Message of Harmony Among Muslims
رسالة الألفة بين المسلمين
Tifaftire
عبد الفتاح أبو غدة
Daabacaha
دار البشائر الإسلامية
Lambarka Daabacaadda
الأولى
Sanadka Daabacaadda
1417 AH
Goobta Daabacaadda
حلب
رِسَالَةُ الأُلْفَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ
وَفِيهَا
أَمْرُ الإِسْلَامِ بِالتَّوَحُّدِ وَالائْتِلَافِ
وَحَظْرُ التَّنَازُعِ وَالتَّفَرُّقِ عِنْدَ الاخْتِلافِ
مِنْ كَلامِ
شَيْخِ الإِسْلَامِ الحَافِظِ الإِمَامِ أَحْمَد بْن تَيْمِيَّة الحَرَّانِي الدِّمَشْقِي
وَيَلِيهَا
رِسَالَةٌ فِي الإِمَامَةِ
فِي جَوَازِ الاقْتِدَاءِ بِالْمُخَالِفِ فِي الفُرُوعِ
تَأْلِيفُ
الإِمَامِ المُجْتَهِدِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَلِيِّ بْنِ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيِّ الظَّاهِرِيِّ
اعْتَنَى بِهِمَا
عَبْدُ الفَتَّاحِ أَبُو غُدَّة
1
حُقُوقُ الطَّبْعِ مَحْفُوظَةٌ
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤١٧ هـ - ١٩٩٦م
قَامَتْ بِطِبَاعَتِهِ وَإِخْرَاجِهِ دَارُ الْبَشَائِرِ الإِسْلَامِيَّةِ لِلطِّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتَّوْزِيعِ
بَيْرُوت - لُبْنَان - ص.ب: ٥٩٥٥-١٤
2
رِسَالَةُ الألفة بَيْنَ المُسْلِمِينَ
وَفِيهَا
أَمْرُ الإِسْلَامِ بِالتَّوَحُّدِ وَالائْتِلَافِ
وَحَظْرُ التَّنَازُعِ وَالتَّفَرُّقِ عِنْدَ الاخْتِلافِ
مِنْ كَلَامِ
شَيْخِ الإِسْلَامِ الحَافِظِ الإِمَامِ أَحْمَد بْن تَيْمِيَّة الحَرَّانِي الدِّمَشْقِيّ
المَوْلُودُ سَنَة ٦٦١ وَالمُتَوَفَّى سَنَة ٧٢٨ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى
اعْتَنَى بِهَا
عَبْدُ الفَتَّاحِ أَبُو غُدَّة
النَّاشِر
مَكْتَب المَطْبُوعَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ بِحَلَبَ
3
4
التقدمة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ لله الذي بَعَثَ نبيَّنا محمداً صلَّى الله عليه وسلَّم بالملة الحَنِيفية السَّمْحَة السَّهْلَة البيضاء، وجَعَل في كلِّ سَلَفٍ من أمته من يُعلِّم الخَلَفَ أحكامَ الشريعة الغَرَّاء، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا ونبيِّنا محمد الذي أرشَدَ إلى المُؤاخاة والمحبّة وحَذَّرَ من البغضاءِ والشحناء، وعلى آله وصحبه وتابعيهم الذين حافظُوا على الأخوة والألفة حتى حين اختلافهم في الأفكار والآراء.
أما بعد فإن الأمة الإسلامية أحوجُ ما تكون إلى التوحُّد والاتفاق في هذه الأزمنةِ العَصِيبَةِ، التي تَتَابَعَ فيها على المسلمين هُجُومُ الأعداء من كلِّ جانب، استغلالاً منهم تفرّق أبناء الإِسلام، وتشتُّتَهم وضَعفَهم، والتي ابتُلي فيها المسلمون بِحَمَلات الكفر والزندَقَة والإلحاد، حتى كادت أن تَستأصِلَ شَأْفَتَهم في كثيرٍ من البلدان.
وبدَل أن تَستيقظ الأمةُ لأخذ حِذْرِها، وتوجُّهِها إلى الاجتماع والائتلاف والتوحُّد والاتفاق: نَبَتَتْ فيها نابتةٌ في هذا العصر الأفْحَم، يَرَوْن أنفسَهم أهلَ الحق في كلّ شيء، ويَرَون غيرهم - فيما لا يُوافِقونهم عليه - ليسوا على شيء، واتَّسَع لديها الخَرْقُ فبدَّعَتْ وضلَّلَتْ، وكفَّرتْ وأخرجَتْ من الملة كثيراً من المسلمين، واعتقدَتْهم أهلَ ضلال، وباطلٍ وفسادٍ وخَبَال.
فبَحَثَتْ بشدّةٍ وعُتْفٍ عما يُفَرِّقُ الأمةَ ولا يُجمِّعُها، ويُمزّقُها ولا يُوحِّدُها،
5
ورأَتْ ذلك أصلاً من أصول الدين، وحَكَّمَت أنفسَها بمركَز الصَّدارة والجَدَارة، والقِيادة والسِّيادةِ في سائرِ المسلمين، حتى نَفَر منها البعيدُ والقريبُ، والعدوُّ والصديقُ، وصارَتْ كالشوكةِ في العينِ لا يَقِرُّ لها قرارٌ دون أن تبحث في كلِّ جماعةٍ أو مَجْمَعِ إسلامي، فَتُشَهِّر به وتَقْدَح، وتَقْبَلَ فيه الشائعاتِ والأكاذيبِ.
