والواقع أنه في الإصحاح 9، الآية 18 من رسالته إلى أهالي رومية
24
أعطى منزلة الحقيقة المطلقة لدعوته القائلة بأن غضب الله ورحمته لا يتوقفان على أفعال البشر، بل على اختيار الله وحده، أي على إرادته، نظرا إلى أنه لا يمكن لأحد أن يبرر نفسه بالأعمال التي يقوم بها تنفيذا للشريعة، بل بالإيمان وحده (انظر رسالته إلى أهالي رومية، 3: 28)
25
الذي يعني به ولا شك صفاء النفس التام. وأخيرا، لأن أحدا لن يكون سعيدا إن لم تكن روح المسيح فيه (انظر: رسالته إلى أهالي رومية، 8: 9)،
26
بحيث يرى بوساطتها قوانين الله كحقائق أزلية. ننتهي من ذلك إلى أننا لا يمكن أن نصف الله بأنه مشرع أو حاكم، ولا يمكن تسميته عادلا أو رحيما ... إلخ، إلا على طريقة فهم العامي ولنقص في معرفتنا. والواقع أن الله يفعل كل شيء ويسيره بالضرورة الناتجة عن طبيعته وكماله وحدها، وتكون أوامره ومشيئته حقائق أزلية تنطوي دائما على ضرورة، وهذا هو ما أردت شرحه وبيانه أولا.
فلننتقل الآن إلى النقطة الثانية، ولنتصفح الكتاب المقدس لنرى ماذا يقول عن النور الفطري وعن القانون الإلهي. إن أول نص نصادفه هو قصة الإنسان الأول حيث يروى أن الله أمر بألا يأكل الثمرة من شجرة معرفة الخير والشر. ويبدو أن هذا النص يعني أن الله أمر آدم بأن يفعل الخير وأن يسعى إليه من حيث هو خير، لا لأنه ضد الشر، أي أن يبحث عن الخير حبا في الخير، لا خوفا من الشر. وقد بينا من قبل أن من يفعل الخير عن معرفة حقيقية للخير وحب له فإنه يفعله بحرية وبعزيمة راسخة. وعلى العكس من ذلك، فإن من يفعل الخير خوفا من الشر يفعله مجبرا على فعله بالشر الذي يخشاه ويصبح عبدا له ويعيش تحت إمرة الآخرين؛ وعلى ذلك، فإن هذه الوصية الفريدة التي أعطاها الله آدم تشتمل على كل القانون الإلهي الطبيعي، وتتفق تماما مع تعاليم النور الفطري، ولن يكون من الصعب تفسير هذه القصة كلها أو هذا المثل الخاص بالإنسان الأول اعتمادا على هذا المبدأ. ومع ذلك، فإني أفضل استبعاد هذا التفسير، لأني من جهة لست على يقين تام من أن تفسيري يتفق مع فكر الراوي، ولأن معظم الناس، من جهة أخرى، لا يسلمون بأن هذه القصة هي مجرد مثل،
27
بل يسلمون بلا تحفظ بأنها مجرد رواية؛ لذلك أفضل أن أذكر هنا نصوصا أخرى من الكتاب تأخذها أولا من هذا المؤلف الذي يتحدث بفضل النور الفطري، والذي استطاع عن طريق هذا النور أن يتفوق على جميع حكماء عصره والذي تبعث حكمه في الشعب من الإجلال الديني بقدر ما تبعثه فيه حكم الأنبياء. وأنا أعني بذلك سليمان الذي لا تكشف أسفاره المقدسة عن هبة النبوة والورع، بل عن الفطنة والحكمة، ففي سفر الأمثال يسمي سليمان الذهن الإنساني نافورة الحياة الحقة،
Bog aan la aqoon