ترى من كان صاحب فكرة العلاقة بين شورتي وفراني ماكجيل؟ ربما تحدى بعض الفتيان الأكبر سنا شورتي لفعل ذلك، أو لعله هو من تباهى بذلك وتحداهم. الأمر المؤكد هو أن فراني لم تكن هي صاحبة الفكرة. فكان لا بد من القبض عليها أو محاصرتها لفعل ذلك الأمر. ولا يمكن، في الواقع، وصف الأمر هنا بالقبض عليها؛ إذ إنها ما كانت لتهرب، أو بالأحرى ما كانت لتثق في إمكانية هروبها، لكنها، مع ذلك، أظهرت عدم رغبتها فيما كان يحدث، وكان لا بد من جرها ثم دفعها لأسفل حيث أراد المعتدون عليها. هل كانت تعلم ما كان سيحدث؟ كانت تعلم، على الأقل، أن ما يدبره الآخرون لم يكن حسنا.
عندما كانت فراني ماكجيل طفلة صغيرة دفعها والدها المخمور بقوة قبالة الحائط. هذا ما روته فلو. وثمة رواية أخرى تشير إلى أن فراني سقطت مخمورة من إحدى العربات، وركلها أحد الخيول. وفي كلتا الحالتين، كانت النتيجة هي تهشم أجزاء من جسدها، لا سيما وجهها الذي تأثر على أسوأ نحو؛ فالتوى أنفها، الأمر الذي جعل من كل نفس تتنفسه خنة طويلة قابضة للصدر. هذا فضلا عن تكوم بعض أسنانها فوق بعض، ما حال دون إغلاقها لفمها ومنعها تماما من التحكم في كمية البصاق الصادر عنها. كانت بيضاء، نحيلة، متثاقلة الخطى، وجلة كسيدة عجوز. أودعت بالصف الثاني أو الثالث في المدرسة، وكان بإمكانها القراءة والكتابة قليلا، لكنها نادرا ما طلب منها ذلك. ربما لم تكن بالغباء الذي اعتقده الجميع، لكنها كانت مندهشة ومتحيرة دوما بسبب ما تعرضت له دوما من مضايقات مستمرة. ومع كل ذلك، كان ثمة شيء يوحي بالأمل بداخلها؛ فكانت تتبع أي شخص لا يهاجمها أو يعتدي عليها على الفور؛ وتقدم له قطعا من أقلام الألوان أو كرات من العلكة الممضوغة التي تنزعها من المقاعد والمكاتب. لذا، كان من الضروري على أي أحد تلتقي عيناه بعينيها صدها بحزم، والتجهم في وجهها على نحو تحذيري. «ارحلي يا فراني. ارحلي وإلا لكمتك. سألكمك. أعني ما أقول.»
استمر استغلال شورتي، والآخرين، لفراني. وكانت تحمل، ثم تؤخذ بعيدا، ثم تعود وتحمل ثانية، ثم تؤخذ بعيدا، ثم تعود وتحمل، وهلم جرا. أثيرت الأحاديث حول إعقامها مع تحمل نادي ليونز نفقة العملية، أو حبسها في المنزل، إلى أن توفيت فجأة بداء الالتهاب الرئوي لتحل بنفسها تلك المشكلة. راودت روز صورة فراني لاحقا، كلما مرت بشخصية العاهرة البلهاء طيبة السريرة في أي كتاب أو فيلم سينمائي. يبدو أن مؤلفي الكتب والأفلام لديهم ولع بهذه الشخصية، وإن لاحظت روز أنهم يقدمونها دوما في صورة نظيفة. واعتقدت روز أن هؤلاء المؤلفين يدلسون الواقع بعدم تصويرهم النفس المتثاقل والبصاق والأسنان المشوهة؛ لقد كانوا يرفضون التعبير عن تلك الملامح المقززة المثيرة للشهوة الجنسية، وذلك في ظل تعجلهم لمكافأة أنفسهم بفكرة الوجوه الخالية من التعابير، والترحيب الخالي من أي تمييز.