كيدُ الكفار والمشركين لتمزيق
صفوف المسلمين وإنزالِ الشَّلَلِ بهم
ولا أشكُّ أبداً أن يداً بل أيادِيَ خفيَّةً مَلْساء ناعمة، وعقولاً حاذقةً كائدةً ماكرةً: مُندَسَّةٌ بلُطفٍ وخُبثٍ وإحكام في صُفوفِ المسلمين، على اختلافِ أنسابِهم وعُروقِهِم، وقَبَائِلهم وشُعوبِهم، وبلادِهم، وعلى اختلاف أصنافهم، مندَسَّةٌ في كلِّ صَفٍّ بأعمَقِ الانسجام فيه، وبما يُلائمُه ويَتَقبَّلُه بأحسنِ القبول، وتُتْقِنُ التقطيعَ في أَواصِرِ الأُخُوَّةِ في الإِخْوَةِ، وتَبْذُرُ في القلوب بُدُورَ التمُّقِ والشّقاق، وقد يكون بعضُ أفراد هؤلاء المُمزِّقين لصفوفِ الأمة بموضع القيادة والصدارةِ في صفِّه! فلا يُدرى به ولا يُقطَّنُ له، وهو قَصَّاب جَزَّار يَرتدي ثيابَ الغيرةِ على الإِسلام والمسلمين!.
وعلى المسلم العاقلِ أن ينظر إلى أعداء الإسلام على اختلاف مِلَلهم ونِحَلهم ومذاهبهم: قد اجتمعوا على مُحَارَبَة الإِسلام في مختلف البلدان، ولم تُفرِّق بينهم مَسَافات الخلافاتِ الداخليةِ أو الخارجيةِ في أن يتفقوا على حَرْبِهِ وتدميرِه، وتحويل أهلِهِ عنه، بكلِّ وسيلةٍ لديهم ظاهرةٍ أو خَفِيّةٍ.
والوسائلُ الخفيةُ عندهم لضَربِ الإِسلام أكثرُ وأقوى من الوسائلِ الظاهرةِ، فهم قد تآلفوا على الباطل، وتَعَاونوا على الإثم والعدوان، وتمزيقِ وحدةِ المسلمين، وزرع الخلاف والشِّقاق بينهم، وبَذْرِ الخصومةِ والتقاتُل فيهم، كلُّ عدوّ حَسَب طريقتِهِ وقدرتِهِ، ووسائلِه وإمكانِهِ، لا تستثني منهم أحداً، فواللَّهِ ليس لنا في أولئك الأعداء من صديقٍ ولا رفيقٍ، ولا مخلصٍ ولا شفيق ...
6
فها أنت تَراهم - ورأيتَهم في مَشَاهِدَ كثيرةٍ - تمالؤًا على عِداء المسلمين، وما تَنازعُوا في السكوتِ على اعتداء بعض الدُّوَلِ غيرِ المسلمةِ على بعض الدُّولِ المسلمة، فلديك (البُوسْنَة والهِرْسِك) و(الشِّيشان) و(أفغانستان) و(الصُّومال) وغيرُها، فقد اتفقوا أو تَوافَقُوا على إنزال الشَّلَلِ بالمسلمين عسكرياً، واقتصادياً، وثقَافِياً، واجتماعيّاً، وخُلُقِيّاً، وأَخَوِيّاً، وماليّاً وتَنْموياً، وما دأبوا يحتكرون ويجتذبون أصحاب العقول المبدعة من بلاد المسلمين.
اتَّفقوا وتوافقوا على كلِّ هذا أن يوقعوه في صفوف المسلمين وبلادِهم وأفكارِهم وأخلاقِهم، وهم لا تجمَعُهم عقيدةٌ صحيحة، ولا أخوَّةٌ إيمانية صادقة، ولا كتابٌ سماوي حق، ولا رسولٌ کریم یؤمنون به ويَتَِّعُونه بصِدقٍ، فَوَحَّد عِداؤهم للإسلام بينهم!
ونحن معشرَ المسلمين تَجمَعُنا العقيدةُ الواحدةُ الحقة، والكتابُ الربّاني الواحدُ العَظيم، والرسالةُ النبويةُ الهاديةُ الجامعةُ، ومع هذا كلُّه تَرَى فينا من يقوم بتصديع الأمة، وشقِّ عصا المسلمين، وتغذيه تفرقتهم، وتمزيق جماعتهم، وتوسيعِ الخلافِ والشُّقاق بينهم، وهو يظُنُّ بنفسِه أنه يَنصُر ديناً، ويَحْمي يقيناً، ويَنشُر شريعةً، ويَتْبَعُ سلفاً صالحاً، وهو في الحقيقةِ لهذه المعاني قاصِم، ولهذه الروابط مُمزّقٌ وحاسِم !.
اشتدادُ حِدَّة الاختلاف بين المُتعاصِرین وسببُ ذلك
وقال الأستاذ الفاضل عمر عُبَيد حسنة(١): ((لقد وَصَلتْ حِدَّةُ الاختلاف - بين المسلمين - إلى مرحلةٍ أصبح المشركُ معها يأمنُ على نفسه عند بعض الفِرق الإسلامية التي تَرَى أنها على الحق المحض، أكثرَ من المسلم المخالف لها بوجهة
(١) في تقديمه لكتاب ((أدب الاختلاف في الإسلام)) للدكتور طه فياض جابر العلواني ص ١١ - ١٣، الذي طُبع في سلسلة (كتاب الأمة) الصادر في قطر.
7
النظر والاجتهاد، حيث أصبح لا سبيلَ معها للخلاص من التصفية الجسدية إلا بإظهار صفة الشرك !!.
إنه الاختلافُ الذي يتطَوَّرُ ويتطوَّرُ، وتتعمَّقُ أخاديدُه، فيُسيطِرُ على الشخص ويتملَّكُ عليه حواسَّه إلى درجةٍ يَنسى معها المعاني الجامعةَ والصعيدَ المشتركَ الذي يَلتقي عليه المسلمون، ويَعدَم صاحبُهُ الإبصارَ إلا للمَوَاطِنِ التي تَخْتِلِفُ فيها وِجهاتُ النظر، وتغيبُ عنه أبجدياتُ الخُلُقَ الإِسلامي، فتَضطرِبُ الموازينُ، وينقلِب عنده الظني إلى قَطْعي، والمُتَشابِهُ إلى مُحْكَم، وخفيُّ الدلالة إلى واضح الدلالة، والعامّ إلى خاصِ، وتَسْتَهوي النفوسُ العليلةُ مواطنَ الخلاف، فتسقُطُ في هاويةٍ تكفيرِ المسلمين، وتفضيلٍ غيرهم من المشركين عليهم ...
