مقدّمة [التحقيق]
الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين في كل حين، وعليه نتوكل وإليه ننيب، نحمده حمد المقر بنعمه المستغفر لذنبه، الراغب بقربه، الراجي لعفوه ﷾ هو الغفور الرحيم.
والصلاة والسلام على المصطفى من العرب والعجم من باتّباع دعوته ننجو من النّقم، نبي الرحمة، البشير النذير والسراج المنير، والداعي إلى الله بإذنه، من أرسله الله بدين الهدى والحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، النبيّ الأميّ الطاهر الأمين، سيد ولد آدم، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد عزيزي القارىء.
امتاز الأدب العربي عن سواه من الآداب العالمية بمصنفات جمع فيها مؤلفوها مادة أدبية ليست من إنتاجهم، وأشعارا ليست من نظمهم.
وقد تنوعت هذه المصنفات، فمنها ما اختص بالشعر الجاهلي مثلا، كجمع الزوزني للمعلقات وشرحها، ومنها من اختص بشعر الحماسة كحماسة أبي تمام، ومنها ما اختص بجمع طرائف أخبار النحويين أو الأعراب أو اللغة، أو ما استعجم من الألفاظ. إلخ ...، ومنها ما اختص بجمع أخبار فئة معينة ككتب الجاحظ.
إلا أن هذه الجمع والتصنيف الذي اصطبغ في أكثره بصبغة معجمية تبعه جمع آخر وتصنيف مختلف، فظهرت في فترة لاحقة مصنفات جمعت من كل باب من أبواب الأدب أطرفه ومن كل فن أظرفه.
وقد اختار كل مؤلف ومصنف منهجا عمل من خلاله، لذلك نجد أنه رغم كثرة المصنفات في هذا اللون من ألوان الأدب فإن لكل منها نكهة مختلفة وفي كلّ منها مادة جديدة لم تذكرها المصنّفات الأخرى، مما يجعل كل مصنف منها فريدا في بابه، لا يغني عن سواه ولا يغني سواه عنه.
إلا أن أقرب هذه المصنفات إلى قلوب القراء عبر العصور، وأكثرها تداولا هو كتاب «المستطرف في كل فن مستظرف» الذي أعده وجمع مادته وألّف بين أخباره ونوادره وحكمه ومواعظه شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الأشبيهي.
ولقد لقي هذا الكتاب من عناية المحققين المعاصرين ما جعله يصدر في طبعات كثيرة تتفاوت في قيمتها ودقتها لرغبة القراء في اقتنائه ورغبة الناشرين بإصداره.

1 / 5

لذا رأينا أنه لا بد من تحقيقه على أصول معتمدة لتنقيته من شوائب الأخطاء والتصحيف التي امتلأت بها طبعاته المختلفة، وأنه لا بد أن نقوم على تصحيحه بأنفسنا لكي لا تفسد أخطاء التنضيد ما أصلحناه من شوائب النسخ والتصحيف.
ولم نكتف بذلك، فالكتاب صار في متناول كل يد وكل أسرة، وكل فرد من أفراد الأسرة، وما يقرأه البعض ويستحسنه لا يصح أن يقرأه الكل، وفي الكتاب من الشعر ما لا يستحب نشره فكيف بقراءته لذا قمنا بتهذيب الكتاب وتنقيته فحذفنا ما وجب حذفه دون أن نخل بترتيب الأبواب أو الفصول وهذبنا ما وجب تهذيبه دون أن نفقد الطرفة طرافتها ولا الخبر ظرفه ولا الحكاية معناها وفحواها وهدفها، ثم شرحنا ما يدق معناه ويستغرب لفظه فلم نغرق في شروح تبعد الكتاب عن مقصده ككتاب لإمتاع الأسماع بما لذ وطاب من طرائف الأخبار والأشعار، ويحوله إلى كتاب تعليمي بحت.
إن كل كتاب أدبي هو شاهد على العصر الذي ألّف فيه، وكتاب المستظرف، شاهد على عصره في أخباره وطرائفه ونوادره وأشعاره، وهو مع ذلك ما يزال حيّا يقرأ في كل عصر وكأنه كتب بالأمس القريب.
نأمل أن يحقق الجهد الذي أوليناه لهذا الكتاب غايته، والاهتمام الذي بذلناه هدفه، بنيل إعجاب وتقدير وتشجيع القارىء العزيز، على الله توكلنا وإليه أنبنا هو نعم المولى ونعم النصير.
سعيد محمد اللحام

