Muthir Gharam
مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن
Tifaftire
د/ مصطفى محمد حسين الذهبي
Daabacaha
دار الحديث
Daabacaad
الأولى
Sanadka Daabacaadda
١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م
Goobta Daabacaadda
القاهرة
Gobollada
•Ciraaq
Imbaraado iyo Waqtiyo
Cabbasiyiin
بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ
ثَبَتَ وُجُوبُ الْحَجِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وَالْحَجُّ فِي كَلامِ الْعَرَبِ: الْقَصْدُ، وَفِيهِ لُغَتَانِ: فَتْحُ الْحَاءِ وَهِيَ قِرَاءَةُ الأَكْثَرِينَ، وَكَسْرُهَا، وَهِيَ: قِرَاءَةُ حَمْزَةَ، وَالْكِسَائِيِّ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] قَالَ النَّحْوِيُّونَ: مَنْ بَدَلٌ مِنَ النَّاسِ، وَهَذَا بَدَلُ الْبَعْضِ مِنَ الْكُلِّ كَمَا تَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ.
وَالسَّبِيلُ فِي اللُّغَةِ: الطَّرِيقُ، وَتُذَكَّرُ السَّبِيلُ وَتُؤَنَّثُ، وَكَذَلِكَ الطَّرِيقُ، وَالْمُوسَى، وَالذِّرَاعُ، وَالشَّوْقُ، وَالْعَانِقُ، وَالْعُنُقُ، وَالْخَمْرُ، وَالسُّلْطَانُ، وَالْقَلْبُ فِي حُرُوفٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ، وَعُثْمَانَ ﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ سُئِلَ: مَا السَّبِيلُ؟ فَقَالَ: «مَنْ وَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ» .
أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَأَنَا الْقَطِيعِيُّ، أَنْبَانَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنْبَأَنَا مَنْصُورُ بْنُ زَاذَانَ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ
1 / 57
ابْنِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ، فَقَالُوا: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالُوا: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: " لا وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ "، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] .
إِلَى آخِرِ الْآيَةِ
1 / 58
بَابُ بَيَانِ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْحَجُّ
الْحَجُّ يَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: شَرَائِطَ، وَأَرْكَانٍ، وَوَاجِبَاتٍ، وَمَسْنُونَاتٍ، وَهَيْئَاتٍ.
فَأَمَّا الشَّرَائِطُ: فَقَدِ اشْتُرِطَ فِي مَحَلِّ الْوُجُوبِ وُجُودُ خَمْسَةِ شَرَائِطَ: الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالإِسْلامُ، وَالزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ.
وَأَمَّا شَرَائِطُ الأَدَاءِ عَلَى الْعُمُومِ فَثَلاثَةٌ: الْأَوَّلُ: تَخْلِيَةُ الطَّرِيقِ، وَهُوَ أَنْ لا يَكُونَ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِمَّا يُخَافُ مِنْهُ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُمَكَّنَ الأَدَاءُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا لِلْفِعْلِ وَالْمُسَافَرَةِ إِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ.
وَاشْتُرِطَ فِي حَقِّ الضَّرِيرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ قَائِدٌ يُلائِمُهُ.
وَاشْتُرِطَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ: الْمَحْرَمُ، وَالْمَحْرَمُ الزَّوْجُ أَوْ مَنْ لا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا مِنَ الْمُنَاسِبِينَ.
وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَحْرَمِ، هَلْ هُوَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ أَوْ مِنْ شَرَائِطِ الأَدَاءِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْأَرْكَانُ فَفِيهَا ثَلاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَحْمَدَ: إِحْدَاهُنَّ: أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ: الْإِحْرَامُ، وَالْوُقُوفُ، وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ، وَالسَّعْيُ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهَا ثَلاثَةٌ، وَالسَّعْيُ سُنَّةٌ إِذَا تَرَكَهُ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ دَمٌ.
