منذ أيام قام أحد الكتبة المفكرين شارحا تساوي الجرم بالخداع بين الرجل والمرأة، وأراد أن يعارض رأي الألفة بتبرير الرجل وألقى كل الذنب على المرأة، فانتصر لمآل الشريعة الشاملة مبينا مطابقتها للواقع المحسوس من حيث المبدأ والنتائج، قصد أن يجعل الرأي العام مطابقا للحقيقة، أراد أن يقوم بهذه الخدمة فعارضه قسم كبير ممن يعتقدون بإبقاء حاجز الجهل بين الفكر العام والشريعة الشاملة السامية.
التفت الكاهن للفتاة وقال لها: سأتركك الآن يا سلمى، فنامي إلى الغد، والله المدبر الأمور يسهل أمامك سبل الخلاص. - نعم يا أبي، سأنام إلى الغد ولكن في أحضان الجزع والشقاء، ولا أومل من الله شيئا؛ لأن الله إنما يوصل إلى الناس عدله بواسطة الناس، وهؤلاء قد فسدوا فلا يصلحون رسلا لرحمة خالقهم، لم يبق أمامي غير وردة والاستخدام والاستعطا، ولربما فضلت الحالة الأخيرة.
خرج الكاهن متعجبا من حديث سلمى، وهو لا يفهم كيف أن الشقاء يولد الفلسفة حتى في أبعد الناس عن العلم؟
انطرحت الفتاة على فراشها واستغرقت بالبكاء ولم يلبث حتى ساد الوسن على عينيها المتعبتين، وكان الكاهن لم يزل بعد ساهرا يصلي وهو يجول بأفكاره على الألفة السورية ليرى بها موضعا ينصر فيه الضعيف الساقط؛ ليجد مكانا يقدر به الشريف أن يعضد الضال التعيس دون أن يرمى بالحيف وسوء الظن، جال طويلا حتى عثرت آماله، ورأى نفسه وهو رسول الدين الآمر بالرحمة والغفران عاجزا عن مديد المساعدة لأولى الناس بالبر والإشفاق، مقيدا بعوائد الألفة واعتقاداتها التي انفصلت على كل جميل وعظيم، فأحنى رأسه بتعب، وقال واليأس يكيف مقاطع صوته: إذا ضاقت مجالي الإسعاف على الدين والأدب، وإذا أصبح الدين عاجزا عن إحياء النفوس البرية؛ لأن الناس تريد قتلها وتتهم بالضلال كل من يناصرها، فقد بقي وجه واحد أساعد به المخدوعة التاعسة.
وفتح الكاهن هميانه فوجد به خمسة دنانير قلبها بيده، وقال: في العالم دولتان؛ دولة المادة، ودولة الروح، وقد أصبحت الأرواح مهانة كيفما انقلبت حتى لا يمكنها أن تحسن بعد ... فليس من قوة لغير المادة في هذه الألفة التي ضعف بها كل شيء لا يكون محسوسا، ولهذا حصر الإحسان في الدرهم مميتا كل شفقة أدبية ومساعدة روحية تجعل النفوس عاضدة للنفوس.
كثير من الناس من يضحك مع الضاحكين؛ لأن الضحك اشتراك المادة مع المادة ولكن أين الذين يبكون مع الباكين؟ أين الصديق على شقاء الصديق؟ أين الابن على عجز أبيه؟ أين الحبيب على قبر حبيبته في هذه الألفة الجاشعة المسكينة التي يقتلها الطمع وهي ملقاة على حضيض الهوان.
أين الذي يجلس مع العشارين ليردهم إلى الحق الرفيع، أين الذي لم تدنس قدماه من دموع الزانية النادمة؟!
وأنا خادم ذلك المحسن العظيم الذي ظهر على الأرض، أنا الذي حصرت واجباتي بشفاء جراح النفس، أينما وجدت أجدني مقيدا بعماوة الألفة التي تحيط بي، كان يجب أن آخذ سلمى إلى بيتي وأساويها بسعدى ابنتي، ولكن حنان نفسي لا يمكن له أن يبرر جسدها، فهي أمام الناس شقية ساقطة ودنس جسدها يوصل الأذى إلى كل عيلتي فنسقط كلنا معها ولا نقدر أن نرفعها.
وبهت الكاهن برهة طويلة كانت مبادي المسيح بها تناضل ضد عوائد الألفة وضلالها ولكنه رفع رأسه أخيرا وفي عينيه ذلة المنكسر وقال: عفوا يا رب فقد امتنع علي أن أكون خادما لمباديك الإلهية بروحي وقلبي، فاسمح أن أحصر إحساني بهذا المال القليل الذي أصبح وحده مدار البشرية بعد أن اشتريتها بدمك وعززتها بروحك الأزلية، وكثير من أمثالي يضنون على إخوتك التعساء حتى بهذا المعدن الزائل ... •••
مر شهران على هذه الحوادث.
Bog aan la aqoon