1 / 6

[مقدمة التأليف]
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الملك العظيم العلي الكبير، الغني اللطيف الخبير، المنفرد بالعز والبقاء، والإرادة والتدبير، الحي العليم الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، تبارك الذي بيده الملك، وهو على كل شيء قدير، أحمده حمد عبد معترف بالعجز والتقصير، وأشكره على ما أعان عليه على قصد ويسر من عسير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مشير، ولا ظهير له ولا وزير، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله البشير النذير السراج المنير، المبعوث إلى كافة الخلق من غني وفقير، ومأمور وأمير، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه صلاة يفوز قائلها من الله بمغفرة وأجر كبير، وينجو بها في الآخرة من عذاب السعير، وحسبنا الله ونعم الوكيل فنعم المولى ونعم النصير.
أمّا بعد: فقد رأيت جماعة من ذوي الهمم، جمعوا أشياء كثيرة من الآداب والمواعظ والحكم، وبسطوا مجلدات في التواريخ والنوادر، والأخبار، والحكايات، واللطائف، ورقائق الأشعار، وألفوا في ذلك كتبا كثيرة، وتفرد كل منها بفرائد فوائد لم تكن في غيره من الكتب محصورة، فاستخرت الله تعالى وجمعت من جموعها هذا المجموع اللطيف، وجعلته مشتملا على كل فن ظريف، (وسميته المستطرف، في كل فن مستظرف) واستدللت فيه بآيات كثيرة من القرآن العظيم. وأحاديث صحيحة من أحاديث النبي الكريم، وطرزته بحكايات حسنة عن الصالحين الأخيار، ونقلت فيه كثيرا مما أودعه الزمخشري في كتابه «ربيع الأبرار» وكثيرا مما نقله ابن عبد ربه في كتابه «العقد الفريد» ورجوت أن يجد مطالعه فيه كل ما يقصد ويريد، وجمعت فيه لطائف وظرائف عديدة، من منتخبات الكتب النفيسة المفيدة، وأودعته من الأحاديث النبوية، والأمثال الشعرية، والألفاظ اللغوية، والحكايات الجدية، والنوادر الهزلية، ومن الغرائب والدقائق، والأشعار والرقائق، ما تشنف بذكره الأسماع وتقر برؤيته العيون، وينشرح بمطالعته كل قلب محزون (شعر) .
من كلّ معنى يكاد الميت يفهمه ... حسنا ويعشقه القرطاس والقلم
وجعلته يشتمل على أربعة وثمانين بابا من أحسن الفنون، متوجة بألفاظ كأنها الدر المكنون، كما قال بعضهم شعرا في المعنى:
ففي كل باب منه درّ مؤلف ... كنظم عقود زيّنتها الجواهر
فإن نظم العقد الذي فيه جوهر على غير تأليف فما الدرّ فاخر وضمنته كل لطيفة، ونظمته بكل ظريفة، وقرنت الأصول فيه بالفصول، ورجوت أن يتيسر لي ما رمته من الوصول. وجعلت أبوابه مقدمة، وفصلتها في مواضعها مرتبة منظمة، ليقصد الطالب إلى كل باب منها عند الاحتياج إليه، ويعرف مكانه بالاستدلال عليه، فيجد كل معنى في بابه إن شاء الله تعالى والله المسؤول في تيسير المطلوب، وأن يلهم الناظر فيه ستر ما يراه من خلل وعيوب، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، وهذه فهرست الكتاب والله سبحانه المهون للصعاب.
(الباب الأول) في مباني الإسلام: وفيه خمسة فصول، (الباب الثاني) في العقل والذكاء والحمق والذم وغير ذلك. (الباب الثالث) في القرآن العظيم وفضله وحرمته وما أعد الله تعالى لقارئه من الثواب العظيم، والأجر الجسيم. (الباب الرابع) في العلم والأدب وفضل العالم والمتعلم. (الباب الخامس) في الآداب والحكم وما أشبه ذلك. (الباب السادس) في الأمثال السائرة وفيه فصول.
(الباب السابع) في البيان والبلاغة والفصاحة، وذكر الفصحاء من الرجال والنساء، وفيه فصول. (الباب الثامن) في الأجوبة المسكتة والمستحسنة، ورشقات اللسان وما جرى مجرى ذلك. (الباب التاسع) في ذكر الخطب والخطباء، والشعراء، وسرقاتهم، وكبوات الجياد،