وقد تنقلب الآراءُ الاجتهادية والمدارسُ الفقهية التي مَحَلُّها أهلُ النظر والاجتهاد، على أيدي المُقلِّدين والأَتْباع إلى ضرب من التحزُّبِ الفِكري، والتعصُّب السياسي، والتخريبِ الاجتماعي، تؤَوَّلُ على ضوئِهِ آيَاتُ القرآن وأحاديثُ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، فتُصبِحُ كلُّ آيةٍ أو حديثٍ لا تُوافِقُ هذا اللونَ من التحزُّبِ الفكري إما مُؤَوَّلةً أو منسوخةً، وقد يَشتذُّ التعصُّب ويشتَذُ فَتَعودُ إلينا مقولةُ الجاهلية: ((كذَّابُ ربيعةَ أفضَلُ من صادقٍ مُضَر ... )).
ولعل مَرَدَّ مُعظَم اختلافاتنا اليوم إلى عِوَجٍ في الفهم تُورِثُهُ عِلَل النفوس من الكِبْرِ والعُجْب بالرأي، والطوافِ حول الذات والافتتان بها، واعتقادِ أن الصوابَ والزَّعامةَ وبناءَ الكيانِ إنما يكون باتهام الآخرين بالحق والباطلِ، الأمرُ الذي قد يتطوَّر حتى يَصِل إلى الفجور في الخصومة والعياذُ بالله تعالى.
إننا قلما ننظُر إلى الداخل، لأن الانشغالَ بعيوب الناس، والتشهير بها والإسقاطَ عليها، لم يَدَع لنا فُرصة التأمُّلِ في بنائنا الداخلي، والأثرُ يقولُ: ((طُوبى لمن شَغَله عیبُه عن عيوب الناس».
8
لقد اختلف السلفُ الصالحُ رضوانُ الله تعالى عليهم، لكنَّ اختلافَهم في الرأي لم يكن سبباً لافتراقِهم، إنهم اختَلَفُوا لكنهم لم يتفرَّقُوا، لأن وحدةَ القلوب كانت أكبرَ من أن يَنالَ منها شيءٌ، إنهم تخلَّصُوا من العِلَلِ النَّفْسِية وإن أُصِيبَ بعضُهم بخطأ الجوارح، وكان الرجلُ الذي بَشَّرَ الرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم الصحابة بطَلْعَتِه عليهم وأخبرهم أنه من أهل الجنة، هو الذي استكْنَهُوا أمرَه وعَمَلَه فتبيَّنِ أنه لا ينام وفي قلبِهِ غِلٌّ على مسلم(١).
(١) روى الإمام أحمد في «مسنده» ٣: ١٦٦ بإسنادٍ رجاله ثقاتٌ، عن أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه قال: كُنَّا جُلوساً مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، فقال: يَطْلُعُ الآن عليكم رجل من أهل الجنة، فطَلَع رجلٌ من الأنصار، - كذا وقع هنا لفظ (من الأنصار)، والصوابُ أن الرجل المذكور مُهَاجِريٍّ، وهو سعدُ بن أبي وقّاص، كما أوسعتُه بياناً في كتابي «الرسولُ المعلّم صلَّى الله عليه وسلَّم وأساليبه في التعليم»، ص ١٨٠ - ١٨١ - تَتَطِفُ لحيتُه من وضوئِه، قد علَّق نعليه بيده الشّمال، فلما كان الغدُ قال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم مثلَ ذلك، فطَلَع ذلك الرجل مثلَ المرة الأولى، فلما كان اليومُ الثالث قال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم مثلَ مقالته أيضاً، فطَلَع ذلك الرجلُ على مِثْلِ حالِه الأول.
فلما قام النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم تَّبِعَه عبدُ الله بنُ عَمْرٍو - بنِ العاص -، فقال: إني لاحيتُ أبي - أي نازعتُه وخاصمتُه ـ، فأقسمتُ أني لا أدخُل عليه ثلاثاً، فإن رأيتَ أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلتَ؟ قال: نعم، قال أنس: فكان عبد الله يُحدّث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي، فلم يَرَهُ يقومُ من الليل شيئاً غير أنه إذا تعارّ - أي استيقظ - تقلّب على فراشه، وذكر اللَّهَ عزَّ وجلَّ وكَبَّرَ حتى صلاة الفجر، قال عبدُ الله: غير أني لم أسمعه يقولُ إلا خيراً، فلما مضت الثلاثُ الليالي وكدتُ أن أحتَقِّرَ عملَه، قلتُ: يا عبدَ الله - يُريد الرجلَ المُهَاجِرَّ-، لم يكن بيني وبين أبي غَضَبٌ ولا هجرة، ولكنْ سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلّم يقولُ لك ثلاث مرَّات: يطلُع عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة، فطَلَعتَ أنت الثلاثَ المرَّات، فأردتُ أن آوي إليك فأنظُر ما عملُك فأقتديّ بك، فلم أرك عَمِلتَ كبيرَ عملٍ، فما الذي بَلَغ بك ما قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم؟ !...
قال: ما هو إلا ما رأيتَ، فلما وَلّيتُ دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيتَ، غير أني لا أجدُ =
9
أحاديثُ شريفة في أهمية التوحّد والائتلاف
وأهميةُ التوحّد والاجتماع، والاتفاق والائتلاف، في الشرع الحنيف، أوضحُ من أن تُبَيَّن، ونصوصُ الكتابِ والسنَّةِ وأقاويلُ علماءِ السلف من الصحابة فمن بعدهم في الحثُّ على ذلك، والتحذيرِ عمَّا يُضادُّه من التفرُّق والتشَتُّت والشقاق والخِلاف: متضافرةٌ لا تأتي تحت الحصر.
