Nabita
رسائل الجاحظ
Tifaftire
عبد السلام محمد هارون
Daabacaha
مكتبة الخانجي، القاهرة
Sanadka Daabacaadda
1384 ه - 1964 م
الرسالة الحادية عشرة رسالة في النابتة إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي دواد
Bogga 3
بسم الله الرحمن الرحيم
أطال الله بقاءك، وأتم نعمته عليك، وكرامته لك.
اعلم، أرشد الله أمرك، أن هذه الأمة قد صارت بعد إسلامها والخروج من جاهليتها إلى طبقات متفاوتة، ومنازل مختلفة:
Bogga 7
فالطبقة الأولى: عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وست سنين من خلافة عثمان رضي الله عنه؛ كانوا على التوحيد الصحيح والإخلاص المخلص، مع الألفة واجتماع الكلمة على الكتاب والسنة. وليس هناك عمل قبيح ولا بدعة فاحشة، ولا نزع يد من طاعة، ولا حسد ولا غل ولا تأول، حتى كان الذي كان من قتل عثمان رضي الله عنه وما انتهك منه، ومن خبطهم إياه بالسلاح، وبعج بطنه بالحراب، وفرى أوداجه بالمشاقص، وشدخ هامته بالعمد، مع كفه عن البسط، ونهيه عن الامتناع، مع تعريفه لهم قبل ذلك من كم وحه يجوز قتل من شهد الشهادة، وصلى القبلة، وأكل الذبيحة؛ ومع ضرب نسائه بحضرته، وإقحام الرجال على حرمته، مع اتقاء نائلة بنت الفرافصة عنه بيدها، حتى أطنوا إصبعين من أصابعها، وقد كشفت عن قناعها، ورفعت عن ذيلها؛ ليكون ذلك ردعا لهم، وكاسرا من عزمهم؛ مع وطئهم في أضلاعه بعد موته، وإلقائهم على المزبلة جسده مجردا بعد سحبه، وهي الجزرة التي جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم كفوا لبناته وأياماه وعقائله؛ بعد السب والتعطيش، والحصر الشديد، والمنع من القوت؛ مع احتجاجه عليهم، وإفحامه لهم، ومع اجتماعهم على أن دم الفاسق حرام كدم المؤمن، إلا من ارتد بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل مؤمنا على عمد، أو رجل عدا على الناس بسيفه فكان في امتناعهم منه عطبه؛ ومع إجماعهم على ألا يقتل من هذه الأمة مول، ولا يجهز منها على جريح.
ثم مع ذلك كله دمروا عليه وعلى أزواجه وحرمه، وهو جالس في محرابه، ومصحفه يلوح في حجره، لن يرى أن موحدا يقدم على قتل من كان في مثل صفته وحاله.
Bogga 8
لا جرم لقد احتلبوا به دما لا تطير رغوته، ولا تسكن فورته، ولا يموت ثائره، ولا يكل طالبه. وكيف يضيع دم الله وليه والمنتقم له؟!
وما سمعنا بدم بعد دم يحيى بن زكريا عليه السلام غلا غليانه، وقتل سافحه، وأدرك بطائلته، وبلغ كل محنته، كدمه الله عليه.
ولقد كان لهم في أخذه وفي إقامته للناس والاقتصاص منه، وفي بيع ما ظهر من رباعه وحدائقه وسائر أمواله، وفي حبسه بما بقي عليه، وفي طمره حتى لا يحس بذكره، ما يغنيهم عن قتله إن كان قد ركب كل ما قفوه به، وادعوه عليه.
وهذا كله بحضرة جلة المهاجرين، والسلف المقدمين، والأنصار والتابعين.
Bogga 9
ولكن الناس كانوا على طبقات مختلفة، ومراتب متباينة: من قاتل، ومن شاد على عضده، ومن خاذل عن نصرته. والعاجز ناصر بإرادته، ومطيع بحسن نيته. وإنما الشك منا فيه وفي خاذله، ومن أراد عزله والاستبدال به. فأما قاتله والمعين على دمه والمريد لذلك منه، فضلال لا شك فيهم، ومراق لا امتراء في حكمهم. على أن هذا لم يعد منهم الفجور، إما على سوء تأويل، وإما على تعمد للشقاء.
ثم مازالت الفتن متصلة، والحروب مترادفة، كحرب الجمل، وكوقائع صفين، وكيوم النهروان، وقبل ذلك يوم الزابوقة وفيه أسر ابن حنيف وقتل حكيم بن جبلة.
إلى أن قتل أشقاها علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، فأسعده الله بالشهادة، وأوجب لقاتله النار واللعنة.
إلى أن كان من اعتزال الحسن عليه السلام الحروب وتخليته الأمور، عند انتشار أصحابه، وما رأى من الخلل في عسكره، وما عرف من اختلافهم على أبيه، وكثرة تلونهم عليه.
Bogga 10
فعندها استوى معاوية على الملك، واستبد على بقية الشورى، وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سموه عام الجماعة وما كان عام جماعة، بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة، والعام الذي تحلت فيه الإمامة ملكا كسرويا، والخلافة غصبا وقيصريا، ولم يعد ذلك أجمع الضلال والفسق.
ثم مازالت معاصيه من جنس ما حكينا، وعلى منازل ما رتبنا، حتى رد قضية رسول الله صلى الله عليه وسلم ردا مكشوفا، وجحد حكمه جحدا ظاهرا، في ولد الفراش وما يجب للعاهر، مع إجماع الأمة أن سمية لم تكن لأبي سفيان فراشا، وأنه إنما كان بها عاهرا؛ فخرج بذلك من حكم الفجار إلى حكم الكفار.