1 / 7

وهفوات الأمجاد. (الباب العاشر) في التوكل على الله تعالى، والرضا بما قسم والقناعة، وذم الحرص والطمع، وما أشبه ذلك وفيه فصول، (الباب الحادي عشر) في المشورة والنصيحة، والتجارب، والنظر في العواقب.
(الباب الثاني عشر) في الوصايا الحسنة، والمواعظ المستحسنة، وما أشبه ذلك. (الباب الثالث عشر) في الصمت وصون اللسان، والنهي عن الغيبة والسعي بالنميمة، ومدح العزلة وذم الشهرة، وفيه فصول. (الباب الرابع عشر) في الملك والسلطان وطاعة ولاة أمور الإسلام، وما يجب للسلطان على الرعية، وما يجب لهم عليه. (الباب الخامس عشر) فيما يجب على من صحب السلطان والتحذير من صحبته. (الباب السادس عشر) في الوزراء وصفاتهم وأحوالهم، وما أشبه ذلك. (الباب السابع عشر) في ذكر الحجاب والولاية، وما فيها من الغرور والخطر. (الباب الثامن عشر) فيما جاء في القضاء وذكر القضاة، وقبول الرشوة والهدية على الحكم، وما يتعلق بالديون، وذكر القصاص والمتصوفة وفيه فصول، (الباب التاسع عشر) في العدل والإحسان والإنصاف، وغير ذلك. (الباب العشرون) في الظلم وشؤمه وسوء عواقبه، وذكر الظلمة وأحوالهم وغير ذلك. (الباب الحادي والعشرون) في بيان الشروط التي تؤخذ على العمال، وسيرة السلطان في استجباء الخراج وأحكام أهل الذمة وفيه فصلان. (الباب الثاني والعشرون) في اصطناع المعروف، وإغاثة الملهوف، وقضاء الحوائج للمسلمين، وإدخال السرور عليهم. (الباب الثالث والعشرون) في محاسن الأخلاق ومساويها. (الباب الرابع والعشرون) في حسن المعاشرة، والمودة، والأخوة، والزيارة، وما أشبه ذلك. (الباب الخامس والعشرون) في الشفقة على خلق الله تعالى والرحمة بهم، وفضل الشفاعة وإصلاح ذات البين، وفيه فصلان. (الباب السادس والعشرون) في الحياء والتواضع، ولين الجانب وخفض الجناح، وفيه فصلان: (الباب السابع والعشرون) في العجب والكبر والخيلاء، وما أشبه ذلك. (الباب الثامن والعشرون) في الفخر والمفاخرة والتفاضل والتفاوت. (الباب التاسع والعشرون) في الشرف والسؤدد وعلو الهمة. (الباب الثلاثون) في الخير والصلاح، وذكر السادة الصحابة وذكر الأولياء والصالحين، ﵃ أجمعين. (الباب الحادي والثلاثون) في مناقب الصالحين وكرامات الأولياء، ﵃. (الباب الثاني والثلاثون) في ذكر الأشرار والفجّار، وما يرتكبون من الفواحش والوقاحة والسفاهة. (الباب الثالث والثلاثون) في الجود والسخاء والكرم، ومكارم الأخلاق واصطناع المعروف، وذكر الأمجاد وأحاديث الأجواد. (الباب الرابع والثلاثون) في البخل والشح وذكر البخلاء، وأخبارهم وما جاء عنهم.
(الباب الخامس والثلاثون) في الطعام وآدابه والضيافة وآداب المضيف والضيف، وأخبار الأكلة وما جاء عنهم وغير ذلك. (الباب السادس والثلاثون) في العفو والحلم والصفح، وكظم الغيظ، والاعتذار وقبول المعذرة، والعتاب، وما أشبه ذلك. (الباب السابع والثلاثون) في الوفاء بالوعد وحسن العهد ورعاية الذمم. (الباب الثامن والثلاثون) في كتمان السر وتحصينه، وذم إفشائه. (الباب التاسع والثلاثون) في الغدر والخيانة والسرقة والعداوة والبغضاء والحسد، وفيه فصول. (الباب الأربعون) في الشجاعة وثمرتها والحروب وتدبيرها وفضل الجهاد.
وشدة البأس والتحريض على القتال، وفيه فصول. (الباب الحادي والأربعون) في ذكر أسماء الشجعان، ذكر الأبطال وطبقاتهم وأخبارهم، وذكر الجبناء وأخبارهم، وذم الجبن. (الباب الثاني والأربعون) في المدح والثناء وشكر النعمة، والمكافأة، وفيه فصول. (الباب الثالث والأربعون) في الهجاء ومقدماته. (الباب الرابع والأربعون) في الصدق والكذب، وفيه فصلان. (الباب الخامس والأربعون) في بر الوالدين وذم العقوق وذكر الأولاد وما يجب لهم وعليهم، وصلة الرحم والقرابات، وذكر الأنساب، وفيه فصول. (الباب السادس والأربعون) في الخلق وصفاتهم وأحوالهم، وذكر الحسن والقبح والطول والقصر والألوان واللباس، وما أشبه ذلك.
(الباب السابع والأربعون) في ذكر الحلي والمصوغ والطيب والتطييب، وما جاء في التختم. (الباب الثامن والأربعون) في الشباب والشيب والصحة والعافية وأخبار المعمرين، وما أشبه ذلك، وفيه فصول. (الباب التاسع والأربعون) في الأسماء والكنى والألقاب، وما استحسن منها. (الباب الخمسون) في الأسفار والاغتراب، وما قيل في الوداع والفراق والحث على ترك الإقامة بدار الهوان، وحب الوطن والحنين إلى الأوطان. (الباب الحادي والخمسون) في ذكر الغنى وحب المال والافتخار بجمعه.
(الباب الثاني والخمسون) في ذكر الفقر ومدحه. (الباب الثالث والخمسون) في ذكر التلطف في السؤال، وذكر من سئل فجاد. (الباب الرابع والخمسون) في ذكر الهدايا