1 / 59
وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّهُمَا رُكْنَانِ: الْوُقُوفُ وَالطَّوَافُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَنْ وَقَفَ وَزَارَ الْبَيْتَ: عَلَيْهِ دَمٌ وَحَجَّتُهُ صَحِيحَةٌ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ فَسَبْعَةٌ: الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ، وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَالْمَبِيتُ بِمِنًى فِي لَيَالِي مِنًى إِلا لأَهْلِ السِّقَايَةِ وَالرِّعَاءِ وَالرَّمْيِ وَالْحَلاقِ، وَطَوَافُ الْوَدَاعِ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْمَسْنُونَاتُ فَهِيَ: الاغْتِسَالُ، وَصَلاةُ الرَّكْعَتَيْنِ عِنْدَ عَقْدِ الْإِحْرَامِ، وَطَوَافُ الْقُدُومِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي عَرَفَاتٍ مَا لَمْ يَكُنْ بَدَأَ بِالْوُقُوفِ نَهَارًا؛ لَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْوُقُوفِ بَيْنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الزَّمَانَيْنِ وَبَيْنَ إِفْرَادِ اللَّيْلِ، فَإِنْ أَخَلَّ بِذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ.
وَالتَّلْبِيَةُ، وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ، وَاسْتِلامُ الرُّكْنَيْنِ، وَالتَّقْبِيلُ، وَالْمَبِيتُ بِمِنًى لَيْلَةَ عَرَفَةَ إِنْ كَانَ خَارِجًا إِلَى عَرَفَاتٍ وَمِنْ مَكَّةَ إِلَى غَدَاةِ عَرَفَةَ، وَسَائِرُ الأَذْكَارِ فِي الْحَجِّ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْهَيْئَاتُ: فَرَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ لِلرِّجَالِ، وَالدُّخُولُ إِلَى مَكَّةَ مِنْ أَعْلاهَا وَإِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَالاضْطِبَاعُ فِي الطَّوَافِ، وَالسَّعْيُ وَالإِسْرَاعُ فِي مَوْضِعِ الإِسْرَاعِ، وَالْمَشْيُ فِي مَوْضِعِ الْمَشْيِ، وَالْعُلُوُّ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يُشَاهِدَ الْبَيْتَ، وَشِدَّةُ السَّعْيِ عِنْدَ تَحَسُّرِهِ، وَالْوُقُوفُ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَعِنْدَ الْجَمَرَاتِ.
فَصْلٌ
فَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ إِلا بِهِ، وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً أَوْ هَيْئَةً فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ
وَإِذَا تَكَامَلَتِ الشُّرُوطُ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَجَبَ الْبَدَاءُ إِلَى الْحَجِّ، وَهَذَا قَوْلُ: الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالدَّاوُدِيَّةِ، وَابْنِ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ عَلَى التَّرَاخِي.
وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ: هَلِ الأَمْرُ الْمُطْلَقُ يَقْتَضِي الْفَوْرَ أَمْ لا؟ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يَقْتَضِي الْفَوْرَ خِلافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَلَنَا أَدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ يُنْتَخَبُ مِنْهَا هَاهُنَا ثَلاثَةٌ:
1 / 60
أَحَدُهَا: مِنَ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] .
وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ عَلَى التَّرَاخِي لَمَا حَسُنَ الْبَدَاءُ إِلَيْهِ بِالْعِتَابِ.
وَالثَّانِي: مِنَ النَّقْلِ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَاهُ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ فَلَمْ يُجِبْ، فَعَاتَبَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] .
وَالَثَّالِثُ: مِنَ اللُّغَةِ، وَهُوَ أَنَّ مُقْتَضَى الأَمْرِ إِنَّمَا يُعْرَفُ مِنْ أَصْلِ اللُّغَةِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: قُمْ، فَتَوَقَّفَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنَّهُ يَحْسُنُ لَوْمُهُ وَعِقَابُهُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ» .
وَقَدِ احْتَجَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّ الْحَجَّ فُرِضَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَأَخَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى سَنَةِ عَشْرٍ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ لَمَا أَخَّرَهُ.