١ - روى الإِمامُ مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه(١) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللَّه تعالى عنهما: أن رجلاً سأل رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أيُّ المسلمين خير؟ قال: من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: فيه جُمَلٌ من العلم، ففيه الحثُّ على الكفِّ عما يؤذِي المسلمين، بقول أو فعلٍ، بمُباشرةٍ أو سَببٍ، و - فيه الحثُّ على - الإمساكِ عن احتقارِهم، وفيه الحَثُّ على تألُّفِ قلوب المسلمين واجتماع كلمتِهم، واستجلاب ما يُحصِّلُ ذلك.
قال القاضي عياض: والألفة إحدى فرائضِ الدين وأركانِ الشريعة، ونظامُ شَمْل الإِسلام. انتهى.
وما أسمى هذه الكلمةَ التي قالها القاضي عياض، فإنها من أعظم فقه الإسلام عند العلماء الأعلام.
٢ - وروى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده(٢) عن سَهْل بنِ سَعْد
= في نفسي لأحد من المسلمين غِشّاً، ولا أحسدُ أحداً على خيرِ أعطاه الله إياه، فقال عبدُ الله: هذه التي بَلَغَتْ بك.
وفي روايةٍ عند البيهقي في شعب الإيمان: فقال: آخُذُ مَضْجَعي، وليس في قلبي غِمْر على أحدٍ. والغِمْرُ: الغِلُّ والحِقدُ.
(١) ١٠:٢ بشرح الإمام النووي، في باب تفاضل الإسلام وأيُّ أمورِه أفضل.
(٢) ٥ : ٣٣٥.
10
السَّاعِدي رضي اللَّه تعالى عنه، قال قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((المؤمن مَأْلَفَةُ(١)، ولا خيرَ فيمن لا يأَلَفُ ولا يُؤْلَفَ)). قال الهيثمي رحمه الله تعالى في (مجمع الزوائد)(٢): ((رواه أحمد والطبراني، وإسنادُه جيّدٌ)). قال المناوي: ((وفي رواية: المؤمنُ آلِفٌ مألوف))(٣).
وقال أيضاً شارحاً لهذا الحديث(٤)، وهو عنده بلفظ: ((المؤمِّن يأَلَفُ ولا خيرَ فيمن لا يألفُ ولا يؤلف))، قال: المؤمن يأَلَفُ لحُسْنِ أخلاقِه، وسُهولة طِباعِه ولِينِ جانبه، ويألَفُ الخيرَ وأهلَه، ويأَلَفُونه بمُناسبة الإيمان، بل المؤمنُ مكانٌ الألفةِ ومنتهاها، ومنه إنشاؤُها وإليه مَرجِعُها، ولا خير فيمن لا يألَفُ ولا يُؤْلَفُ، لضَعف إيمانِهِ، وعُسْر أخلاقِه وسوءِ طباعِه.
والتألُّفُ سَبَبُ الاعتصام بالله وبحَبْله، وبه يحصُل الاجتماع بين المسلمين، وبضدِّه تحصُل التَّفْرِقَةُ بينَهم، وإنما تحصُل الألفةُ بتوفيق الله وتأليفِه، لقوله سبحانه: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرَّقوا واذكروا نعمةَ الله عليكم إذْ كُنتم أعداءَ فألَّفَ بين قُلوبِكم فأصبَحْتُم بنعمته إخواناً﴾، ومن التآلف تركُ المُداجاة - أي تركُ إضمارِ العداوة -، والاعتذارُ عند توهُّم شيء في النفس، وتركُ الجِدال والمِراء وكثرةِ المِزاح)). انتهى بتصرف يسير مُصحَّحاً ما فيه من تحريف وسقط.
٣ - وروى الإِمام أحمد أيضاً في ((المسند))(٥) عن أبي هريرة رضي الله
(١) المؤمنُ مَأْلَفَةٌ أي مكانُ الأُلفةِ ومَدْعاتها.
(٢) ١٠ :٢٧٣.
(٣) وقع رسمُ (الآلِف) عند المناوي وغيرِه هكذا (ألفٌ) بهمزة من غير مد، والصوابُ فيه (أَلِفٌ) بالعَدُُّ وقولُ الطيبي ((يحتملُ كونه مصدراً على سبيل المبالغة كرجلٍ عَدْل، بعيدٌ جداً، وإنما دعاه إليه رسمُ الكاتب له هكذا (ألف). وهو خطأ من الناسخ، وصوابه: آلِفٌ.
(٤) في ((فيض القدير)) ٢٥٣:٦.
(٥) ٤٠٠:٢.
11
تعالى عنه أن النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((المؤمن مُؤْلِفٌ، ولا خير فيمن لا يَأْلَفُ ولا يُؤْلَفُ)). قال الهيثمي في ((المجمع))(١): (رواه أحمد والبزَّار، ورجالُ أحمد رجال الصحيح).
٤ - وروى الإمام الدارقطني في ((الأفراد))، والحافظ الضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) عن جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنه مرفوعاً: ((المؤمنُ يأَلَفُ ويُؤلفُ، ولا خيرَ فيمن لا يألَفُ ولا يُؤْلَفُ، وخيرُ الناس أنفعُهم للناس)).
قال العلامة الماوَزْدِي(٢): ذلك أن الإنسانَ مقصودٌ بالأذيّة، محسودٌ بالنعمة، فإذا لم يكن آلفاً مألوفاً تَخْتَطِفُه أيدي حاسديه، وتَحَكَّمَتْ فيه أهواءُ أعاديه، فلم تسلم له نعمةٌ، ولم تَصْفُ له مُدَّة - أي وَقْت -، فإذا كان آلفاً مألوفاً انتصر بالأُلُفَةِ على أعاديه، وامتنع من حاسديه، فسَلِمَتْ نعمتُهُ منهم، وصَفَتْ مُدَّتُه عنهم، وإن كان صفوُ الزمان كَدِراً، ويُسْرُه عَسِراً، وسَلْمُه خَطِراً(٣)، والعربُ تقول: من قَلَّ ذلّ !.