1 / 8

والتحف، وما أشبه ذلك. (الباب الخامس والخمسون) في العمل والكسب والصناعات والحرف، والعجز والتواني وما أشبه ذلك. (الباب السادس والخمسون) في شكوى الزمان وانقلابه بأهله، والصبر على المكاره، والتسلي عن نوائب الدهر، وفيه ثلاثة فصول. (الباب السابع والخمسون) فيما جاء في اليسر بعد العسر والفرج بعد الشدة، والسرور بعد الحزن، ونحو ذلك. (الباب الثامن والخمسون) في ذكر العبيد والإماء والخدم، وفيه فصلان.
(الباب التاسع والخمسون) في أخبار العرب، وذكر غرائب من عوائدهم وعجائب أمرهم. (الباب الستون) في الكهانة والقيافة والزجر والعرافة والفأل والطيرة والفراسة والنوم والرؤيا. (الباب الحادي والستون) في الحيل والخدائع المتوصل بها إلى بلوغ المقاصد، والتيقظ والتبصر، ونحو ذلك. (الباب الثاني والستون) في ذكر الدواب والوحوش والطير والهوام والحشرات، مرتبا على حروف المعجم.
(الباب الثالث والستون) في ذكر نبذة من عجائب المخلوقات وصفاتهم. (الباب الرابع والستون) في خلق الجان وصفاتهم (الباب الخامس والستون) في ذكر البحار وما فيها من العجائب، وذكر الأنهار والآبار، وفيه فصول.
(الباب السادس والستون) في ذكر عجائب الأرض وما فيها من الجبال والبلدان وغرائب البنيان، وفيه فصول. (الباب السابع والستون) في ذكر المعادن والأحجار وخواصها.
(الباب الثامن والستون) في ذكر الأصوات والألحان وذكر الغناء واختلاف الناس، ومن كرهه واستحسنه. (الباب التاسع والستون) في ذكر المغنين والمطربين وأخبارهم، ونوادر الجلساء في مجالس الخلفاء. (الباب السبعون) في ذكر القينات والأغاني. (الباب الحادي والسبعون) في ذكر العشق ومن بلي به، والافتخار به والعفاف، وأخبار من مات بالعشق، وما في معنى ذلك، وفيه فصول. (الباب الثاني والسبعون) في ذكر رقائق الشعر والمواليا والدوبيت، وكان وكان، والموشحات، والزجل، والقومة، والألغاز، ومدح الأسماء والصفات، وفيه فصول. (الباب الثالث والسبعون) في ذكر النساء وصفاتهن ونكاحهن وطلاقهن، وما يمدح وما يذم من عشرتهن، وفيه فصول، (الباب الرابع والسبعون) في ذم الخمر وتحريمها والنهي عنها. (الباب الخامس والسبعون) في المزاح والنهي عنه، وما جاء في الترخيص فيه، والبسط والتنعم، وفيه فصول. (الباب السادس والسبعون) في النوادر والحكايات، وفيه فصول. (الباب السابع والسبعون) في الدعاء وآدابه وشروطه، وفيه فصول.
(الباب الثامن والسبعون) في القضاء والقدر وأحكامهما والتوكل على الله تعالى. (الباب التاسع والسبعون) في التوبة وشروطها والندم والاستغفار. (الباب الثمانون) في ذكر الأمراض والعلل والطب والدواء، والسنة والعيادة وثوابها، وما أشبه ذلك، وفيه فصول. (الباب الحادي والثمانون) في ذكر الموت وما يتصل به من القبر وأحواله.
(الباب الثاني والثمانون) في الصبر والتأسي والتعازي والمراثي ونحو ذلك وفيه فصول (الباب الثالث والثمانون) في ذكر الدنيا وأحوالها وتقلبها بأهلها والزهد فيها، ونحو ذلك. (الباب الرابع والثمانون) في فضل الصلاة على النبي ﷺ وهو آخر الأبواب، ختمتها بالصلاة على سيد العباد. أرجو بذلك شفاعته ﷺ يوم المعاد.

