وإذا كان «لكل سائلة قرار» كما يقول الشاعر، فلا شك في أننا نسلك الآن برزخا بين عيشين مختلفين أشد الاختلاف مفترقين أبلغ الافتراق، عيشين لا يكاد يتسع التصور لأنهما لأمة واحدة، وخاصة في مثل هذا الزمن القصير!
وليس يتسع هذا المقام - بالضرورة - لاستقصاء كل ما تناوله التطور الشديد في بلادنا، ويكفينا أن نعرض الآن نموذجا واحدا يصلح أن يكون مثلا للجميع.
كان نساء الطبقتين العليا والوسطى في هذا العهد القريب، لا يتدلين في الطريق إلا مقنعات محجوبات أمنع حجاب، فللرأس غطاء وللوجه غطاء ولسائر الجوارح غطاء، بحيث لا يظهر منهن إلا العيون من خلل البراقع، وأطراف البنان في قبضهن على مصاريع الملاء.
وكانت هذه الأغطية تختلف باختلاف البيئات، فالسيدة أو الفتاة المتوسطة الحال، تتلفف في الملاءة الغالية نوعا، وقد تكون من الحرير «الكريشة»، وكيفما كان الأمر فهي تلبسها على زي خاص لا ترسلها كما ترسلها نساء الطبقة الدنيا، بل إنها لتضيق على مدار الخصر، وتضفي على ما دونه حتى الكعبين.
وأما قناع الوجه فالبرقع الأسود، يرسل من أسفل الجبين إلى غاية الصدر، ويحلى من وسط أعلاه بحلية من الذهب غالبا، أو من الفضة المموهة بالذهب أحيانا، وتدعى هذه الحلية «عروسة» البرقع ولا حاجة إلى وصفها، فلا يزال يضعها بعض «بنات البلد».
وأما الطبقة «العثمانلي» فيتخذن في العادة الحرير «الحبر»، وأما الوجوه فيسترنها بقناع أبيض لا «عروسة» له ولا سواها من الحلي، وربما وضعن بدل القناع «اليشمق»، وهذا كان خاصا بالطبقة الأرستقراطية جدا، لا يشركهن فيه غيرهن، وربما اتخذ نساء الطبقة الوسطى الحرير «الحبر» إذا دعت بعض المناسبات كحضور الأعراس والزيارات ذات الخطر.
ولم يكن التجمل بالمساحيق وما يؤدي مؤداها إلا نادرا جدا، وأكثر ما يكون ذلك في الأعراس ونحوها، وكان الإفراط فيه والمداومة عليه معيبا، وكانت السيدة التي تلزمه موضع حديث السيدات وإنكارهن، وكثيرا ما يتخذنها موضعا للأسمار!
وكيفما كانت الحال، فإن هذا الضرب من التبهج - أعني تلوين الوجوه - لم يكن ليؤذن به قط لفتاة، بل لست أغلو إذا زعمت أنه كان منكرا من سيدة ليست ذات بعل، وإن فتاة تفعل هذا لهي حقيقة بإرسال الألسن وذهاب الأقاويل، وإقفال بيوت الأشراف في وجهها، وانقباض المجالس دونها وتحرجها بغشيانها!
والآن - وبهذه السرعة السريعة - لقد تجرد نساء هاتين الطبقتين وفتياتهما من أرديتهن الخارجية جملة، ونضون الأقنعة فلا قناع البتة، وقصرن الثياب وربما حسرن عن الأذرع، حتى لقد يبلغ النظر أعلى الكتف وأسفلها جميعا، ولست ترى هؤلاء باديات في الطرق إلا كذلك، وأما صقل العوارض ودهانها بالمساحيق البيضاء وصبغ الشفاة بالأحمر القاني أو الأحمر الضارب إلى الصفرة، فلقد أصبح هذا وأمسى من ضرورات السعي في الطريق، بل كاد يصبح ويمسي مما تعاب المرأة بتركه، وتعير إذا هي تخلت عنه!
ولقد تصادفك البنت في الطريق، وهي لما تتجاوز الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، وقد صبغت شفتيها بالأحمر صبغا، ولا أقول: دبغتها دبغا! ولقد كثر ذلك وشاع وفشا حتى أضحى لا يلفت من الناس شيئا من العجب، وخاصة عند الناجمين الذين لم يشهدوا الأمهات والأخوات منذ بضع عشرات من الأعوام.
Bog aan la aqoon