وقال قيسُ بنُ عاصم:
إن القِدَاح(٤) إذا اجتمَعْنِ فَرَامَها بالكَسْرِ ذُو حَنَقٍ وبَطْشٍ أَيِّدٍ
عَزَّتْ فلم تُكْسَر، وإن هي بُدِّدَتْ فالوَهْنُ والتكسيرُ للمُتَبَدِّدِ
انتھی کلام الماوَرْدِي رحمه الله تعالی.
٥ - وروى الإِمامُ أبو داود في ((سننه))(٥) عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه، عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((المؤمنُ مِرْآةُ المؤمنِ، والمؤمنُ أخو
(١) ١٠ :٢٧٣.
(٢) في كتابه ((أدب الدنيا والدين)) ص ١٤٨.
(٣) يريد أنه لا يُوثَقُ به ولا يُطمئنُّ إليه.
(٤) القِدَاحُ هنا: السُّهامُ تُصنَع من الخشب.
(٥) ٤: ٣٨٥ في كتاب الأدب (باب في النصيحة والحياطة).
12
المؤمنِ: يَكُفُّ عليه ضَيْعَتَه، ويَحُوطُه من ورائِه)). قال الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء))(١): إسناده حسن.
وقال العلامة المُناوي في ((فيض القدير))(٢): المؤمنُ مِرْآةُ المؤمن، فأنت مِرآةً لأخيك، يُبْصِرُ حالَه فيك، وهو مِرأَةٌ لك تُبْصِرُ حالَك فيه، فإن شهدتَ في أخيك خيراً فهو لك، وإن شهدتَ غيرَه فهو لك، وكلُّ إنسانٍ مَشْهدُه عائدٌ عليه، فالمؤمنُ يُبْصِرُ بأخيه من نفسِه ما لا يراه بدونه، قال العامريُّ: معناه: كُنْ لأخيك كالمِرآة، تُرِيهِ مَحَاسِنَ أحوالِهِ وتَبعَتُه على الشكرِ وتَمنَعُه من الكِبْر، وتُريه قَبائحَ أمورِه بِلِینِ في خُفْيَةٍ، تنصَحُهُ ولا تفضّحُه، هذا في العامَّة، أمَّا الخَواصُّ فمن اجتمع فيه خلائقُ الإيمان، وتَكَامَلَتْ عنده آدابُ الإِسلام، ثم تَجَوْهَرَ باطِنُه عن أخلاقِ النَّفْس، تَرَقَّى قلبُه إلى ذُروةِ الإِحسان، فيصيرُ لصفَائِه كالمِرآة إذا نَظَر إليه المؤمنون رأوا قبائحَ أحوالهم في صَفاءِ حالِه، وسوءَ آدابهم في حُسن شمائِله.
والمؤمنُ أخو المؤمن أي بينَه وبينَ أخيه أُخوَّةٌ ثابتةٌ بسبب الإيمان ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، يَكُفُّ عليه ضَيْعَتَه أي يَجمَعُ عليه مَعِيشَتَهُ ويَضُمُّها له، وضَيْعَةُ الرجل: ما مِنْهُ مَعَاشُه - كالصنعة والتُّجارة والزّراعة وغيرِ ذلك -. ويَحُوطُه من ورائِهِ أي يحفَظُه ويَصُونُهُ ويَذُبُّ عنه، ويَدَفَعُ عنه من يغتابُه أو يُلحقُ به ضرراً، ويُعاملُه بالإحسان بقدرِ الطاقةِ، والشفقةِ والنصيحة)). انتهى.
٦ - وفي (الصحيحين))(٣) عن أبي موسى الأشعري رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((المؤمنُ للمؤمن كالبُنْيَانِ يَشُدُّ بعضُه بعضاً، ثم شَبَّك بين أصابعه)).
(١) ١٨٢:٢ بذيل ((إحياء علوم الدين)) ..
(٢) ٢٥١:٦ - ٢٥٢.
(٣) صحيح البخاري ٤٤٩:١٠ في كتاب الأدب (باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضاً). وصحيح مسلم ١٣٩:١٦ في كتاب البرّ والصلة والآداب (باب تراحُم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضُدِهم).
13
قال المناوي(١): ((المرادُ: بعضُ المؤمنين لبعضٍ كالبنيانِ أي الحائط، لا يَتَقَوَّى في أمرِ دينه ودُنياه إلا بمعونة أخيه، كما أن بعض البُنيان يُقَوَّى ببعضِه. ثمّ شَبَّك بين أصابعه تشبيهاً لتعاضُدِ المؤمنين بعضِهم ببعضٍ، كما أن البنيان المُمْسِكَ بعضُه ببعضٍ يَشُدُّ بعضُه بعضاً)).
وقال النووي رحمه الله تعالى(٢): ((هذا الحديث صريحٌ في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعضٍ، وحثُّهم على التراحمِ والملاطفةِ والتعاضدٍ في غير إثم ولا مكروهٍ)).
احترام السلف لأفكارِ وآراء المُخالِف
ولا ريب أن السَّلَف رضوان الله تعالى عليهم اختلفوا في كثير من المسائل العَمَلية وبعضِ المسائل العِلْمية الاعتقادية، وما زال الاختلافُ بين من بعدّهم من الأئمة واقعاً في الفروع وبعضٍ الأصولِ، ولكن هذا كان منهم مع الحِفاظِ على أدب الخلافِ: الألفةِ والمحبّة والتوقير واحترام رأي المخالِف، ومع التحرّز عن التحاسد والتقاطع والتباغُضِ والغِلّ والحِقْد والشحناء، ومع الحثُّ على التزام التوحّد والتجمُّع، والابتعادِ عن التشئُّت والتفرّق، فكانُوا - رضوانُ الله تعالى عليهم - عِبادَ الله إخواناً، مُتَحَابِّين مُتَعَاوِنين على البِرِّ والتقوى.