وليس قتل حجر بن عدي، وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر، وبيعته يزيد الخليع، والاستئثار بالفئء، واختيار الولاة على الهوى، وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة، من جنس جحد الأحكام المنصوصة، والشرائع المشهورة، والسنن المنصوبة.
وسواء في باب ما يستحق من الإكفار جحد الكتاب ورد السنة؛ إذ كانت السنة في شهرة الكتاب وظهوره، إلا أن أحدهما أعظم، وعقاب الآخرة عليه أشد.
Bogga 11
فهذه أول كفرة كانت في الأمة.
ثم لم تكن إلا فيمن يدعي إمامتها، والخلافة عليها.
على أن كثيرا من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره. وقد أربت عليهم نابتة عصرنا، ومبتدعة دهرنا فقالت: لا تسبوه فإن له صحبة؛ وسب معاوية بدعة، ومن يبغضه فقد خالف السنة.
فزعمت أن من السنة ترك البراءة ممن جحد السنة.
ثم الذي كان من يزيد ابنه ومن عماله وأهل نصرته، ثم غزو مكة، ورمي الكعبة، واستباحة المدينة، وقتل الحسين عليه السلام في أكثر أهل بيته مصابيح الظلام، وأوتاد الإسلام؛ بعد الذي أعطى من نفسه من تفريق أتباعه، والرجوع إلى داره وحرمه، أو الذهاب في الأرض حتى لا يحس به، أو المقام حيث أمر به، فأبوا إلا قتله والنزول على حكمهم.
وسواء قتل نفسه بيده، أو أسلمها إلى عدوه وخير فيها من لا يبرد غليله إلا بشرب دمه.
فاحسبوا قتله ليس بكفر، وإباحة المدينة وهتك الحرمة ليس بحجة، كيف تقولون في رمي الكعبة، وهدم البيت الحرام، وقبلة المسلمين؟
Bogga 12
فإن قلتم: ليس ذلك أرادوا، بل إنما أرادوا المتحرز به والمتحصن بحيطانه. أفما كان من حق البيت وحريمه أن يحصروه فيه إلى أن يعطى بيده، وأي شيء بقي من رجل قد أخذت عليه الأرض إلا موضع قدمه.
واحسب ما رووا عليه من الأشعار التي قولها شرك ، والتمثل بها كفر، شيئا مصنوعا، كيف يصنع بنقر القضيب بين ثنيتي الحسين عليه السلام، وحمل بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم حواسر على الأقتاب العارية والإبل الصعاب، والكشف عن عورة علي بن الحسين عند الشك في بلوغه على أنهم إن وجدوه وقد أنبت قتلوه، وإن لم يكن أنبت حملوه، كما يصنع أمير جيش المسلمين بذراري المشركين؟
وكيف تقولون في قول عبيد الله بن زياد لإخوته وخاصته: دعوني أقتله فإنه بقية هذا النسل، فأحسم به هذا القرن، وأميت به هذا الداء، وأقطع به هذه المادة.
Bogga 13
خبرونا على ما تدل هذه القسوة وهذه الغلطة، بعد أن شفوا أنفسهم بقتلهم، ونالوا ما أحبوا فيهم. أتدل على نصب وسوء رأي وحقد وبغضاء ونفاق، وعلى يقين مدخول وإيمان ممزوج، أم تدل على الإخلاص وعلى حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحفظ له، وعلى براءة الساحة وصحة السريرة؟
فإن كان على ما وصفنا لا يعدو الفسق والضلال - وذلك أدنى منازله - فالفاسق معلون، ومن نهى عن لعن الملعون فملعون.
وزعمت نابتة عصرنا، ومبتدعة دهرنا، أن سب ولاة السوء فتنة، ولعن الجورة بدعة، وإن كانوا يأخذون السمي بالسمي، والولي بالولي، والقريب بالقريب، وأخافوا الأولياء، وآمنوا الأعداء، وحكموا بالشفاعة والهوى، وإظهار القدرة، والتهاون بالأمة، والقمع للرعية، وأنهم في غير مداراة ولا تقية، وإن عدا ذلك إلى الكفر، وجاوز الضلال إلى الجحد، فذاك أضل لمن كف عن شتمهم والبراءة منهم.
على أنه ليس من استحق اسم الكفر بالقتل كمن استحقه برد السنة وهدم الكعبة. وليس من استحق الكفر بالتشبيه كمن استحقه بالتجوير.
والنابتة في هذا الوجه أكفر من يزيد وأبيه، وابن زياد وأبيه.
ولو ثبت أيضا على يزيد أنه تمثل بقوله ابن الزبعري:
Bogga 14
ليت أشياخي ببدر شهدوا
جزع الخزرج من وقع الأسل
لاستطاروا واستهلوا فرحا
ثم قالوا يا يزيدا لا تسل
قد قتلنا الغر من ساداتهم
وعدلنا ميل بدر فاعتدل
كان تجوير النابتي لربه، وتشبيهه بخلقه، أعظم من ذلك وأفظع.
على أنهم مجمعون على أنه ملعون من قتل مؤمنا متعمدا أو متأولا. فإذا كان القاتل سلطانا جائرا، أو أمير عاصيا، لم يستحلوا سبه ولا خلعه، ولا نفيه ولا عيبه، وإن أخاف الصلحاء وقتل الفقهاء، وأجاع الفقير وظلم الضعيف، وعطل الحدود والثغور، وشرب الخمور وأظهر الفجور.
Bogga 15