ولننظر الآن إلى الفرق الشاسع في نظرتنا إلى الماضي بالنسبة إلى الحاضر ، على أساس الرؤية القديمة، وعلى أساس الرؤية الجديدة، فبينما نتصور في الحالة الأولى إمكان أن يبعث الماضي بحذافيره ليكون هو حاضرنا، نرى في الحالة الثانية أن ذلك ضرب من المحال؛ إذ ما دام الأمر أمر سيرة تتعاقب أحداثها تعاقب حكاية يرويها «التاريخ»، إذن فالماضي قد ابتلعه الحاضر ابتلاعا، ولم يعد له وجود قائم بذاته، إلا من حيث هو غذاء يسري في دمائنا. فإذا كان في تصور الرؤية القديمة أن «الكمال» قد كان متحققا في حياة السلف، ولا بد لنا من شده إلى عصرنا شدا لنحيا على دعائمه كما فعل هؤلاء الأسلاف، ففي تصور الرؤية الجديدة أن «الكمال» سوف يكون، ولا بد لنا من رسم الخطوات التي نتحرك بها نحو ذلك الهدف المستقبلي المنشود.
أريدك - عزيزي القارئ - أن تعلم بأننا حين نقول «الرؤية القديمة» و«الرؤية الجديدة» فلسنا بذلك نقول عبارات لا تزيد على كونها مرقومة بالمداد على الورق، أو منطوقة في أفواه المتحدثين، بل هي مترجمة إلى أفراد أحياء ذوي أجساد من لحم ودم، يأكلون معك ويشربون ويتكلمون ويضحكون. وحين زعمت لك في أول الحديث أننا لم نخط بعد على عتبة القرن العشرين، مع أنه قرن يدنو من ختامه، فإنما أردت بذلك أن أقول إنك إذا أمعنت الفكر فيما يقوله معظم أصحاب الرأي المؤثر في حياتنا، وجدته منطويا على فرض، والفرض هو أن الماضي شيء له رأس وأذنان وعينان، ولسان وشفتان، وساقان يمشي عليهما ويجري، وأن هذا الشيء يمكنه السير إلينا في يومنا هذا، أتيا من حيث لا أدري. وأصحاب الرأي هؤلاء يستحثونه ليسرع الخطى، فيجيء ليسيطر اليوم - إذا استطاع - قبل الغد، فخلاصنا من كل ما نحن غارقون فيه إلى أذقاننا من مشكلات، مرهون بقدوم ذلك الشبح، ولكنهم في انتظارهم لعودة الماضي ليخلصهم مما هم فيه، أشبه بمن كانوا ينتظرون «جودو» في مسرحية صموئيل بيكت المعروفة، لماذا؟ لسبب واضح وبسيط، وهو أن الماضي كان صفحة في سيرة، كان فصلا في تاريخ، وقد انطوت الصفحة انطواء لا حيلة لنا فيه، وانتهى الفصل التاريخي انتهاء لا قبل لنا في بعثه من جديد لا لأن ذلك الماضي قد انعدم، كلا، فهو حي، لكنه حي فينا نحن، هو حي باللغة العربية التي نتكلمها، وهو حي بقواعد السلوك الأساسية في تعاملنا، وهو حي في وجداننا الشاعر، الذي يقرأ البحتري فيطرب، ويتأمل الفن العربي على جدران المساجد فينتشي، لكن حياتنا تلك، التي هضمت الماضي هضما وحولته إلى إفرازات الغدد وإلى دم يجري في الشرايين، إنما هي - كأي حياة في أي كائن حي - حياة متحركة في تيار يدفعها أبدا إلى أمام، حاملة في جوفها ما قد كان، متجهة نحو تحقيق ما سوف يكون.