1 / 9

بسم الله الرّحمن الرّحيم
الباب الأول في مباني الإسلام
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول في الإخلاص لله تعالى والثناء عليه
وهو أن تعلم أن الله تعالى واحد لا شريك له. فرد لا مثل له. صمد لا ند له. أزلي قائم، أبدي دائم، لا أول لوجوده، ولا آخر لأبديته. قيوم لا يفنيه الأبد، ولا يغيره الأمد، بل هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، منزه عن الجسمية لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
«١»، وهو فوق كل شيء، فوقيته لا تزيده بعدا عن عباده، وهو أَقْرَبُ
إلى العبيد مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
«٢»، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
«٣»، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
«٤»، لا يشابه قربه قرب الأجسام، كما لا تشابه ذاته ذوات الأجرام «٥»، منزه عن أن يحده زمان، مقدس عن أن يحيط به مكان، تراه أبصار الأبرار في دار القرار، على ما دلت عليه الآيات والأخبار، حيّ قادر جبار قاهر لا يعتريه عجز ولا قصور، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
«٦»، له الملكوت والعزة والجبروت، خلق الخلق وأعمالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا تحصى مقدوراته «٧»، ولا تتناهى معلوماته، عالم بجميع المعلومات، لا يعزب عنه «٨» مثقال ذرة في الأرض ولا في السموات، يعلم السر وأخفى «٩»، ويطلع على هواجس الضمائر وخفيات السرائر، مريد للكائنات، مدبر للحادثات، لا يجري في ملكه قليل ولا كثير، ولا جليل ولا حقير، خير أو شر، نفع أو ضر، إلا بقضائه وقدره وحكمه ومشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فهو المبدىء المعيد «١٠»، الفاعل لما يريد، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، ولا مهرب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته، ولا قوة له على طاعته إلا بمحبته وإرادته. لو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته لعجزوا «١١» . سميع بصير متكلم بكلام لا يشبه كلام خلقه، وكل ما سواه ﷾، فهو حادث أوجده بقدرته، وما من حركة ولا سكون إلا وله في ذلك حكمة دالة على وحدانيته، قال الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
«١٢» الآية. وقال أبو العتاهية:
فيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد
ولله في كلّ تحريكة ... وتسكينة في الورى شاهد
وقال غيره:

1 / 11

كلّ ما ترتقي إليه بوهم «١» ... من جلال وقدرة وسناء
فالذي أبدع البرية أعلى ... منه، سبحان مبدع الأشياء
وقال علي ﵁ في بعض وصاياه لولده: «إعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنه إله واحد لا يضاده في ملكه أحد» . وعنه ﵊:
«كل ما يتصور في الأذهان فالله سبحانه بخلافه» .
وقال لبيد بن ربيعة:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل «٢»
وكلّ ابن أنثى لو تطاول عمره ... إلى الغاية القصوى فللقبر آيل
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية «٣» تصفرّ منها الأنامل
وكلّ امرىء يوما سيعرف سعيه ... إذا حصلت عند الإله الحصائل
وروي أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر: أن أشعر كلمة قالتها العرب: «ألا كل شيء ما خلا الله باطل» .
ثم بعد هذا الاعتقاد الإقرار بالشهادة بأن محمدا رسول الله بعثه برسالته إلى الخلائق كافة وجعله خاتم الأنبياء، ونسخ بشريعته الشرائع وجعله سيد البشر والشفيع المشفّع في المحشر، وأوجب على الخلق تصديقه فيما أخبر عنه من أمور الدنيا والآخرة، فلا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بما أخبر به بعد الموت، من سؤال منكر ونكير، وهما ملكان من ملائكة الله تعالى يسألان العبد في قبره عن التوحيد والرسالة، ويقولان له: منّ ربك وما دينك ومن نبيّك. ويؤمن بعذاب القبر وأنه حق، وأن الميزان حق، والصراط حق، والحساب حق، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الله تعالى يدخل الجنة من يشاء بغير حساب وهم المقرّبون، وأنه يخرج عصاة الموحدين من النار بعد الانتقام، حتى لا يبقى في جهنم من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان. ويؤمن بشفاعة الأنبياء ثم بشفاعة العلماء ثم بشفاعة الشهداء، وأن يعتقد فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ويحسن الظن بجميعهم على ما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار. فمن اعتقد جميع ذلك مؤمنا به موقنا فهو من أهل الحق والسنة، مفارق لعصابة الضلال والبدعة.
رزقنا الله الثبات على هذه العقيدة، وجعلنا من أهلها، ووفقنا للدوام إلى الممات على التمسك والاعتصام بحبلها، إنه سميع مجيب. فهذه العقيدة قد اشتملت على أحد أركان الإسلام الخمسة، قال رسول الله ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» .
الفصل الثاني في الصلاة وفضلها
قال الله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ٢٣٨
«٤» . وقال تعالى:
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
«٥» وقال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا ١٠٣
«٦» واختلفوا في اشتقاق اسم الصلاة مم هو، فقيل هو من الدعاء، وتسمية الصلاة دعاء، معروفة في كلام العرب، فسميت الصلاة صلاة لما فيها من الدعاء. وقيل: سميت بذلك من الرحمة. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ
«٧» فهي من الله رحمة ومن الملائكة استغفار، ومن الناس دعاء. قال ﷺ: «اللهم صل على آل أبي أوفى أي ارحمهم» «٨» . وقيل: سميت بذلك من الاستقامة من قولهم صليت العود على النار إذا قومته، والصلاة تقيم العبد على طاعة الله وخدمته وتنهاه عن خلافه، قال الله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
«٩» وقيل لأنها صلة بين العبد وربه.
وعن رسول الله ﷺ قال: «علم الأيمان الصلاة، فمن فرغ لها قلبه وحافظ عليها بحدودها فهو مؤمن» . وعن عمر بن

1 / 12

الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال وهو على المنبر: «إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام وما أكمل لله تعالى صلاة» قيل: وكيف ذلك؟ قال: «لا يتم ركوعها وسجودها وخشوعها وتواضعه وإقباله على الله فيها» . وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «كان رسول الله ﷺ يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه» . وقيل للحسن «١»: ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها؟
فقال: «لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره» . وقال بعضهم: «لا تفوت أحدا صلاة في جماعة إلا بذنب» .
وكانت رابعة العدوية تصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وتقول: والله ما أريد بها ثوابا ولكن ليسر ذلك رسول الله ﷺ. ويقول للأنبياء عليهم الصلاة والسلام:
أنظروا إلى امرأة من أمتي هذا عملها في اليوم والليلة. وقال بعضهم: صليت خلف ذي النون المصري، فلما أراد أن يكبر رفع يديه وقال: «الله» ثم بهت وبقي كأنه جسد لا روح فيه إعظاما لربه جل وعلا، ثم قال: «الله أكبر» فظننت أن قلبي انخلع من هيبة تكبيره. وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود كذب من ادّعى محبتي. وإذا جنّ عليه الليل نام عني، أليس كل محب يحب الخلوة بحبيبه؟.
ولعبد الله بن المبارك رضي الله تعالى عنه:
إذا ما الليل أظلم كابدوه ... فيسفر عنهم وهم ركوع «٢»
أطار الخوف نومهم فقاموا ... وأهل الأمن في الدنيا هجوع «٣»
وكان سيدي الشيخ الإمام العلامة فتح الدين بن أمين الدين الحكم التحريري ﵀، كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات:
يا أيها الراكد كم ترقد ... قم يا حبيبي قد دنا الموعد
وخذ من الليل ولو ساعة ... تحظى إذا ما هجع الرقد
من نام حتى ينقضي ليله ... لم يبلغ المنزل لو يجهد
وكان سيدي أويس القرني «٤» لا ينام ليلة ويقول: «ما بال الملائكة لا يفترون ونحن نفتر» وقال حذيفة ﵁:
«كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» «٥» وقال هشام بن عروة: «كان أبي يطيل المكتوبة «٦» ويقول هي رأس المال» .
وقال أبو الطفيل: «سمعت أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يقول: «يا أيها الناس قوموا إلى نيرانكم فأطفئوها، سمعت رسول الله ﷺ يقول الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر» . وجزّأ محمد بن المنكدر، عليه وعلى أمه وعلى أخته، الليل أثلاثا، فماتت أخته. فجزأه عليه وعلى أمه، فماتت أمه. فقام الليل كله.
وكان مسلم بن بشار إذا أراد أن يصلي في بيته يقول لأهله:
تحدثوا فلست أسمع حديثكم. وكان إذا دخل البيت سكت أهله فلا يسمع لهم كلام. فإذا قام إلى الصلاة تحدثوا وضحكوا ووقع حريق إلى جنبه وهو في الصلاة فما شعر به حتى أطفىء، وكان الحمام يقع على رأس ابن الزبير في المسجد الحرام يحسبه جذعا منصوبا لطول انتصابه في الصلاة. وكانت العصافير تقع على ظهر إبراهيم بن شريك وهو ساجد كما تقع على الحائط.
وختم القرآن في ركعة واحدة، أربعة من الأئمة:
عثمان بن عفان وتميم الداري، وسعيد بن جبير وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم.
ورأى الأوزاعي شابا بين القبر والمنبر، فلما طلع الفجر استلقى ثم قال: عند الصباح يحمد القوم السّرى «٧» .
فقال: يا ابن أخي لك ولأصحابك لا للجمّالين.
وكان خلف بن أيوب لا يطرد الذباب عن وجهه في الصلاة، فقيل له: كيف تصبر؟ فقال: «بلغني أن الفساق