لم يكن ترحيب فراني بشورتي بريئا للغاية على أية حال؛ فكانت تصدر أصوات عواء بلغمية متحشرجة بسبب مشكلات التنفس التي كانت تعاني منها. وهي تهز ساقا واحدة، وإما أن يخرج من قدميها أحد حذاءيها، أو أنها لم تكن ترتدي حذاء في الأساس. كل ما استطاعت روز أن ترى منها هو ساقها البيضاء وقدمها الحافية بأصابعها الموحلة، وهو ما بدا أكثر طبيعية وقوة واحتراما للذات مما يليق بفراني ماكجيل. كانت صغيرة الحجم، ما سمح بدفع الحشود لها إلى الخلف. أحاط بها الصبية الكبار، وهم يصيحون صيحات تشجيعية، والفتيات الكبيرات كن يحمن بالخلف أيضا، وهن يقهقهن. أثار ذلك اهتمام روز، لكنه لم يفزعها؛ فالاعتداء على فراني لم يكن بالأمر المهم، وليس بالأثر نفسه الذي يكون عليه الاعتداء على أي شخص آخر؛ فلم يكن سوى انتهاك آخر من الانتهاكات التي تتعرض لها.
وعندما كانت روز تخبر الناس بهذه الأمور، بعد ذلك الحين بسنوات، كانوا يتأثرون بشدة، وكان عليها أن تقسم بأن ما تقوله صحيح، وأنها لا تبالغ. وقد كان صحيحا بالفعل، لكن أثره كان مختلفا في كل مرة. بدت أيام دراسة روز بالمدرسة بائسة، ولا بد أنها كانت تعيسة آنذاك، لكنها لم تكن كذلك؛ فقد تعلمت؛ تعلمت كيفية التصرف في المشاجرات الكبيرة التي شهدتها المدرسة مرتين أو ثلاث مرات في العام. وكانت تميل للحيادية، الأمر الذي كان خطأ فادحا؛ إذ كان يمكن أن يثير طرفي النزاع كليهما ضدها. وما ينبغي فعله في هذه الحالات هو التحالف مع أفراد يعيشون بالقرب من المرء كي لا يتعرض لخطر هائل أثناء سيره عائدا إلى المنزل. لم تعلم روز قط السبب وراء تلك الصراعات، ولم تتمتع بطبيعتها بالقدرة اللازمة للاشتراك فيها، ولم تفهم في الواقع ضرورة ذلك. فكانت تفاجأ دائما بكرة ثلج، أو حجر، أو حصاة تسدد إليها من الخلف. علمت روز أن حالها لن يتحسن أبدا، ولن تصل أبدا إلى أي موقع آمن - هذا إن كان هناك أي موقع آمن على الإطلاق - في عالم المدرسة الذي كانت تعيش فيه. مع ذلك، لم تكن روز تعسة، فيما عدا ما يتعلق بعدم تمكنها من قضاء حاجتها بدورة المياه. إن تعلم مواصلة العيش - بغض النظر عما يصاحب ذلك من جبن وحذر، ومن صدمات وهواجس - لا يعني التعاسة، وإنما هو أمر مثير للغاية.
تعلمت روز تفادي فراني؛ تعلمت عدم الاقتراب من قبو المدرسة حيث كانت جميع النوافد مكسورة وسوداء، والماء يتقطر من كل جانب كالكهف؛ وتجنب المكان المظلم الموجود تحت درجات السلم وذلك الموجود بين أكوام الحطب. تعلمت روز، أيضا، ألا تلفت انتباه الصبية الأكبر سنا إليها بأي شكل من الأشكال، والذين بدوا في عيونها ككلاب مسعورة؛ إذ كانوا على القدر نفسه من السرعة والقوة والتقلب والاغتباط في هجومهم كهذه الكلاب.