فليس أقتل للإنسان في موقفه الثقافي والحضاري، من أن يحاكي مرحلة تاريخية سبقت المرحلة التي يعيش فيها، محاكاة تفصيلية حرفا بحرف وفعلا بفعل، لا بل ليس أقتل للنموذج السلفي نفسه من أن يظل الخلف يعيدونه ويكررونه بمثل هذه المحاكاة التفصيلية التي أشرنا إليها، فلب الحياة وصميمها إنما هو في إبداعها للجديد الذي تتكيف به مع المواقف الجديدة. سر الحياة، وسحرها، وإعجازها هو في إبداعها، فليس الأمر مقصورا على أن لكل كائن حي ما يميزه عن سائر الكائنات، حتى تلك التي تقع معه في نوع واحد، بل إن تلك المعجزة الإبداعية لتمتد حتى تشمل جوانب الحياة الفكرية. ويكفيك أن تنظر إلى القوة الإبداعية الكامنة في اللغة وطرائق استخدامنا لها، فالطفل منذ التقاطه لبضع كلمات وبضع جمل، يأخذ بقدرة فطرية في تركيب جمل تركيبا لم يسمعه من أحد، فالمعنى المراد يمكن أن يوضع في صور مختلفة، لا يلزم للطفل أن يسمعها كلها ممن حوله، بل هو قادر قدرة تلقائية على تنوع التركيبات اللغوية التي تؤدي المعنى المعين الذي يريد التعبير عنه، تلك هي الحياة وطبيعتها على كل مستوياتها، إلى أن تصل إلى المستوى الحضاري الشامل، وجدته يبدع في كل جوانب حياته صورا غير مسبوق إليها، وإلا فالوقوف عند تكرار ما قد سبق، نذير بالضعف، وربما انتهى الضعف بالحضارة المحاكية لسوابقها إلى الفناء، حتى لو كانت تلك السوابق قد بلغت كمالها في حينها؛ لأن ذلك الكمال نفسه إذا جمدت صورته انقلب ضربا من النقصان، فلكل معركة سلاحها، وأكمل سلاح في معارك الماضي هو أعجز سلاح في معارك اليوم.
فإذا كان السؤال العسير الملقى علينا ليتحدى قوانا وملكاتنا هو: ما هي تلك العقبة الكأداء التي وقفنا أمامها عاجزين عن الدخول في القرن العشرين بأمواجه وتياراته وتحولاته، مع أن هذا القرن العشرين قد دنا من ختامه، ليدخل الناس في مرحلة تاريخية أخرى، أرجح الظن أن تجيء أعتى موجا، وأعنف دفعا، وأشد تحولا؟ أجبنا بأن تلك العقبة إنما كانت هي الوقوف عند نمط ثقافي حضاري لا نريد له أن يتغير مع الزمن، وقد ظللنا نمسي معه ونصبح، حتى أشبعناه تكرارا، وقتلناه محاكاة (والقتل هنا بمعناه الحرفي)، وإن الحياة نفسها بدفعتها الكامنة لتوشك أن تصيح بنا وفينا، هيا جميعا إلى اقتحام العقبة، قاصدة بصيحتها أن نبدع ولا نحاكي.
