الألم الجسدي ما يحسه مطلق الرصاصة وراء الخنادق والأسوار!
فداؤنا الحديث - داء الانتحار وداء كل عجز ونكوص - هو أننا نهاب ألم الجسد، ولا نصبر على عنت البلوى وتبريح العذاب. هذا هو الداء فما هو الدواء؟ الدواء كما يقول الأطباء من جرثومة الداء: رياضة على المشقة واليأس، وصراع بالأيدي وجلاد بالسيوف، ثم تخفيف لوطأة الزحام تشترك فيه حكمة الحكماء وسلطان المشترعين.
كتاب مصري بالإنجليزية1
للشرقيين ملكة في تعلم اللغات لا يضارعهم فيها الغربيون، وحسبك أن تصغي إلى فرنسي يتكلم الإنجليزية، أو إنجليزي يتكلم الفرنسية، أو ألماني يتكلم هذه أو تلك، لتعلم أن القوم لا يعرف أحدهم من لغة غيره إلا هيكلها العظمي، وتعريفاتها النحوية والصرفية وألفاظها كما ينطقها هو بلسانه لا كما ينطقها أبناء اللغة التي يتكلمها، ثم إنك لتصغي إلى شرقي ينطق بإحدى هذه اللغات فيلتبس عليك الأمر، ويخيل إليك أن تصغي إلى واحد من أبناء تلك اللغة في نبرة الصوت، ولهجة الأداء، وأسلوب الحديث، إلا شيئا من الفوارق الطبيعية تلحظه في بعض الأحيان ولا حيلة فيه للتعليم والتلقين.
وقد يخطئ الشرقي الجاهل إتقان اللغة نحوا وصرفا وأسلوبا، كما يتقنها الشرقي المتعلم، ولكنه يحفظ من كلماتها وتعبيراتها ما يلتقطه لأول سماع فيفهم ويفهم بعدة لغات لم يذهب إلى بلادها، ولم تتعد ممارسته لها أن يستمع إلى السائحين الذين يحضرون في بعض فصول السنة إلى هذه البلاد. وبين تراجمة الأهرام، والأقصر، وأسوان، من تعلم على هذه الطريقة ثلاث لغات أو أربعا بغير مشقة وفي زمن وجيز فحذقها كأحسن ما يمكن أن تحذق اللغات على هذا الأسلوب، وربما كان من أسباب هذه البراعة اللغوية عند الشرقيين أنهم قديمو العهد بالعلاقات الأجنبية منذ ألوف السنين في إبان صولتهم الغابرة ومجدهم التليد، فقد كان في هذا الشرق القريب أمم شتى يرحل بعضهم إلى ديار بعض، ويرحلون جميعا إلى ديار الغرب يوم كان الغربيون في عزلة الجهل والبداوة، يكاد أحدهم لا يتخطى أرض وطنه أو يخاطب غير أهله، وكانت علاقات السياحة والتجارة والاستعمار أقدم في الأمم الشرقية وأطول أمدا من علاقات الغربيين في الزمن الأخير، وبين الأسباب التي تعلل بها ملكة اللغات عند الشرقيين أنهم أسرع عطفا، وأقرب مودة وامتزاجا، في عهديهم القديم والحديث، ولا يخفى أن التفاهم إنما يسري في النفي مع سريان العطف والمودة، وأن الطفل الصغير إنما يتعلم محصوله في اللغة ممن يأنس بهم ويحب الاستماع إليهم، وكلما عظم الأنس وارتفعت الوحشة، كان حظه من التعلم أوفى ورغبته فيه أصح وأكمل، ولولا ذلك لحال النفور بينه وبين الإتقان وسهولة الفهم والإفهام.
على أننا نلاحظ غير هذا وذاك أن للألفاظ عند الشرقيين شيئا أكبر من شأنها عند الغربيين، وأن حروفنا أكثر من حروفهم، وألسنتنا أقدر على النطق بمخارج الحروف الصعبة من ألسنتهم، فالحاء والخاء والضاد والعين والغين والقاف من أصعب الحروف على الغربيين، ولكنها حروف دارجة في لغات الشرق القريب يلفظها الطفل الذي اكتملت أداة نطقه بغير عناء، ولا يفلح الغربي في النطق بها إلا بعد العناء الطويل، ولسنا نقول: إن الفرق هنا بيننا وبين الغربيين تفاوت في الطبيعة واستعداد الفطرة، ولكنه على الأقل فرق قديم في العادة والمرانة يقرب من التفاوت المطبوع. •••
نكتب هذا وبين أيدينا كتاب حديث ألفه مصري باللغة الإنجليزية، فأجاد فيه العبارة وأوفى على غاية من الحذق في اللغة قل أن يتجاوزها جمهرة الأدباء الإنجليز في هذا الزمان، فأما الكتاب فعنوانه: «سرنديب أرض السحر الخالد»، وأما المؤلف فهو الأستاذ علي فؤاد طلبة مترجم اللغة الإنجليزية بالقصر الملكي، ولم نقرأ هذا الكتاب كله، ولعلنا لا نأتي عليه يوما، ولكننا نقول: إن الشذرات التي ألممنا بها هنا وهناك، ألمستنا مكان السحر في نفس المؤلف واقتربت بنا من السحر في أرض سرنديب، ودلتنا على نصيب صاحبنا من اللغة التي اختارها لتأليف كتابه.
يقولون: إن الوطن أرض وسماء وهواء، ويقول آخرون إن الوطن تراث قديم ووشائج روحية تنغرس في الطباع، ويتوارثها الأبناء عن الآباء، وقد حل لنا الأستاذ طلبة عقدة هذا الخلاف بحبه لمصر وحبه لسرنديب، ورأيه في موطن البلاد وموطن الأواصر الروحية والتراث القديم، فما جزيرة سرنديب وما سحرها الخالد أو الزائل في رأي الألوف والملايين الذين يعيشون على أرجاء الأرض تحت هذه السماء! أقول لك الحق: إن الكثيرين ليستكثرون على الجزيرة كتابا كبيرا كالكتاب الذي أفرغه المؤلف لها ولنوادره في بلادها، وإنهم قلما يفقدونها على «الخريطة» إذا هي زالت من مكانها عليها! ولكن سل المؤلف ما هي سرنديب وما سحر سرنديب؟! تسمع منه ما يوحي إليك أن سرنديب هذه بقعة مقصودة بتدبير وعناية في رسم بناء الكون لا تتم الكرة الأرضية بغيرها، ولا تنوب عنها بقعة بين الأرض والسماء إذا هي احتجبت من مكانها، ولم ذاك؟! لأنه ولد فيها فكان لها ذلك السحر وتلك القداسة، ورجحت على سائر بلدان العالمين، وهكذا تنشأ قداسات الأوطان، والأديان، والمبادئ، والعواطف، في طبائعنا نحن الذين نحسب هذه الطبائع أصدق حكم على هذا الوجود. •••
Bog aan la aqoon