قال: طب نفسا، فسوف أزيل الخصومة وآخذ مقابل ذلك أجرا حلالا لك نصفه.
فتهلل القائمقام وقال: «حقا إنكم أنتم أهل البلاد تزيدوننا نهما وشرها، ثم تقولون: إن الأتراك يرتشون. والله لو لم تفتح عيني الآن لصرفت الأمر بالحزم، وأرضيت ضميري، وأرحت البلاد والعباد، أو تركت الوظيفة لسواي.»
فقال شاكر أفندي: لكنك لو فعلت ذلك «لقطعت رزقنا»، وأوقعت الضرر بنفسك، فلو كان أهل البلاد على شيء من الحكمة، لما وقع بينهم مثل هذه الحوادث المؤلمة، ولكنه صح فيهم القول المأثور «كيفما تكونون يولى عليكم.» والآن ما لنا ولذلك، فأنا ذاهب وسأعود إليك بعد ساعتين، وقد اتفقت مع المسيحيين على أن أصرف لهم هذه المسألة التي آلمتك كثيرا؛ لأنها وقعت في عهدك، وهكذا أفعل بالمسلمين بعد ذلك فتكون موضع الشكران، وأكون أنا من الرابحين.
وهكذا تم الصلح بين الطائفتين ظاهرا، وبقيت الحزازات في الصدور، وانصرف كل من الخصمين وهو أشد حقدا على خصمه مما كان.
الشيخ صالح والصلح
عرف الشيخ صالح بما تم، وما كان من دخائل القائمقام فأرغى وأزبد، وقال: يا للعار! أيقتل الأبرياء، وتيتم الأطفال، وتحول القرى الآمنة إلى معاقل للصوص والقتلة السفاحين، ثم يتهم الأبرياء ويسجنون ويبقى الجاني حرا طليقا، وينتهي الأمر بأن يأخذ الحاكم أجرا على ما كان، إن ذلك لمنتهى الظلم فإن الحاكم الذي لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ليستحق أشد العقاب وحقت عليه لعنة الله واحتقار الناس أجمعين. ثم ركب الشيخ جوادا وسار إلى زحلة فقصد منزل صديقه سمعان إلياس وقابله مقابلة طويلة، وعلم منه أنه مثله مستاء مما كان، عالم ببواطن الأمور ودخائل القائمقام.
فقال: إذن كيف يسكت المسيحيون عن هذا المجرم الذي يدبر أمور الناس؟ قال: وما يفعلون وهم لم يعلموا بما كان حتى انتهت المسألة، وأخذ الناس يتقولون بها وليس من يستطيع أن يتفوه بشيء ضده؛ لأنه لم يثبت على القائمقام شيء وإذا رفع أحد دعوى عليه عرض نفسه لانتقامه وللمحاكمة أمام محاكم قضاتها أكثرهم ليس بأعدل من القائمقام ولا بأكثر منه نزاهة، فكان نصيب الشاكين منه نصيب المجرمين المعتدين.
فقال الشيخ: «لا أرى رأيك وأنا أود أن أجتمع بفريق من عقلاء المسيحيين الذين يهمهم العدل ويسعون إلى الصلاح.» فكان له ما أراد واجتمع في ذلك المساء بعدد من كبار مسيحيي المعلقة وزحلة، وكانوا كلهم حاقدين على المتاولة لما جرى، وظنوا الشيخ من أولئك الذين يسعون في التوسط للمجرمين؛ تخفيفا لعقابهم أو طمعا بنيل بعض المال منهم، فحينما قابلوه كانوا ينظرون إليه نظرة الريبة والحذر.
فأخذ الشيخ يوبخهم لسكوتهم على ظلم الحكام؛ لأن ذلك علة فساد الأحكام، قالوا: ماذا تريد إذن؟
قال: اسمعوا وعوا ولا تقاطعوا حديثي قبلما آتي على آخره «أنتم وجهاء البلاد، ولا أقول وجهاء المسيحيين فقط؛ لأنه لا يجب أن يكون في المعاملات مسيحي ومسلم، بل الكل سواء، فلو رأيتم أن الظلم حاق بكم لوجب أن تقوموا في وجه الظالم، فإذا خشيتم صولته فاجمعوا العقلاء من أهل الرأي في البلاد وخاطبوهم في الأمر، وارفعوا عرائض الشكوى بذلك إلى أولي الأمر موجهين أنظار الحكومة إلى خطر الحالة، فإن أجابوكم فبه وإلا ...» وهنا وقف أحد الحاضرين، وقال: ما العمل إذا كان الظلم من الحكومة نفسها، وهي مسلمة تنظر إلينا كأننا غرباء عنها أعداء البلاد؟
Bog aan la aqoon