من الأخطاء التي ارتكبتها روز في وقت مبكر من حياتها، وما كانت لترتكبها لاحقا، إخبارها فلو الحقيقة بدلا من أن تكذب عليها عندما عرقلها أحد الصبية الأكبر سنا من بلدة موري الفرنسية، وأمسك بها أثناء نزولها على سلم الحريق، ممزقا كم المعطف الواقي من المطر الذي كانت ترتديه من ناحية الإبط. فما كان من فلو إلا أن ذهبت إلى المدرسة لإثارة زوبعة من الاحتجاجات (على حد تعبيرها)، فسمعت شهودا يقسمون بأن روز هي التي مزقت كم معطفها بأحد المسامير. كانت المعلمة متجهمة الوجه، ولم تقدم نفسها، وأشارت إلى أن زيارة فلو غير مرغوب فيها. فلم يكن أولياء الأمور ليذهبوا إلى المدرسة في هانراتي الغربية؛ إذ اتسمت الأمهات بالتعصب في شجارهن؛ فكن يقفن خلف بوابات المدارس ويصحن، وكان بعضهن يندفعن لشد الشعر ورشق الحصى بأنفسهن، هذا فضلا عن إساءتهن للمعلمة سرا بإرسال أطفالهن إلى المدرسة وتوصيتهم بعدم الاستماع إليها مطلقا. لكنهن ما كن ليتصرفن على النحو الذي تصرفت به فلو، ما كانت أقدامهن لتطأ أرض المدرسة، وما كن ليرفعن الشكوى إلى هذا المستوى، فما كن ليصدقن أبدا - مثلما صدقت فلو على ما يبدو (وهنا كانت المرة الأولى التي تراها فيها روز غير مدركة للأمور ومخطئة) - أن المعتدين يمكن أن يعترفوا أو يسلموا للعدالة، أو أن العدالة يمكن أن تتخذ أية صورة أخرى غير تمزيق معطف أحد الصبية الفرنسيين في غرفة إيداع القبعات والمعاطف، كنوع من التخريب.
قالت فلو إن المعلمة لا تدرك مهام وظيفتها.
لكنها كانت تعلم هذه المهام؛ بل وتعلمها جيدا أيضا؛ فكانت تغلق الباب في فترات الراحة، وتدع ما يحدث في الخارج يحدث، أيا كان. لم تحاول يوما استدعاء الصبية الكبار من القبو أو من على سلم الحريق، فكانت تأمرهم بتقطيع الحطب اللازم لإشعال الموقد، وملء دلو مياه الشرب؛ وفيما عدا ذلك، كانوا أحرارا في فعل ما يشاءون. لم يمانع أولئك الصبية في تقطيع الخشب أو ضخ المياه، لكنهم كانوا يحبون غمر الناس بالماء شديد البرودة، وأوشكوا على ارتكاب جرائم قتل باستخدام بلطة تقطيع الخشب. لقد كان السبب وراء وجودهم في المدرسة هو عدم وجود مكان آخر يذهبون إليه. فبالرغم من بلوغهم من العمر السن القانونية التي تسمح لهم بالعمل، لم تكن هناك وظائف متاحة لهم. أما الفتيات الأكبر سنا، فكان بإمكانهن الحصول على وظائف، كخادمات على الأقل. لذا، لم تواصل أي منهن دراستها في المدرسة، إلا إذا كن يخططن لخوض امتحان القبول بالمدرسة الثانوية، أملا منهن في الحصول على وظائف يوما ما في المتاجر أو البنوك. وبعضهن حقق ذلك بالفعل. في أماكن مثل هانراتي الغربية، كان من الأيسر على الفتيات الترقي في حياتهن على عكس الصبية.
كانت المعلمة تشغل الفتيات الأكبر سنا - غير أولئك اللاتي كن في فصل التأهيل للمدرسة الثانوية - بالتحكم في الأطفال الأصغر سنا، بتدليلهم أو صفعهم، وتصحيح أخطاء التهجية لديهم، والتقاط أي شيء قد يكون ذا أهمية في نظر أولئك الفتيات لاستخدامهن الخاص، مثل علب الأقلام الرصاص، وأقلام الألوان الجديدة، والحلي التي يحصلون عليها داخل أكياس كراكر جاك. وما كان يحدث في غرفة إيداع القبعات والمعاطف من سرقة حقائب الطعام، أو تمزيق المعاطف، أو خلع البنطالات لم تعتبره المعلمة من شأنها.
Bog aan la aqoon