أخرج الطبراني عن عبد الله بن مسعود رضي اللَّه تعالى عنه أنه قال: ((يا أيُّها الناس! عليكم بالطاعةِ والجماعة، فإنها حَبْلُ الله الذي أَمَرَ به، وإنَّ ما تكرَهُون في الجماعةِ خيرٌ مما تحبُّون في الفُرْقة ... ))(٣).
(١) في ((فيض القدير) ٢٥٢:٦.
(٢) في ((شرح صحيح مسلم)) ١٦: ١٣٩.
(٣) أورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ٣٢٨:٧ وقال: ((رواه الطبراني بأسانيد، وفيه مُجالِد، وقد وثّق، وفيه خلاف، وبقيةُ رجالٍ إحدى الطرق ثِقات)).
14
ورَوى الحافظُ الخطيبُ البغدادي في ((كتاب الرواة عن مالك)) من طريق إسماعيل بن أبي المُجالِد، قال: ((قال هارون الرشيد لمالك بن أنس: يا أبا عبدِ الله، نكتبُ هذه الكتبَ، ونُفَرِّقُها في آفاق الإِسلام، لنحمِلَ عليها الأمة، قال: يا أمير المؤمنين، إنَّ اختلافَ العلماء رحمةٌ من الله على هذه الأمة، كلٌّ يَتْبَعُ ما صَحَّ عنده، وكلٌّ على هُدَى، وكلٌّ يريدُ الله تعالى))(١).
ورَوى الحافظ أبو نُعَيم في ((حلية الأولياء))(٢)، عن عبد الله بن الحَكَم قال: ((سمعتُ مالك بن أنس رحمه الله تعالى يقول: شاورني هارون الرشيد في أن يُعَلِّقَ ((الموطّأ)) في الكعبة، ويَحمِلَ الناسَ على ما فيه، فقلتُ : - لا تفعَلْ -، فإنَّ أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم اختلفوا في الفروع، وتفرَّقُوا في البلدان، وكلٌّ عندَ نفسِه مُصيبٌ، فقال: وفَّقك الله يا أبا عبد الله)).
ورَوى ابنُ سَعْد في ((الطبقات))(٣) عن محمد بن عُمَرِ الأُسْلَمِي - الواقِدي - ، قال: سمعتُ مالك بن أنس يقول: ((لما حجَّ المنصور قال لي: إني قد عزمتُ على أن آمُرَ بكتبك هذه التي وضعتَها فتُنْسَخ، ثم أبعثَ إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها بنسخةٍ، وآمُرَهم أن يعملُوا بما فيها، ولا يتعدَّوه إلى غيره. فقلتُ: يا أمير المؤمنين، لا تفعل هذا، فإنَّ الناس قد سِيقَتْ إليهم أقاويلُ، وسَمِعُوا أحاديثَ، ورَوَوْا رواياتٍ، وأَخَذَ كلُّ قومٍ بما سِيقَ إليهم، ودانُوا به من اختلافِ الناس، فدَعْ الناس وما اختار أهلُ كلِّ بلدٍ منهم لأنفسِهم)).
وقال شيخُ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في ((مجموع الفتاوى))(٤): ((صَنَّفَ رجلٌ كتاباً في الاختلاف، فقال أحمد: لا تُسَمِّه (كتابَ الاختلاف) ولكن
(١) من ((عقود الجمان)) للحافظ الصالحي ص ١١.
(٢) ٦ : ٣٣٢.
(٣) ص ٤٤٠ في القسم المتمّم.
(٤) ٧٩:٣٠ - ٨٠.
15
سَمِّه (كتاب السنَّة)))(١). أي يسمِّيه بهذا دلالةً على تعدُّد المروي عن النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وبِساطُ السنَّةُ فسيحٌ فيه سعةٌ.
قال: ((ولهذا كان بعضُ العلماء يقولُ: إجماعُهم حجةٌ قاطعةٌ، واختلافُهم رحمةٌ واسعةٌ))(٢). وكان عُمَرُ بنُ عبد العزيز يقولُ: ما يَسُرُّني أن أصحابَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم يَختَلِفُوا، لأنهم إذا اجتمعُوا على قولٍ فخالفَهم رجلٌ كان ضالاً، وإذا اختلفوا فأخذ رجلٌ بقولِ هذا، ورجلٌ بقولِ هذا، كان في الأمرِ سَعَةٌ.
وكذلك قال غيرُ مالكِ من الأئمة - وقد سَبَقَ النقلُ عن مالك - : ليس للفقيه أن يَحمِل الناسَ على مذهبِهِ.
ولهذا قال العلماءُ المُصنَّفُون في الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إن المسائلَ الاجتهادية لا تُنكر باليد، وليس لأحدٍ أن يُلزِمِ الناسَ باتباعِه فيها، ولكن يَتَكلَّمُ فيها بالحُججِ العلميةِ، فمن تبيَّن له صحةُ أحدِ القولين تَبِعه، ومن قَلَّد أهلَ القولِ الآخرِ فلا إنكارَ عليه)). انتهى كلامُ الشيخ ابن تيمية باختصار.
(١) وفي لفظٍ عند ابن أبي يعلى في ((طبقات الحنابلة)) ١١١:١: ((سمِّه كتاب السعة)) ولعله أشبَهُ. وقد سَبَق الإمامَ أحمد إلى هذه الفكرة العالية التابعيُّ الجليلُ طلحةُ بن مُصَرِّف رحمه الله تعالى، فقد روى أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) ١١٩:٥ عن موسى الجُهَني: ((كان طلحةُ إذا ذُكِرَ عنده الاختلافُ، قال: لا تقولوا: الاختلاف، ولكن قولوا: السَّعَة)).