وَقَدْ أَجَابَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمَ نَبِيَّهُ حَتَّى يَحُجَّ، فَكَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنَ الإِدْرَاكِ، وَهَذَا عُذْرٌ يَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى نَقْلٍ وَلا يَجِدُونَ فِي ذَلِكَ نَقْلا، وَإِنَّمَا أَقَامُوا الاحْتِمَالَ مَقَامَ النَّقْلِ، فَلَيْسَ هَذَا الْجَوَابُ مُرْتَضًى لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُ خَمْسَةُ أَعْذَارٍ: أَحَدُهَا: الْفَقْرُ.
1 / 61
وَالثَّانِي: الْخَوْفُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلِهَذَا كَانَ يُحْرَسُ إِلَى أَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] .
وَالثَّالِثُ: الْخَوْفُ عَلَى الْمَدِينَةِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ رَأَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْجِهَادِ أَوْلَى.
وَالْخَامِسُ: اسْتِيلاءُ الْكُفَّارِ عَلَى مَكَّةَ وَإِظْهَارُهُمُ الشِّرْكَ هُنَاكَ، وَمَا كَانَ يُمْكِنُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا قَوِيَ الإِسْلامُ وَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْحَجِّ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَأَمَرَ عَلِيًّا فَنَادَى أَنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، حَجَّ لِزَوَالِ الْعُذْرِ، فَتَأْخِيرُهُ ﵊ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ، فَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ، فَلا تُؤَثِّرُ فِي الْأَمْرِ الصَّرِيحِ.
1 / 62
بَابُ ذَمِّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَتَرَكَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّقَّا، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ عُمَرَ بْنِ شَمَّةَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ زَاذَانَ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَرُوبَةَ الْحَرَّانِيُّ، أَنْبَأَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَنْ لَمْ يَحْبِسْهُ مَرَضٌ، أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا»
أَخْبَرَنَا الْكَرْخِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَزْدِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْغُورَجِيُّ، قَالا: أَنْبَأَنَا الْجَرَّاحِيُّ، أَنْبَأَنَا الْمَحْبُوبِيُّ، أَنْبَأَنَا التِّرْمِذِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]
1 / 63
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا عَاصِمُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ مَهْدِيٍّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا بَكْرُ بْنُ قُتَيْبَةَ، أَنْبَأَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالا: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ ﵁، قَالَ: «مَنْ كَانَ ذَا مَيْسَرَةٍ فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» .
وَبِهِ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَامِرٍ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ رُومِيٍّ، قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: " رَجُلٌ مَاتَ وَهُوَ مُوسِرٌ لَمْ يَحُجَّ، قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ.
وَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ "، وَسَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ، فَقَالَ: مَاتَ عَاصِيًا لِلَّهِ ﷿ "
1 / 64
بَابُ ذِكْرِ الْعَاجِزِ عَنِ الْحَجِّ
وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بَعْدَ الْعَجْزِ، إِمَّا لِزَمَنٍ أَوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى زَوَالُهُ، بِكِبَرٍ فِي السِّنِّ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ، وَتَقَعُ الْحَجَّةُ مُجَزِئَةً عَنْهُ وَإِنْ بَرِئَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ الَّذِي كَانَ لا يُرْجَى زَوَالُهُ.
وَكَذَلِكَ إِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَمَاتَ وَجَبَ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَيَبْدَأُ بِالاسْتِخْلافِ مِنْ حَيْثُ أَدْرَكَهُ الْوُجُوبُ إِنْ كَانَ مِنْ دُوَيْرَتِهِ فَمِنْ هُنَاكَ، وَإِنْ كَانَ قَطَعَ بَعْضَ الْمَسَافَةِ فَمِنْ حَيْثُ انْتَهَى سَعْيُهُ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، أَنَّهُ إِذَا حَجَّ النَّائِبُ عَنْ هَذَا الْمَعْذُورِ وَقَعَ الْحَجُّ عَنِ الْمُسْتَنِيبِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقَعُ الْحَجُّ عَنِ الْحَاجِّ تَطَوُّعًا، وَلا يَقَعُ عَنِ الْمُسْتَنِيبِ إِلا ثَوَابُ النَّفَقَةِ.
وَيَدُّلُ عَلَى مَذْهَبِنَا مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ وَهُوَ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَحُجِّي عَنْهُ» .