سؤال عن الثقافة وجوابه
كما يتلقى الجد من حفيدته رسالة، فيشعر وهو يقرؤها وكأنما هو شاخص ببصره إلى تيار الزمن، يراه كالنهر دافقا من بعيد بعيد، ومتجها إلى مصب بعيد بعيد، وما هو والحفيدة والرسالة إلا حلقة من سلسلة، أولها في الأزل وآخرها في الأبد، أقول إنه كما يتلقى الجد من حفيدته رسالة، تلقيت رسالة من طالبة تدرس الفلسفة، وهي الآن في آخر شوطها الجامعي، والطالبة تسألني - راجية أن تسمع مني الجواب - عن «الثقافة» ما معناها؟ تقول: هنالك موضوع يشغل بالي وبال زملائي؛ وهو موضوع «الثقافة»، فماذا تعني كلمة «ثقافة»؟ وما هو دور الثقافة في حياة الإنسان المعاصر؟
وأول ما أجيب به عن سؤالك يا ابنتي، هو أنك قد اخترت كلمة رواغة، لا يكاد صائدها يمسك بطرف من أطرافها، حتى تفلت من بين أصابعه؛ وذلك لأن أطرافها كثيرة ومتفرقة، حتى لتستطيع إذا أنت أمسكت بأحدها، وظننت أنها الآن قد باتت في قبضتك، أن تستغني عن ذلك الجزء من أجزائها وتفر هاربة، وتظل مع ذلك «ثقافة». فإذا كان التعريف الجامع المانع يشبه أن يكون محالا، إلا في المعاني الرياضية أو ما يجري مجراها، فهو أشد استحالة في تحديدنا لمعنى «الثقافة»، ومن هنا كان لها من التعريفات بقدر من تناولوها بمحاولات التحديد، فلكل من هؤلاء تعريفه لها ، وكأننا نعيد على أنفسنا حكاية الفيل في مدينة العميان، إذ التفوا حوله كل يلمسه بأصابعه من حيث استطاع أن يلمسه، فلما سئلوا بعد ذلك: كيف وجدتموه؟ فكان لكل منهم جواب يختلف عن أجوبة الآخرين.
وها أنت ذي تسألينني: ما الثقافة؟ وسأقدم لك جوابا، لا أدعي أنه الجواب الذي لا جواب سواه؛ إذ هو جواب أصف به مسقط أصابعي على جسم الفيل، وللآخرين أجوبتهم، لكن هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة أننا جميعا على قدم المساواة من حيث الصواب والخطأ، بل سيكون بيننا تفاوت يقاس بمقياس المنفعة وملاءمة الظروف؛ فالجواب الذي يجعل المثقف أكثر صلاحية لزمانه، أصدق من الجواب الذي من شأنه أن يقيم حجابا بين المثقف والحياة في عصره. ولقد أحسنت يا فتاتي، عندما ذكرت كلمة «معاصر» في سؤالك: ما دور الثقافة في حياة الإنسان المعاصر؟ إذ لا شك في أن شروط «المثقف» قد تغيرت بتغير العصور، فكان لكل عصر ضرورات معينة يشترط توافرها فيمن يسمى بالمثقف، فحينا كانت الفروسية شرطا، وحينا آخر كان التفلسف شرطا، وحينا ثالثا كان الإلمام بشرائع الدين وقواعد اللغة شرطا، وحينا رابعا كان اصطناع النظرة العلمية شرطا، وهلم جرا. وبالطبع لم يكن لكل عصر شرط واحد يطالب بتوافره في المثقف، ولكنها كانت دائما مجموعة قليلة من صفات أساسية هي التي يتطلبها كل عصر من مثقفيه.
فإذا تعددت بين أيدينا الآراء في تحديد «الثقافة» في عصرنا كيف يكون؟ فلا بد من الاحتكام عند المفاضلة إلى الحياة في عصرنا وما تتطلبه من المثقف، لنرى أي الآراء أقرب استجابة للعصر وظروفه. وفي هذا الإطار أتقدم إلى السائلة بجوابي.
لعل أكثر المداخل إلى موضوعنا يسرا ووضوحا، هو أن نبين أولا، كيف أن إدراك الإنسان لأوضاع الحياة التي يعيشها، ويعيشها معه سائر الناس، إنما يتم على ثلاث درجات متصاعدة ، كل درجة منها تقام على الدرجة التي سبقتها، لكن بينما يتحتم على كل فرد من الناس أن يمارس حياته على مستوى الدرجة الأولى، فإنه لا يتاح الصعود إلى الدرجة الوسطى إلا لبعض الناس دون بعض، ثم لا يتاح الصعود من الدرجة الوسطى إلى الدرجة التي تليها إلا للعدد الأقل من سكان الدرجة الوسطى.
Bog aan la aqoon