(٢) هو الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي رحمه الله تعالى، قال ذلك في آخِرٍ وختام رسَالتِهِ اللطيفة: ((لُمْعَة الاعتقاد): ((وأما النسبة إلى إمام في فروع الدين كالطوائف - أي المذاهبِ - الأربع فليس بمذموم، فإنَّ الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم، واختلافُهم رحمةٌ واسعة، واتفاقُهم حُجَّة قاطعة)).
16
نُبذة من أخبار الأئمة السلف في الحفاظ على
المودّة والأخوة مع اختلاف المسالك والمنازع والآراء
وإليك بعضاً من أخبار أئمتنا السّلَّف وعلمائنا السابقين في حفاظهم على المودَّة والأخوة، والاعتصام والمحبّة والتقدير، مع اختلافِ مَسالِكهم ومَنَازِعهم وآرائهم، وما أكثر أخبارهم وحکایاتهم في ذلك.
١ - نقل الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء) (١) في ترجمة الإمام الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه، عن الإمام الحافظ أبي موسى يُونُس بن عبد الأعلى الصَّدَفي المصري، أحدٍ أصحاب الإمام الشافعي أنه قال: ((ما رأيتُ أعقَلَ من الشافعي، ناظرتُه يوماً في مسألةٍ، ثم افترقنا، ولَقِيني، فأخذ بيدي، ثم قال: یا أبا موسى، ألا يَستَقِيمُ أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألةٍ؟!)).
قال الذهبي: ((هذا يدلُّ على كمالِ عقلِ هذا الإمامِ، وفقهِ نفسِه، فما زال النُّظَراءُ يختلفون)).
٢ - وفي (سير أعلام النبلاء) أيضاً (٢) في ترجمة الإمام إسحاق بن راهويه: ((قال أحمدُ بنُ حفص السَّعْدِي شيخُ ابنِ عَدِي: سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل - الإمامَ -، يقول: لم يَعْبُر الجِسْرَ إلى خراسان مثلُ إسحاق، وإن كان يُخَالِفُنا في أشياءَ، فإنَّ الناس لم يَزَلْ يُخالِفُ بعضُهم بعضاً)).
٣ - وروى الحافظ المؤرِّخ الناقد الإمام أبو عُمَر بنُ عبدِ البَرِّ في (جامع بيان العلم) (٣)، في (باب إثباتِ المُناظرةِ والمُجَادَلَةِ وإقامة الحجة)، عن عبد الله بن محمد - هو أبو الوليد الفَرَضي -، قال: أخبرنا يوسفُ بنُ أحمد - هو مُسنِد مكة
(١) ١٠ :١٦.
(٢) ١١ :٣٧٠.
(٣) ٩٦٨:٢ الطبعة الجديدة المحققة.
17
ابنُ الدخيل الصَّيْدَلاني-، جازةً، عن أبي جعفر العُقَيلي، ثنا محمدُ بنُ عتَّاب بنِ المُرْبِع - هو أبو بكر الأعيَن -، قال: سمعتُ العَبَّاسَ بنَ عبد العظيم العنبري أخبرني، قال:
كنتُ عند أحمد بن حنبل وجاءَهُ عليٍّ بن المديني راكباً على دابّةٍ، قال: فَتَنَاظَرا في الشهادةِ، وارتَفَعَتْ أصواتُهما، حتى خفتُ أن يقع بينهما جَفَاء، وكان أحمدُ يَرى الشهادة، وعليّ يَأْبَى ويَدَفَع، فلما أراد عليّ الانصرافَ قامَ أحمدُ فأخذ برِکابِه))(١).
٤- وإليك قصةً أخرى عجيبةً بين إمامين كبيرين من أئمة أهل السنّة والجماعة المُتَخالفينِ في المذهَبِ والمَنْزِعِ، رَوَى الحافظ أبو القاسم ابنُ عساكر الدمشقي في كتابه ((تبيين كَذِب المُفتري))(٢): ((قيل للحافظ أبي ذر الهَرَوي - عَبْدٍ بن أحمد الأشعري المالكي، راويةٍ ((صحيح البخاري)) -: أنت من هَرَاة، فمن أين تَمَذْهبتَ لمالكِ والأشعري؟
فقال: سَبَبُ ذلك أني قَدِمْتُ بغداد لطلب الحديث، فلزمتُ الدارقطني - الشافعي، إمامَ أهلِ الحديث في زمانِه -، فلما كان في بعض الأيام كنتُ معه، فاجتَازَ به القاضي أبو بكر بنُ الطَّيِّب - الباقلاني المالكي الأشعري -، فأظهر الدارقطني من إکرامِه ما تعجّبتُ منه.
فلما فَارَقه قلتُ له: أيها الشيخُ الإمامُ، من هذا الذي أظهرتَ من إكرامِه ما رأيتُ؟ فقال: أَوَ ما تعرِفُه؟! قُلت: لا، قال: هذا سيفُ السُّنَّة أبو بكر الأشعريُّ.
(١) قال ابن عبد البرِّ بعد نقل هذا الخبر: ((كان أحمدُ بنُ حنبل رحمه الله يَرَى الشهادةَ بالجنة لمن شَهِدَ بدراً والحُدَيْبِيَّة، أو لمن جاء فيه أثرٌ مرفوعٌ، على ما كان منهم من سَفْكِ دماءِ بعضِهم بعضاً، وكان عليّ بنُ المديني يأبى ذلك، ولا يُصحُّحُ في ذلك أثراً». انتهى. وهذه العبارةُ ساقطةٌ من الطبعة القديمة غير المحققة.
(٢) ٢٥٥ - ٢٥٦.