1 / 65
بَابُ فَضْلِ الْحَجِّ
قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، إِلَى قَوْلهِ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] .
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ﵁: هِيَ منَافِعُ الْآخِرَةِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَنَافِعُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦]: إِنَّهُ طَرِيقُ مَكَّةَ، وَالْمَعْنَى أَصُدُّهُمْ عَنِ الْحَجِّ.
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي سُمَيٌّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ، وَالْعُمْرَتَانِ، أَوِ الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ يُكَفَّرُ مَا بَيْنَهُمَا» .
أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ سِيَاوُوشَ، أَنْبَأَنَا أَبُو حَامِدٍ، أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبَّاسٍ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، أَنْبَأَنَا الْعَبَاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ النَّقُورِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ مَرْدَكٍ، أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
1 / 66
عَمْرٍو، أَنْبَأَنَا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، كِلاهُمَا عَنِ الْمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَاكِمُ، وَيَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ، قَالا: أَنْبَأَنَا ابْنُ النَّقُورِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ حُبَابَةَ، أَنْبَأَنَا الْبَغَوِيُّ، أَنْبَأَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، أَنْبَأَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ الْجَرِيرِيُّ، عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ الْجَرِيرِيِّ، أَنْبَأَنَا مَاعِزٌ ﵁، أَنَّ رَجُلا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، ثُمَّ أُرْعِدَتْ فَخِذُ السَّائِلِ، ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: «ثُمَّ عَمَلٌ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْأَعْمَالِ إِلا كَمِثْلِهِ، حَجَّةٌ بَارَّةٌ، حَجَّةٌ بَارَّةٌ»
أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الزَّوْزَنِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ، أَنْبَأَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ النَّسَّابِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ صَاعِدٍ، أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنْبَأَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ ﷿»، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ»، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
1 / 67
وَفِي أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لَكِنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ حَجٌّ مَبْرُورٌ» .
وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِرُّ الْحَجِّ؟ قَالَ: «إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلامِ» .
وَسُئِلَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: مَا الْحَجُّ الْمَبْرُورُ؟ قَالَ: أَنْ يَرْجِعَ زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا، رَاغِبًا فِي الْآخِرَةِ.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قَالَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَا لِحَجٍّ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ» .
وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ مُتَابَعَةَ مَا بَيْنَهُمَا تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ وَالرِّزْقِ، وَتَنْفِي الذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ
1 / 68
الْحَدِيدِ» .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «دَعْوَةُ الْحَاجِّ لا تُرَدُّ حِينَ يَرْجِعُ» .
وَفِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَرَادَ دُنْيَا وَآخِرَةً فَلْيَؤُمَّ هَذَا الْبَيْتَ، مَا أَتَاهُ عَبْدٌ يَسْأَلُ اللَّهَ دُنْيَا إِلا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَلا آخِرَةً إِلا ادُّخِرَ لَهُ مِنْهَا
وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ، إِنْ سَأَلُوا أُعْطُوا، وَإِنْ أَنْفَقُوا أُخْلِفَ عَلَيْهِمْ، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ، مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ وَلا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ عَلَى شَرَفٍ إِلا أَهَلَّ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَكَبَّرَ بِتَهْلِيلِهِ وَتَكْبِيرِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ مُنْقَطَعَ التُّرَابِ»
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَتْحِ الْحَافِظُ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ رَوْحٍ، أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ الْمُؤَمَّلِ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَهْمِ، أَنْبَأَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ جَاءَ هَذَا الْبَيْتَ حَاجًّا فَطَافَ بِهِ
1 / 69
أُسْبُوعًا، ثُمَّ أَتَى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْ مَائِهَا، أَخْرَجَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ رَجُلا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلَهُ عَنِ الْحَجِّ، فَقَالَ: «لَكَ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا رَاحِلَتُكَ حَسَنَةٌ، وَتُحَطُّ عَنْكَ بِهَا سَيِّئَةٌ، وَتُرْفَعُ لَكَ بِهَا دَرَجَةٌ» .
