Murug al-dahab wa-maʿadin al-gawhar
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وبويع أبوجعفر المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب وهو بطريق مكة، أخذ له البيعة عمه عيسى بن علي ثم لعيسى بن موسى من بعده، يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، والمنصور يومئذ ابن إحدى وأربعين سنة، وكان مولده في ذي الحجة سنة خمس وتسعين، وكانت أمه أم ولد يقال لها سلامة بربرية، وكانت وفاته يوم السبت لست خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة فكانت ولايته اثنتين وعشرين سنة إلا تسعة أيام، وهو حاج عند وصوله إلى مكة في الموضع المعروف ببستان بني عامر من جادة العراق، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة ، ودفن بمكة مكشوف الوجه لأنه كان محرما، وقيل: إنه مات بالبطحاء عند بئر ميمون، ودفن بالحجون، وهو ابن خمس وستين سنة، والله أعلم.
ذكر جمل من أخباره وسيره ولمع مما كان في أيامه
رؤيا أم المنصور
ذكر عن سلامة أم المنصور أنها قالت: رأيت لما حملت بأبي جعفر المنصور كأن أسدا خرج من قبلي فأقعى وزار وضرب بذنبه، فأقبلت إليه الأسد من كل ناحية، فكلما انتهى إليه أسد منها سجد له.
المنصور ورفيق سفر ضرير شاعر
وحدث علي بن محمد المدائني أن المنصور قال: صحبت رجلا ضريرا إلى الشام وكان يريد مروان بن محمد بشعر قاله فيه، قال: فسألته أن ينشدني فأنشدني:
ليت شعري أفاح رائحة الم ... سك وما إن إخال بالخيف إنسي
حين غابت بنوأمية عنه ... والبهاليل من بني عبد شمس
خطباء على المنابرفرسا ... ن عليها، وقالة غير خرس
لا يعابون قائلين، وإن قا ... لوا أصابوا، ولم يقولوا بلبس
وحلوم إذا الحلوم استخفت ... ووجوه مثل الدنإنير ملس
قال المنصور: فوالله ما فرغ من شعره حتى ظننت أن العمى قد أدركني، وكان والله ممتع الحديث حسن الصحبة.
قال: وحججت سنة إحدى وأربعين ومائة، فنزلت على الحمارة في جبلي زرود في الرمل أمشي لنذر كان علي، فإذا أنا بالضرير، فأومأت إلى من كان معي أن يتأخروا، فتأخروا، ودنوت منه، فأخذت بيده فسلمت عليه: فقال: من أنت جعلني الله فداك فما أثبتك معرفة؟ قلت: رفيقك إلى الشام في أيام بني أمية وأنت متوجه إلى مروان، فسلم علي وتنفس وأنشأ يقول:
آمت نساء بني أمية منهم ... وبناتهم بمضيعة أيتام
نامت جدودهم وأسقط نهمهم ... والنجم يسقط والجدود نيام
خلت المنابر والأسرة منهم ... فعليهم حتى الممات سلام
فقلت له: كم كان مروان أعطاك؟ فقال: أغنإني فلا أسال أحدا بعده، فقلت: كم؟ فقال: أربعة ألاف دينار وخلع وحملان، قلت: وأين ذاك؟ قال: بالبصرة، قلت: أتثبتني معرفة؟ فقال: أما معرفة الصحبة فقد لعمري وأما معرفة النسب فلا، فقلت: أنا أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين، فوقع عليه الإفكل ، وقال: يا أمير المؤمنين اعذر فإن ابن عمك محمدا صلى الله عليه وسلم قال " حبلت النفوس على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها " ، قال أبو جعفر: فهممت والله به ثم تذكرت الحرمة والصحبة، فقلت للمسيب: أطلقه فأطلق ثم بدا لي في مسامرته رأي، فأمرت بطلبه فكأن البيداء أبادته.
المنصور وأهله يتحدثون عن سير بني أمية
Bogga 472