18
فلزمتُ القاضيَّ منذ ذلك، واقتديتُ به في مذهبِه جميعاً. أو كما قال)). انتهى.
وفي هذه الأخبار - وكثيرٌ غيرُها - أمثالٌ صارخةٌ لتآخي العلماء، وتحابُهم، وتقديرِ بعضِهم لبعضٍ، مع الإِجلالِ والتكريم، وإن اختلفت مَذاهبُهم وأفهامُهم.
والنصوصُ والأقاويلُ والوقائعُ في هذا الموضوع كثيرةٌ ليس هذا موضعَ سَرْدِها، وفيما ألممتُ بذكرِه كفايةٌ إن شاء الله تعالى.
کلمة عن الرسالة وعملي فيها
وقد وقفتُ في ((مجموعة الرسائل المنيرية))(١) على رسالةٍ لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعنوان «خلاف الأمة في العبادات ومذهبُ أهل السنَّة والجماعة»، فرأيتُها رسالةً نافعةً جامعةً، عَالَج فيها خيرَ مُعالجةٍ اختلافَ العلماء في المذاهب والآراء، وقرَّرَ لزومَ التوحُّد والائتلاف، وحَذَّر من التفرُّق والتنازع عند الاختلاف، ذلك الموضوعُ الهام، الذي نحن ـ المسلمين - في أشدِّ الحاجة إليه.
فاستحسنتُ نشرَها مفردةً، لِيَعُمَّ نفعُها، وتتضاعَفَ فائدتُها، ورأيتُ من المفيد أيضاً أن أضيف إليها فُصولاً أخرى من ((مجموع الفتاوى)) - للشيخ ابن تيمية نفسِه ــ تتعلَّقُ بهذا الموضوع تعلُّقاً تامًّاً، وتوضِحُه إيضاحاً كاملاً إن شاء الله تعالى، وأشرتُ في التعليق إلى مواضِع تلك الفصول في ((مجموع الفتاوى)).
وعزوتُ الآيات الكريمة إلى مكانها في القرآن المجيد، وخرَّجتُ الأحاديثَ باختصارٍ وإيجازٍ، وعلّقتُ على العديدِ من المواضع كلماتٍ رأيتُها مفيدةً، وفصَّلتُ العباراتِ إلى مقاطِعَ وجُملِ مختصَرَةٍ، وضبطتُ الكلماتِ المُشْكِلَةَ، وأضفتُ لبحوثها عناوینَ تُرشدُ إلی مضامينها.
وسمَّيتُ هذه المجموعةَ: ((رسالةَ الألفة بين المسلمين))، وفيها أمرُ الإِسلام بالتوحُّدِ والائتلاف، وحظرُه التنازُع والتفرّق عند الاختلاف، وبَذَلتُ جُهدي في
(١) الصادرة عن (إدارة الطباعة المنيرية) بالقاهرة، ١١٥:٣ - ١٢٧.
19
خدمتها وحُسْنِ إخراجِها، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكَّلتُ وإليه أنيبُ.
أهمّ الأفكار التي تهدي إليها هذه الرسالة
وسيَجِد القارىء الكريم - بإذن الله تعالى - في هذه المجموعة ما يشفي ويكفي لإنارة هذا السبيلِ الحق الذي تَاه عنه المسلمون.
ويَجِدُ الطالبُ المنصفُ فيها أن التشدُّدَ والإنكار في الأمورِ الخلافيةِ بين علماءِ الأمة وأئمتها، وجَعْلِها أسبابَ المُوالاة والمُعاداة: أمرٌ مرفوضٌ في الشريعة.
ويجدُ أيضاً أن السُّنَّةَ لا تکونُ في جمیع الأمور علی وجهٍ واحدٍ فحسبُ، بل كثيراً ما تتعدَّدُ وُجوه السنَّة، بحيث من اختارَ منها وجهاً غيرَ ما اختاره الآخَرُ، لا يُبَدَّعُ ولا يُفَسَّق، ولا يُضَلَّل ولا يُكَفَّرُ، بإجماع الأئمة.
ويَجدُ أيضاً أن الخلاف في كلِّ قليلٍ وكثيرٍ لا يُوجبُ الهِجْرانَ أو المُعادَاة، وأن المسلمَ مأمورٌ من جهة الشريعة بالحِفاظِ على الألفةِ والعِصْمَةِ والمُوالاة، وأن مناطَ الولاء ومدارَه على الإيمان والإسلام، لا على غيرها من الأسماء، وقد قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((من صَلَّى صلاتنا، واسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وأَكَلَ ذبيحَتَنَا، فذلك المسلمُ الذي له ذِمَّةُ الله وذِمَّةُ رسولِه، فلا تُخفِروا اللَّهَ في ذِمَّتِه))(١). وأنَّ المؤمن أخو المؤمنِ ولو اختلفا في الرأيِ والاجتهادِ لإدراكِ الصواب.
ومن فَهِم هذه الحقائقَ وعَمِل بالإنصافِ فقد ــ واللَّهِ - فاز فوزاً مبيناً، وفَّقنا الله تعالى للاعتصام بحبلهِ مجتمعين، وجَمَع شمل المسلمين، وسَدَّدَ أحوالهم أجمعين، ووقَاهم شرَّ الفُرقةِ والخلافِ، وأنعم عليهم بنعمة الأخوة والائتلاف.
(١) رواه البخاري في صحيحه ١ : ٤٩٦، في كتاب الصلاة (باب فضل استقبال القبلة).
الذُّمَّةُ: العهدُ والأمان، والضمانُ والحُرمة. وقولُه: فلا تُخْفِروا الله في ذمته. يقال في اللغة: أخفر العهَد وبالعهد، وأَخفَرَ فلاناً: نَقَضَ عهدَه وغَدَر به. فالمعنى: لا تَنَقُضوا عهدَ الله وعهدَ رسوله لمن قام بذلك.
20