Murug al-dahab wa-maʿadin al-gawhar
مروج الذهب ومعادن الجوهر
فلما كان في صبيحة تلك الليلة دعا المعتمد من حضره في اليوم الأول، فلما أخذوا مراتبهم من المجلس قال لبعض من حضره من ندمائه ومغنيه صف لي الرقص وأنواعه، والصفة المحمودة من الرقص، واذكر لي شمائله. فقال المسؤول: يا أمير المؤمنين، أهل الأقاليم والبلدان مختلفون في رقصهم من أهل خراسان وغيرهم، فجملة الإيقاع في الرقص ثمانية أجناس: الخفيف، والهزج، والرمل، وخفيف الرمل، وخفيف الثقيل الثاني، وثقيله وخفيف الثقيل الأول، وثقيله، والراقص يحتاج إلى أشياء في طباعه ، وأشياء في خلقته، وأشياء في عمله؟ فأما ما يحتاج إليه في طباعه فخفة الروح، وحسن الطبع على الإيقاع، وأن يكون طالبه مرحا إلى التدبير في رقصه والتصرف فيه، وأما ما يحتاج إليه في خلقته فطول العنق والسوالف، وحسن الدل والشمائل، والتمايل في الأعطاف، ورقة الخصر والخفة وحسن أقسام الخلق وواقع المناطق، واستدارة الثياب من أسافلها ومخارج النفس، والإراحة، والصبر على طول الغاية، ولطافة الأقدام، ولين الأصابع، وإمكان لينها في نقلها وفيما يتصرف فيه من أنواع الرقص من الإبل، ورقص الكرة، وغيره، ولين المفاصل، وسرعة الانتقال في الدوران، ولين الأعطاف. وأما ما يحتاج إليه في عمله فكثرة التصرف في ألوان الرقص، وإحكام كل حد من حدوده، وحسن الاستدارة، وثبات القدمين على مدارهما، واستواء ما تعمل يمنى الرجل ويسراها، حتى يكون في ذلك واحدا. ولوضع القدم ورفعها وجهان: أحدهما أن يوافق بذلك الإيقاع، والآخر أن يتثبط، فأكثر ما يكون هو فيه أمكن وأحسن فليكن ما يوافق الإيقاع فهو من الحب والحسن سواء، وأما ما يتثبط به فأكثر ما يكون هو فيه أمكن وأحسن؟ فليسكن ما يوافق الإيقاع مترافعا، وما يتثبط به متسافلا .
قال المسعودي: وللمعتمد مجالسات ومذاكرات ومجالس قد دونت في أنواع من الأدب، منها: مدح النديم، وذكر فضائله، وذم التفرد بشرب النبيذ، وما قيل في ذلك من المنثور والشعر، وما قيل في أخلاق النديم وصفاته وعفافه وأمن عبثه، والتداعي إلى المنادمات والمراسلات في ذلك، وعدد أنواع الشرب في الكثرة، وهيئة السماع وأقسامه وأنواعه، وأصول الغناء ومباديه في العرب وغيرها من الأمم، وأخبار الأعلام من مشهوري المغنين المتقدمين والمحدثين، وهيئة المجالس، ومنازل التابع والمتبوع وكيفية مراتبهم، وتعبية مجالس الندماء والتحيات كما قال العطوي في ذلك:
حي التحية أصحاب التحيات ... القائلين إذا لم تسقهم: هات
أما الغداة فسكرى في نعيمهم ... وبالعشي فصرعى غير أموات
وبين ذلك قصف لا يعادله ... قصف الخليفة من لهو ولذات
وقد أتينا على وصف جميع ذلك في كتابنا أخبار الزمان مما لم يتقدم نه ذكر كصنوف الشراب، والاستعمال لأنواع النقل إذا وضع ذلك في المناقل والأطباق فنضد نضدا، ورصف رصفا، والإبانة عن المراتب في ذلك، ووصف جمل آداب الطبيخ مما يحتاج التابع إلى معرفته، والأديب إلى فهمه من المتولدات في معرفة الألوان، ومقادير التوابل والأبزار، وأنواع المحادثات، وغسل اليدين بحضرة الرئيس، والمقام عن مجلسه، وإدارات الكاسات، وما حكي في ذلك عن الأسلاف من ملوك الأمم وغيرهم، وما قيل في الإكثار والإقلال من الشراب، وما ورد في ذلك من الأخبار، وطلب الحاجات والاستمناحات من أهل الرياسة على المعاقرات، وهيئة النديم وما يلزمه لنفسه، وما يلزم الرئيس لنديمه، والفرق بين التابع والمتبوع، والنديم والمنادم، وما قال الناس في العلة التي من أجلها سمي النديم نديما، وكيفية الأدب في لعب الشطرنج، والفرق بينها وبين النرد، وما ورد في ذلك من الأخبار، وانتظمت فيه من الدلائل والآثار، وما ورد عن العرب في أسماء الخمر وورود التحريم فيها، وتنازع الناس في رد غيرها من أنواع الأنبذة عليها قياسا، ووصف أنواع آنيتها، ومن كان يشربها في الجاهلية ومن حرمها، ووصف السكر، وما قال الناس في ذلك، وكيفية وقوعه: أمن الله أم من خلقه؟ وغير ذلك مما لحق بهذا الباب، واتصل بهذه المعاني، وإنما نذكر هذه اللمع منبهين بها على ما قدمنا فيما سلف من كتبنا.
ثورة تنتهي بموت الموفق وقيام المعتضد
Bogga 135