Napoleon Bonaparte ee Masar
نابوليون بونابارت في مصر
Noocyada
ونحن لا ننوي أن نتبع هذه الغزوات بتفصيلاتها الوافية إلا فيما نجد منه فائدة في إظهار الروح المصرية أو بيان حال من الأحوال الاستثنائية فلطالما وقعت بين الفرنساويين والفلاحين المصريين معارك كثيرة في جهات مختلفة من جهات القطر لم أر لها ذكرا في الكتب العربية على الإطلاق، على أنه يحسن بأبناء كثيرين من أعيان القرى والبلدان أن يعرفوا اليوم أن آباءهم أو أجدادهم قد قاتلوا الفرنساويين حول بيوتهم وفي حقولهم.
ولنبدأ الآن بأهم المعارك التي دارت في أرض مصر بعد واقعة إمبابة، وقد سبق لنا القول في ختام الفصل السابق، أنه في الوقت الذي كان فيه نلسون يغرق ويحرق السفن الفرنسية، كان نابوليون يعد حملة قوية لمطاردة إبراهيم بك والقضاء على القوة الباقية معه في بلبيس؛ لأن وجود إبراهيم بك على مقربة من القاهرة، وفي طريق القوافل الذاهبة إلى السويس والقادمة من الحجاز، كتم لأنفاس القوة الفرنسية في القاهرة، وقد صادق أن المحمل المصري قد من الحجاز بعد بضعة أيام من احتلال الفرنساويين للقاهرة، وتصحب المحمل عادة قوة من الجند، وقد روى الجبرتي أنه في 20 صفر 1213 «3 أغسطس» وردت مكاتيب الحجاج من العقبة، فذهب أرباب الديوان إلى العسكر «يعني نابوليون» وأعلموه بذلك، وطلبوا منه أمانا لأمير الحج، فامتنع وقال: لا أعطيه ذلك إلا بشرط أن يأتي في قلة، ولا يدخل معه مماليك كثيرة ولا عسكر، فقالوا له ومن يوصل الحجاج؟ فقال: أنا أرسل لهم أربعة آلاف من العسكرية يوصلونهم إلى مصر، فكتبوا لأمير الحج
3
بذلك، ولكن إبراهيم بك كان قد سبقهم لذلك وطلب من أمير الحج أن يقدم بمن معه إلى بلبيس، وفعلا انضموا إليه، ولكنهم لاقوا بذلك عناء شديدا من تعدي العربان وإيذائهم، فكان ما حصل دافعا لنابوليون على الإسراع في مطاردة إبراهيم بك؛ لأنه اتصل به إن إبراهيم بك، بعد أن تقوى جانبه بالمدد الذي جاءه مع الحجاج، سيهاجم القاهرة من الشمال، وكذلك سيهاجمها مراد بك من الجنوب، فخاف نابوليون العاقبة فأخذ في الاستعداد لمحاربة إبراهيم بك، فكان أول عمله أن أصدر أمره للجنرال لكرك
Leclerc
بالزحف إلى جهة الخانكة، وكان «ميو» صاحب المذكرات في الفرقة التي سارت تحت قيادة هذا الجنرال، ويظهر من روايته أنه كان تابعا لقسم المهمات؛ لأنه روى عن نفسه فقال: كانت الساعة الخامسة من صباح 2 أغسطس حين برحنا القاهرة مارين بالقرافة حتى وصلنا القبة حيث كان الجنرال «دينيه» معسكرا ووصلنا يوم 3 أغسطس بلدة الخانكة دون أن نصادف مقاومة، ولما كنا قد صممنا على الإقامة طويلا في هذه النقطة أخذت في إعداد ما يضمن للجنود غذاءهم بأن شرعت في بناء عدة أفران للخبز وروي أيضا أنه في صبيحة يوم 5 أغسطس هاجمتهم قوة كبيرة مؤلفة من المماليك والفلاحين وبينما هم يشتغلون بمقاومتهم ثار أهل القرية «الخانكة» فصاروا يقتلون كل من يقع في يدهم من الفرنساويين، ودمروا الأفران التي بناها صاحبنا «ميو» وانتشب القتال بين الطرفين من صباح ذلك اليوم إلى مسائه، وكادت تدور الدائرة على الفرنساويين لولا أن قائدهم انسحب بمن معه من الجنود تحت جنح الظلام عائدا أدراجه إلى القاهرة، وكانت أخبار هذه الفرقة قد وصلت نابوليون فأصدر أوامره للقوات المختلفة بالسير إلى جهة الخانكة فاستردوها، وخرج نابوليون بنفسه يوم 7 أغسطس من القاهرة وسارت تلك القوة حتى وصلت بلبيس في يوم 9 منه.
أما إبراهيم بك فإنه لما علم بذلك انسحب بمن معه إلى الصالحية والجبرتي يقول إنه انسحب للمنصورة
4
أولا، وأرسل الحريم إلى القرين، ولم يذكر الجبرتي بالطبع شيئا عن واقعة الخانكة، ولكنه قال: «فلما كانت ليلة الأربعاء «يوافق 8 أغسطس» خرج كبيرهم بونابرته وكانت أوائلهم وصلت إلى الخانكة وأبي زعبل وطلبوا كلفة من أبي زعبل فامتنعوا «أي: أهلها» فقاتلوهم وضربوهم وكسروهم ونهبوا البلدة وأحرقوها.» ثم قال: «وفي ثامن عشر منه «من صفر يوافق يوم السبت 11 أغسطس» ملك الفرنساويون بلبيس من غير قتال ومن بقي فيها من الحجاج فلم يشوشوا عليهم وأرسلوهم إلى مصر ومعهم طائفة من العسكر؟».
وهذه الرواية عن الحجاج ذكرها نابوليون في تقريره الرسمي الذي بعث به لحكومة فرنسا «الديركتوار» بتاريخ 19 أغسطس، وقد نشر نصه «لاكروا» وفيه ذكر نابوليون أن العربان فتكوا بالحجاج وسلبوهم، وأن تاجرا من المصريين أكد له أنه خسر من البضائع الهندية - من كشامير وغير ذلك - ما تقدر قيمته بمائتي ألف ريال، والتاجر المشار إليه هو السيد أحمد المحروقي كان حاجا في ذلك العام المشئوم، وروايته في الجبرتي هي أن «إبراهيم بك ومن معه من المماليك لما علموا بقرب الفرنساويين منهم، ركبوا في الليل وترفعوا إلى جهة القرين، وتركوا التجار وأصحاب الأثقال من الحجاج، فلما طلع النهار حضر إليهم جماعة من العربان واتفقوا معهم على أن يحملوهم إلى القرين وعاهدوهم، فلما توسطوا الطريق نقضوا عهدهم وخانوهم ونهبوا حمولهم وتقاسموا متاعهم، وعروهم من ثيابهم، وفيهم كبير التجار السيد أحمد المحروقي، وكان ما يخصه نحو ثلاثمائة ألف ريال فرنسي نقودا ومتجرا من جميع الأصناف الحجازية ... إلخ.» قال الجبرتي: «إن الحجاج عادوا إلى القاهرة تحرسهم شرذمة من الجند الفرنساوي فدخلوها، وهم في أسوأ حال وصحبتهم أيضا جماعة من النساء اللاتي كن خرجن ليلة الحادثة، وهن أيضا في أسوأ حال تسكب عند مشاهدتهن العبرات.»
Bog aan la aqoon