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ السَّمْنَانِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرِ بْنُ مَهْدِيٍّ، أَنْبَأَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ، أَنْبَأَنَا أَبُو أُمَيَّةَ، أَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، أَنْبَأَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيَهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ تُضَاعَفُ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الدِّرْهَمُ بِسَبْعِ مِائَةٍ»
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ بْنُ النَّرْسِيِّ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنْبَأَنَا زَيْدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَاجِبٍ، أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَمَذَانِيُّ، أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَامِلٍ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْعُكَّاشِيُّ، أَنْبَأَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ مَكْحُولٍ، وَغَيْرِهِ، أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَبَا أُمَامَةَ، وَوَاثِلَةَ ﵄، يَقُولانِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَرْبَعَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ ﷿ عَوْنُهُمْ: الْغَازِي، وَالْمُتَزَوِّجُ، وَالْمُكَاتِبُ، وَالْحَاجُّ "
1 / 70
وَقَالَ أَبُو الشَّعْثَاءِ: نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِ الْبِرِّ، فَإِذَا الصَّلاةُ تُجْهِدُ الْبَدَنَ دُونَ الْمَالِ، وَالصِّيَامُ كَذَلِكَ، وَالْحَجُّ يُجْهِدُهُمَا، فَرَأَيْتُهُ أَفْضَلَ.
وَكَانَ أَبُو الشَّعْثَاءِ لا يُمَاكِسُ فِي الْكِرَاءِ إِلَى مَكَّةَ، وَلا فِي الرَّقَبَةِ يَشْتَرِيهَا لِلْعِتْقِ، وَلا فِي الْأُضْحِيَةِ، وَقَالَ: لا يُمَاكَسُ فِي شَيْءٍ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ ﷿.
فَصْلٌ
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّكْلِيفَ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ: تَكْلِيفٌ يَتَعَلَّقُ بِعَقْدِ الْقَلْبِ، وَتَكْلِيفٌ يَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ، وَتَكْلِيفٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ، وَلَيْسَ فِي التَّكْلِيفِ قِسْمٌ رَابِعٌ.
فَالصَّلاةُ وَالصَّوْمُ يَجْمَعَانِ سَبَبَيْنِ مِنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، عَقْدُ الْقَلْبِ وَفِعْلُ الْبَدَنِ، وَالزَّكَاةُ تَجْمَعُ سَبَبَيْنِ، عَقْدُ الْقَلْبِ وَإِخْرَاجُ الْمَالِ، وَالْحَجُّ يَجْمَعُ الْأَرْكَانَ الثَّلاثَةَ، فَبَانَ فَضْلُهُ، ثُمَّ إنْهَاكُهُ لِلْبَدَنِ أَشَدُّ، وَإِجْهَادُهُ لِلْمَالِ أَكْثَرُ، وَيَجْمَعُ مُفَارَقَةَ الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ، وَالْمَأْلُوفَاتِ وَاللَّذَّاتِ، وَلِقَاءَ الشَّدَائِدِ، وَهُوَ زِيَارَةُ الْحَقِّ ﷿، ثُمَّ هُوَ حُضُورُ الْبِقَاعِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي سَيَأْتِي ذِكْرُ فَضْلِهَا، وَيَتَضَمَّنُ الدُّخُولَ فِي جُمْلَةِ الْمُخْلِصِينَ، وَالاخْتِلاطَ بِالْأَبْدَالِ وَالصَّالِحِينَ، وَالانْغِمَاسَ فِي دُعَاءِ الْمَقْبُولِينَ.
أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ظَفَرٍ، أَنْبَأَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ دَاوُدَ الدَّيْنَوْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ اللُّؤْلُؤي، وَكَانَ خَيِّرًا فَاضِلا، قَالَ: كُنْتُ فِي البَحْرِ
1 / 71
فَانْكَسَرَتِ الْمَرْكَبُ وَغَرِقَ كُلُّ مَا فِيهِ، وَكَانَ فِي وِطَائِي لُؤْلُؤٌ قِيمَتُهُ أَرْبَعَةُ آلافِ دِينَارٍ.
