ففي قاعة كبيرة مفروشة بفاخر الأثاث، قعدت عجوز قديمة بيضاء أمام الموقد اللامع، وقعد حولها أحفادها؛ البعض ركع، والبعض جلوس، والبعض وقوف، قعدوا يصغون إلى حكاية العجوز البيضاء التي كانت تتكلم وصوتها يتهدج:
في ذلك الزمان؛ أي في سنة 1918، كانت بلادنا بلاد بؤس وشقاء، فشوارعنا كانت ضيقة مظلمة، وكان السائر فيها ليلا يتلمس طريقه تلمسا بين الحفر والأخاديد ... وكان أجدادنا المساكين يتحاشون الخروج ليلا؛ لأن عصابات اللصوص كانت تختبئ في كل زاوية وفي كل بستان.
ولم تكن هذه العصابات في البساتين والزوايا فقط، بل كان القسم الأكبر منها على العروش وفي دسوت الأحكام.
ولما لم يكن لهؤلاء الأشقياء شيء من القوة كانوا يسودون على الناس بالتخويف والإرهاب، فكانت البلاد كلها عبارة عن لصوص صغار يأتمرون بأمر لصوص كبار، وكانت الحياة معركة دائمة يقتل فيها المسلم نصرانيا في اليوم الأول، فيقوم النصراني في اليوم الثاني ويثأر لصليبه بقتل أحد أبرياء المسلمين.
كأن صليب السلام تحول إلى راية شعارها الدم والنار!
هل تخاصم مسلم مع جار له وقتله؟ فكانت التهمة تقع على رءوس المسلمين أعداء الصليب ...
هل افترس ذئب أحد الرعاة المسلمين؟ فكانت التهمة تقع على رءوس النصارى أعداء الإسلام ...
وفي أحد الأيام، رأى أجدادنا حورية جميلة رشيقة القوام خارجة من الأمواج، وكان لها شعر ذهبي طويل، وعينان ذهبيتان صافيتان، وعنق جميل كالبلور قائم على أكتاف كأنها الرخام المصقول، وكانت مرتدية وشاحا شفافا له أردان كخيوط الذهب، وقد لفته على جسمها الجميل بهيئة تماثيل اليونان، وكان ناعما ناعما يحاكي الهواء أو بخار الماء ... ولما رأت هذه الحورية الناس وشقاء الناس أرسلت من عينيها الذهبيتين دموعا كانت كحبات اللؤلؤ.
وبعد أن استنزفت كل الدموع التي كانت في عينيها نظرت إلى الحراس حولها - وهم طوال القامات، بيض الوجوه، ذوو شعور ذهبية - وقالت لهم: إنني حزينة يا إخواني، حزينة على حالة هذا الشعب، هلموا نتعاون ونخفف شيئا من آلامه.
فقالوا لها: أيتها الحورية الجميلة، إنما نحن إخوانك ومساعدوك، نحن جيوش متحدة انتدبتنا السماء ووضعتنا بين يديك، ونحن من زمان نكافح الحرب بالحرب، وقد تعبنا من مكافحة الحرب بالحرب، وماذا تفعل حرابنا وبنادقنا أمام أشعة الحب المنبعثة من عينيك.
Bog aan la aqoon