يجب للشيء في نفسه وذلك لعائق البدن فلو انفردنا عن البدن لكنا بمطالعتنا ذاتنا وقد صارت عالما عقليا مطامعا للموجودات الحقيقية والجمالات الحقيقية والملذات الحقيقية متصلة بها إتصال معقول بمعقول نجد من اللذة والبهاء ما لا نهاية له وسنوضح هذه المعاني بعد - واعلم أن لذة كل قوة حصول كمالها فللحس المحسوسات الملائمة وللغضب الانتقام وللرجاء الظفر ولكل شيء ما يخصه وللنفس الناطقة مصيرها عالما عقليا بالفعل فالواجب الوجود معقول عقل أو لم يعقل معشوق عشق أو لم يعشق لذيذ شعر بذلك أو لم يشعر.
فصل في أن واجب الوجود بذاته كيف يعقل ذاته والأشياء وليس يجوز أن يكون واجب الوجود يعقل الأشياء من الأشياء وإلا فذاته إما متقومة بما يعقل فيكون تقومها بالأشياء وإما عارض لها أن تعقل فلا تكون واجبة الوجود من كل جهة وهذا محال إذ لا تكون بحال لولا أمور من خارج لم يكن هو أو يكون له حال لا تلزم عن ذاته بل عن غيره فيكون لغيره فيه تأثير والأصول السالفة تبطل هذا وما أشبهه ولأنه كما سنبين مبدأ كل وجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها والموجودات الكائنة الفاسدة بأنواعها أولا وبتوسط ذلك بأشخاصها وبوجه آخر لا يجوز أن يكون عاقلا لهذه المتغيرات مع تغيرها من حيث هي متغيرة عقلا زمانيا متشخصا بل على نحو آخر نبينه فإنه لا يجوز أن يكون تارة يعقل منها أنها موجودة غير معدومة وتارة يعقل منها أنها معدومة غير موجودة ولكل واحد من الأمرين صورة عقلية على حدة ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثانية فيكون واجب الوجود متغير الذات ثم الفاسدات إن عقلت بالماهية المجردة وبما يتبعها مما لا يشخص لم تعقل بما هي فاسدة وإن أدركت بما هي مقارنة لمادة وعوارض مادة ووقت وتشخص لم تكن معقولة بل محسوسة أو متخيلة ونحن قد بينا في كتب أخرى أن كل صورة محسوسة وكل صورة خيالية فإنما ندركها من حيث هي محسوسة ونتخيلها بآلة متجزئة وكما أن إثبات كثير من الأفاعيل للواجب الوجود نقص له كذلك إثبات كثير من التعقلات بل واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو كلي ومع ذلك فلا يغزب عنه شيء شخصي فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض - وهذا من العجائب التي يحوج تصورها إلى لطف قريحة.
Bogga 202