وَقَرُبَتْ أَيَّامُ الْحَجِّ وَخِفْتُ الْفَوَاتَ، فَلَمَّا سَلَّمَ اللَّهُ ﷿ بِرُوحِي وَنَجَاتِي مِنَ الْغَرَقِ مَشَيْتُ، فَقَالَ لِي جَمَاعَةٌ كَانُوا فِي الْمَرْكَبِ: لَوْ وَقَفْتَ عَسَى يَجِيءُ مَنْ يُخْرِجُ شَيْئًا فَيُخْرِجُ لَكَ مِنْ رَحْلِكَ شَيْئًا، فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ مَا مَرَّ مِنِّي، وَكَانَ فِي وِطَائِي شَيْءٌ قِيمَتُهُ أَرْبَعَةُ آلافِ دِينَارٍ، وَمَا كُنْتُ بِالَّذِي أُوثِرُهُ عَلَى وَقْفَةٍ بِعَرَفَةَ.
فَقَالُوا: وَمَا الَّذِي وَرَّثَكَ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا رَجُلٌ مُولَعٌ بِالْحَجِّ، أَطْلُبُ الرِّبْحَ وَالثَّوَابَ، حَجَجْتُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ وَعَطِشْتُ عَطَشًا شَدِيدًا، فَأَجْلَسْتُ عَدِيلِي فِي وَسَطِ الْمَحْمَلِ، وَنَزَلْتُ أَطْلُبُ الْمَاءَ وَالنَّاسُ عَطِشُوا، فَلَمْ أَزَلْ أَسْأَلُ رَجُلا رَجُلا وَمَحْمَلا مَحْمَلا: مَعَكُمْ مَاءٌ؟ وَإِذَا النَّاسُ شَرْعٌ وَاحِدٌ، حَتَّى صِرْتُ فِي سَاقَةِ الْقَافِلَةِ بِمِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ، فَمَرَرْتُ بِمَصْنَعٍ مُصَهْرَجٍ، فَإِذَا رَجُلٌ فَقِيرٌ جَالِسٌ فِي أَرْضِ الْمَصْنَعِ وَقَدْ غَرَزَ عَصَاهُ فِي أَرْضِ الْمَصْنَعِ، وَالْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ مَوْضِعِ الْعَصَا وَهُوَ يَشْرَبُ، فَنَزَلْتُ إِلَيْهِ، وَشَرِبْتُ حَتَّى رَوِيتُ، وَجِئْتُ إِلَى الْقَافِلَةِ وَالنَّاسُ قَدْ نَزَلُوا، فَأَخْرَجْتُ قِرْبَةً وَمَضَيْتُ فَمَلَأْتُهَا، فَرَآنِيَ النَّاسُ، فَتَبَادَرُوا بِالْقِرَبِ، فَرَوَوْا عَنْ آخِرِهِمْ، فَلَمَّا رَوِيَ النَّاسُ وَسَارَتِ الْقَافِلَةُ جِئْتُ لِأَنْظُرَ وَإِذَا الْبِرْكَةُ مَلْأَى يَلْتَطِمُ مَوَاجُهَا، فَمَوْسِمٌ يَحْضُرُهُ مِثْلُ هَؤُلاءِ، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِمَنْ حَضَرَ الْمَوْقِفَ وَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، أُوثِرُ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ آلافِ دِينَارٍ؟ لا وَاللَّهِ وَلا الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا، وَتَرَكَ اللُّؤْلُؤَ وَجَمِيعَ قُمَاشِهِ قَالَ الشَّيْخُ فَبَلَغَنِي أَنَّ قِيمَةَ مَا كَانَ غَرِقَ لَهُ خَمْسُونَ أَلْفَ دِينَارٍ
1 / 72
بَابُ سَبَبِ تَوَقَانِ النَّفْسِ إِلَى مَكَّةَ
التَّائِقُونَ إِلَى مَكَّةَ عَلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مَنْ تَكُونُ وَطَنًا لَهُ فَيَخْرُجُ عَنْهَا فَيَتُوقُ إِلَى وَطَنِهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ.
وَالثَّانِي: مَنْ يَذُوقُ فِي تَرَدُّدِهِ إِلَيْهَا حَلاوَةَ رِبْحِ الدُّنْيَا، فَذَاكَ تَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَى رِبْحِهِ لا إِلَيْهَا، لَكِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ سَبَبًا تَاقَ إِلَيْهَا.
