Murug al-dahab wa-maʿadin al-gawhar
مروج الذهب ومعادن الجوهر
واستخلف عمر بن عبد العزيز يوم الجمعة لعشر بقين من صفر سنة تسع وتسعين، وهو اليوم الذي مات فيه سليمان، وتوفي بدير سمعان من أعمال حمص مما يلي بلاد قنسرين يوج الجمعة لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة، فكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام، وقبض وهو ابن تسع وثلاثين سنة، وقبره مشهور في هذا الموضع إلى هذه الغاية، معظم يغشاه كثير من الناس من الحاضرة والبادية، لم يتعرض لنبشه فيما سلف من الزمان كما تعرض لقبور غيره من بني أمية. وأمه بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. وقيل: إنه قبض وهو ابن أربعين سنة، وقيل: إحدى وأربعين سنة. وقد تنوزع أيضا في مقدار مدته في الخلافة، وقد أتينا على المحصل من ذلك في باب مقدار المدة من الزمان وما تملكت فيه بنو أمية من الأعوام، فيما يرد من هذا الكتاب.
ذكر لمع من أخباره وسيره وزهده رضي الله عنه
كيف آلت الخلافة لعمر
لم تكن خلافة عمر في عهد تقدم: وكان السبب فيها أن سليمان لما حضرته الوفاة بمرج دابق دعا رجاء بن حيوة ومحمد بن شهاب الزهري ومكحولا وغيرهم من العلماء ممن كان في عسكره غازيا ونافرا، فكتب وصيته، وأشهدهم عليها، وقال أنا مت فأذنوا فأذنوا بالصلاة جامعة، ثم أقرؤا هذا الكتاب على الناس، فلما فرغ من دفنه نودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس وحضر بنو مروان فاشرأبوا للخلافة، وتشوفوا نحوها، فقام الزهري فقال: أيها الناس، أرضيتم من سماه أمير المؤمنين سليمان في وصيته. فقالوا: نعم فقرأ الكتاب فإذا اسم عمر بن عبد العزيز ومن بعده يزيد بن عبد الملك، فقام مكحول فقال: أين عمر بن عبد العزيز. وكان عمر في أواخر الناس، فاسترجع حين دعي باسمه مرتين أو ثلاثا، فأتاه قوم فأخذوا بيده وعضديه، فأقاموه، وذهبوا به إلى المنبر فصعد وجلس على المرقاة الثانية، وللمنبر خمس مراقي، فكان أول من بايعه من الناس يزيد بن عبد الملك، وقام سعيد وهشام فانصرفا. ولم يبايعا، وبايع الناس جميعا، ثم بايع سعيد وهشام بعد ذلك بيومين.
خلق عمر ودينه
وكان عمر في نهاية النسك والتواضع، فصرف عمال من كان قبله من بني أمية، واستعمل أصلح من قدر عليه، فسلك عماله طريقته، وترك لعن علي عليه السلام على المنابر، وجعل مكانه ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك غفور رحيم وقيل : بل جعل مكانه ذلك " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي " الآية، وقيل: بل جعلهما جميعا، فاستعمل الناس ذلك في الخطبة إلى هذه الغاية.
بين السدي وعمر
ولما استخلف عمر دخل عليه سالم السدي، وكان من خاصته، فقال له عمر: أسرك ما وليت أم ساءك. فقال: سرني للناس وساءني لك قال: إني أخاف أن أكون قد أوبقت نفسي، قال: ما أحسن حالك إن كنت تخاف، إني أخاف عليك أن لا تخاف، قال: عظني، قال: أبونا آدم اخرج من الجنة بخطيئة واحدة.
وكتب طاوس إلى عمر:
إن أردت أن يكون عملك خيرا كله فاستعمل أهل الخير، فقال عمر: كفى بها موعظة.
أول خطبة لعمر
ولما أفضى إليه الأمر كان أولى خطبة خطب الناس بها أن قال: أيها الناس، إنما نحن من أصول قد مضت وبقيت فروعها، فما بقاء فرع بعد أصله، وإنما الناس في هذه الدنيا أغراض تنتضل فيهم المنايا، وهم فيها نضب المصائب مع كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص، لا ينالون نعمة إلا بفراق أخرى، ولا يعمر معمر منكم يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجله.
بين عمر وعامله على المدينة
وكتب إلى عامله بالمدينة أن أقسم في ولد علي بن أبي طالب عشرة آلاف دينار، فكتب إليه: إن عليا قد ولد له عدة قبائل من قريش ففي أي ولده، فكتب إليه: لو كتبت إليك في شاة تذبحها لكتبت إلي أسود أم بيضاء، إذا أتاك كتابي هذا فاقسم في ولد علي من فاطمة رضوان الله عليهم عشرة آلاف دينار، فطالما تخطتهم حقوقهم، والسلام.
وخطب في بعض مقاماته فقال بعد حمد الله تعالى والثناء عليه: أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، ألا إني لست بقاض، ولكني منفذ، ألا وإني لست بمبتدع، ولكني متبع، إن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بعاص، ولكن الإمام الظالم هو - العاصي، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
تقدير ملك الروم لعمر
Bogga 428