1 / 13

يتصبرون تحت السياط ليقال فلان صبور. وأنا بين يدي ربي أفلا أصبر على ذباب يقع علي.
وقال أبو صفوان بن عوانة: «ما من منظر أحسن من رجل عليه ثياب بيض وهو قائم يصلي في القمر كأنه يشبه الملائكة» وقال الحسن: «ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة ﵍ بنت رسول الله ﷺ، وكانت تقوم بالأسحار حتى تورمت قدماها» . وقام رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه، وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكانت دموعه تقع في مصلاه كوكف المطر «١»، وكان إبراهيم الخليل ﵊ يسمع لقلبه خفقان وغليان، هذا خوف الحبيب والخليل مع ما أعطيا من الإجلال والإكرام وشرف المقام. فالعجب كيف يطمئن قلب من أزعجته الآثام.
وقال رسول الله ﷺ لرجل قال له: ادع الله أن يجعلني رفيقك في الجنة؟ فقال: «أعني على نفسك بكثرة السجود» .
وقال حاتم الأصم رحمه الله تعالى: «فاتتني صلاة الجماعة مرة فعزّاني أبو إسحق البخاري وحده، ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف لأن مصيبة الدين عندهم أهون من مصيبة الدنيا» وكان السلف رضي الله تعالى عنهم يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الأولى، وسبعا إذا فاتتهم الجماعة. وقال ابن عباس ﵄: «ركعتان مقتصدتان في تفكر، خير من قيام ليلة والقلب ساه» .
(وأنشد بعضهم):
خسر الذي ترك الصلاة وخابا ... وأبى معادا صالحا ومآبا
إن كان يجحدها «٢» فحسبك أنّه ... أضحى بربّك كافرا مرتابا
أو كان يتركها لنوع تكاسل ... غطّى على وجه الصواب حجابا
فالشافعي ومالك رأيا له ... إن لم يتب حدّ الحسام عقابا
والرأي عندي للإمام عذابه ... بجميع تأديب يراه صوابا
اللهم أعنّا على الصلاة وتقبلها منا بكرمك ولا تجعلنا من الغافلين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
ومما يستحسن إلحاقه بهذا الفصل ذكر شيء من فضل السواك والأذان.
أما السواك: فقد قال الرسول ﷺ: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» . وقال أيضا:
«صلاة على أثر سواك أفضل من خمس وسبعين صلاة على غير سواك» . وقال حذيفة بن اليمان ﵁: «كان رسول الله ﷺ إذا قام ليتهجد شاص فاه «٣» بالسواك» .
وقال ﷺ: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» . وعنه ﷺ أنه قال: «لو يعلم الناس ما في السواك لبات مع الرجل في لحافه» . وقال أيضا: «أفواهكم طرق لكلام ربكم فنظفوها» . والاختيار في السواك أن يكون بعود الأراك «٤» .
ويجزي بغيره من العيدان وبالسعد والأشنان «٥»، والخرقة الخشنة وغير ذلك مما ينظف. ويستاك عرضا مبتدئا بالجانب الأيمن من فيه، وينوي به الإتيان بالسنة.
والسواك بعود الزيتون يزيل الحفر من الأسنان. وقال الأصحاب يقول عند السواك: «اللهم بارك لي فيه يا أرحم الراحمين» . ويستاك في ظاهر الأسنان وباطنها، ويمر السواك على أطراف أسنانه وأضراسه وسقف حلقه إمرارا لطيفا، ويستاك بعود متوسط لا شديد اليبوسة ولا شديد اللين، فإن اشتد يبسه لينه بالماء، وقد قيل: إن من فضائل السواك أنه يذكر الشهادة عند الموت ويسهل خروج الروح.
وأما الأذان فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «يد الرحمن على رأس المؤذن حتى يفرغ من أذانه» . قيل في قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا
«٦» . نزلت في المؤذنين.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يغفر الله للمؤذن مدى صوته، ويشهد له ما سمعه من رطب ويابس» . وعن معاوية ﵁ قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة» . رواه مسلم.