وَالثَّالِثُ: مَنْ يَكُونُ مَحْصُورًا فِي بَلَدِهِ فَيُحِبُّ النُّزْهَةَ وَالْفُرْجَةَ وَيَرَى مَا يَطْلُبُهُ فِي طَرِيقِهَا، فَيَنْسَى شِدَّةً يَلْقَاهَا لِلَّذَّةِ الَّتِي يَطْلُبُهَا، وَتُبَهْرِجُ نَفْسُهُ عَلَيْهِ: إِنِّي أُحِبُّ الْحَجَّ، وَإِنَّمَا يُحِبُّ الرِّحْلَةَ.
وَالرَّابِعُ: مَنْ تُبْطِنُ نَفْسُهُ الرِّيَاءَ وَتُخْفِيهِ عَنْهُ حَتَّى لا يَكَادَ يُحِسُّ بِهِ، وَذَلِكَ حُبُّهَا لِقَوْلِ النَّاسِ: قَدْ حَجَّ فُلانٌ، ولِتَلَقُّبِهِ وَتَسَمِّيهِ بِالْحَاجِّ، فَهُوَ يَتُوقُ إِلَى ذَلِكَ، وَتُبَهْرِجُ عَلَيْهِ بِحُبِّ الْحَجِّ، وَهَذَا مِنْ دَقَائِقِ الْغُرُورِ فَيَجِبُ الْحَذَرُ مِنْهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّ رَجُلا جَاءَهُ، فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَحُجَّ.
قَالَ: كَمْ مَعَكَ؟ قَالَ: أَلْفَا دِرْهَمٍ.
قَالَ: أَحَجَجْتَ؟ قَالَ: بَلَى.
قَالَ: فَأَنَا أَدُلُّكَ عَلَى أَفْضَلَ مِنَ الْحَجِّ، اقْضِ دَيْنَ مَدِينٍ، فَرِّجْ عَنْ مَكْرُوبٍ.
فَسَكَتَ.
فَقَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: مَا تَمِيلُ نَفْسِي إِلا إِلَى الْحَجِّ.
فَقَالَ: إِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تَرْكَبَ وَتَجِيءَ، وَيُقَالَ: قَدْ حَجَّ.
وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: مَنْ يَعْلَمُ فَضْلَ الْحَجِّ، فَيَتُوقُ إِلَى ثَوَابِ اللَّهِ ﷿، لِأَنَّ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ فِي تِلْكَ الْأَمَاكِنَ يَزِيدُ عَلَى غَيْرِهَا، وَهَذَا هُوَ الْمُؤْمِنُ.
وَالْقِسْمُ السَّادِسُ: تَوَقَانٌ عَامٌّ، لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِلا أَنَّ فِيهِ شَائِبَةً مِنَ الْقِسْمِ الْخَامِسِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الْمُؤْمِنِ، وَهُوَ أَنَّ أَقْوَامًا يَتُوقُونَ وَيَجِدُونَ قَلَقًا لا يَبْعَثُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَيْسَ الْمَكَانُ مُسْتَلَذًّا فِي
1 / 73
نَفْسِهِ فَيُوجِبُ ذَلِكَ الْقَلَقَ، فَهَذَا السِّرُّ الْغَامِضُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى كَشْفٍ.
وَلِهَذَا التَّوَقَانِ ثَلاثَةُ أَسْبَابٍ: أَحَدُهَا: دُعَاءُ الْخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، حِينَ قَالَ: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: تَحِنُّ إِلَيْهِمْ، قَالَ: وَأَرَادَ حُبَّ سُكْنَى مَكَّةَ، وَلَوْ قَالَ: اجْعَلْ أَفْئِدَةَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ؛ لَحَجَّهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، لَكِنَّهُ قَالَ: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] .
وَالثَّانِي: أَنَهُ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْظُرُ إِلَى الْكَعْبَةِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَتَحِنُّ الْقُلُوبُ إِلَيْهَا» .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ تُنْسَخُ فِيهَا الْآجَالُ، وَيُكْتَبُ فِيهَا الْحَاجُّ» .
وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ بِأَرْضِ نَعْمَانَ.
أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، أَنْبَأنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنْبَأَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ يَعْنِي: ابْنَ حَازِمٍ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " أَخَذَ اللَّهُ ﷿ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ، يَعْنِي: عَرَفَةَ، فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قَبْلا، قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ
1 / 74
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ أَوَّلُ وَطَنٍ، وَالنَّفْسُ أَبَدًا تُنَازِعُ إِلَى الْوَطَنِ، وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ هَذَا شَيْءٌ لا تَتَخَايَلُهُ النَّفْسُ، فَكَيْفَ تَشْتَاقُ إِلَيْهِ؟ لِأَنَّ النَّفْسَ قَدْ كَانَتْ فِي أَحْوَالٍ وَتَقَلُّبٍ فَنَسِيَتْ، كَمَا أَنَّ الَإِنْسَانَ قَدْ يَمِيلُ إِلَى شَخْصٍ وَلا يَدْرِي، ثُمَّ يَظْهَرُ بَيْنَهُمَا تَشَاكُلٌ أَوْجَبَ ذَلِكَ وَمُنَاسَبَةٌ، ثُمَّ لَيْسَ نِسْيَانُ النَّفْسِ لِذَلِكَ الْعَهْدِ بِأَعْجَبَ مِنْ نِسْيَانِهَا لِلْعَهْدِ، وَالْأَوْطَانُ أَبَدًا مَحْبُوبَةٌ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمَّا سَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ تَذَكَّرَ مَكَّةَ فِي طَرِيقِهِ، فَاشْتَاقَ إِلَيْهَا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ: " أَتَشْتَاقُ إِلَى بَلَدِكَ وَمَوْلِدِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] ".
أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا أَبِي، أَنْبَأَنَا يُونُسُ، أَنْبَأَنَا حَمَّادٌ يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهِيَ وَبِيئَةٌ فَمَرِضَ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى، يَقُولُ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
قَالَتْ: وَكَانَ بِلالٌ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى، يَقُولُ:
أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلٌ؟
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ؟
اللَّهُمَّ الْعَنْ عُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ مَكَّةَ.
فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا لَقُوا، قَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ صَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ» .
قَالَتْ: فَكَانَ الْمَوْلُودُ يُولَدُ بِالْجُحْفَةِ فَمَا يَبْلُغُ الْحُلُمَ حَتَّى تَصْرَعَهُ
1 / 75
الْحُمَّى.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ
أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو طَاهِرِ بْنُ أَبِي الصَّقْرِ، أَنْبَأَنَا مَكِّيُّ بْنُ أَبِي نَظِيفٍ، أَنْبَأَنَا طَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ زَيْدٍ، أَنْبَأَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، أَنَّ أُصَيْلا الْهُذَلِيَّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، فَقَالَ: «يَا أُصَيْلُ، كَيْفَ تَرَكْتَ مَكَّةَ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: تَرَكْتُهَا وَقَدِ ابْيَضَّتْ بَطْحَاؤُهَا وَاخْضَرَّتْ مِسَلاتُهَا، يَعْنِي: شِعَابَهَا، وَأَمْشَرَ سَلَمُهَا، وَالْإِمْشَارُ: ثَمَرٌ لَهُ حُمْرَةٌ، وَأَعْذَقَ إِذْخِرُهَا، وَالْإِعْذَاقُ: اجْتِمَاعُ أُصُولِهِ، وَأَحْجَنَ ثُمَامُهَا، وَالْإِحْجَانُ: تَعَقُّفُهُ.
فَقَالَ: «يَا أُصَيْلُ! دَعِ الْقُلُوبَ تَقِرُّ، لا تُشَوِّقْهُمْ إِلَى مَكَّةَ»
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ دَلِيلَ حُبِّ الْوَطَنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] .
فَسَوَّى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْأَوْطَانِ.
وَأَوْصَى الْإِسْكَنْدَرُ إِذَا مَاتَ أَنْ يُحْمَلَ إِلَى بَلَدِهِ حُبًّا لِوَطَنِهِ.
1 / 76