1 / 14

وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين» . رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا أنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» رواه البخاري.
والأحاديث في فضله كثيرة مشهورة والله ﷾ أعلم.
الفصل الثالث في الزكاة وفضلها
قرن الله ﷾ الزكاة بالصلاة في مواضع شتى من كتابه. قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
«١» . وقال تعالى: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ
«٢» . وقال تعالى:
وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ
«٣» . وعن بريدة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما حبس قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر» «٤»، وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «ما خالطت الزكاة مالا قط إلا أهلكته» «٥» . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ قال: «من كان عنده ما يزكي ولم يزك ومن كان عنده ما يحج ولم يحج سأل الرجعة» «٦» . يعني قوله تعالى: قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ٩٩ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ
«٧» .
ولنلحق بهذا الفصل ذكر شيء من الصدقة وفضلها وما جاء فيها وما أعد الله تعالى للمتصدقين من الأجر والثواب، ودفع البلاء. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ
«٨» . وقال تعالى: وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ
الآية «٩» . والآيات الكريمة في ذلك كثيرة، والأحاديث الصحيحة فيه مشهورة، وروى الترمذي في جامعه بسنده، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال:
قال رسول الله ﷺ: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» . وفي صحيح مسلم، وموطأ مالك، وجامع الترمذي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما نقص مال من صدقة» . أو قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع عبد إلا رفعه الله تعالى» .
ودخلت امرأة شلّاء على عائشة ﵂ فقالت:
«كان أبي يحب الصدقة وأمي تبغضها، لم تتصدق في عمرها إلا بقطعة شحم وخلقة «١٠»، فرأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، وكأن أمي قد غطت عورتها بالخلقة وفي يدها الشحمة تلحسها من العطش، فذهبت إلى أبي وهو على حافة حوض يسقي الناس، فطلبت منه قدحا من ماء فسقيت أمي، فنوديت من فوقي ألا من سقاها، فشل الله يدها فانتبهت كما ترين» .
ووقف سائل على امرأة وهي تتعشى فقامت فوضعت لقمة في فيه، ثم بكرت إلى زوجها في مزرعته، فوضعت ولدها عنده وقامت لحاجة تريد قضاءها، فاختلسه الذئب. فوقفت وقالت: «يا رب ولدي»، فأتاها آت فأخذ بعنق الذئب، فاستخرجت ولدها من غير أذى ولا ضرر، فقال لها: «هذه اللقمة بتلك اللقمة التي وضعتها في فم السائل» .
وعشش ورشان «١١» في شجرة في دار رجل، فلما همت أفراخه بالطيران زينت امرأة ذلك الرجل له، أخذ أفراخ ذلك الورشان، ففعل ذلك مرارا، وكلما فرخ الورشان أخذوا أفراخه، فشكا الورشان ذلك إلى سليمان ﵇ وقال: «يا رسول الله أردت أن يكون لي أولاد يذكرون الله تعالى من بعدي، فأخذها الرجل بأمر امرأته، ثم أعاد الورشان الشكوى، فقال سليمان لشيطانين: «إذا رأيتماه يصعد الشجرة، فشقاه نصفين» . فلما أراد الرجل أن يصعد الشجرة اعترضه سائل فأطعمه كسرة من خبز شعير، ثم صعد وأخذ الأفراخ على عادته. فشكا الورشان ذلك إلى سليمان ﵇، فقال للشيطانين: «ألم

1 / 15