399

Murug al-dahab wa-maʿadin al-gawhar

مروج الذهب ومعادن الجوهر

وكان عبد الملك مواظبا على حث أولاده على اصطناع المعروف، وبعثهم على مكارم الأخلاق، وقال لهم: يا بني عبد الملك، أحسابكم أحسابكم، صونوها ببذل أموالكم، فما يبالي رجل منكم ما قيل فيه من الهجو بعد قول الأعشى:

تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا

وما يبالي قوم ما قيل فيهم من المدح بعد قول زهير :

على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل

حدث عبد الله بن إسحاق بن سلام، عن محمد بن حبيب، قال: صعد الوليد المنبر فسمع صوت ناقوس فقال: ما هذا؟ قيل: البيعة، فأمر بهدمها، وتولى بعض ذلك بيده، فتتابع الناس يهدمون، فكتب إليه الأخرم ملك الروم: إن هذه البيعة قد أقرها من كان قبلك، فإن يكون أصابوا فقد أخطأت، وإن تكن أصبت فقد أخطأوا، فقال: من يجيبة فقال الفرزدق: أنا، فكتب إليه " وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما.

موت الحجاج

ومات الحجاج في سنة خمس وتسعين، وهو ابن أربع وخمسين له بواسط العراق، وكان تأمره على الناس عشرين سنة، وأحصى من قتله صبرا سوى من قتل في عساكره وحروبه فوجد مائة وعشرين ألفا، ومات وفي حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، منهن ستة عشر ألف مجردة، وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد، ولم يكن للحبس ستر يستر الناس من الشمس في الصيف ولا من المطر والبرد في الشتاء وكان له غير ذلك من العذاب ما أتينا علي وصفه في الكتاب الأوسط.

وذكر أنه ركب يوما يريد الجمعة، فسمع ضجة، فقال: ما هذا، فقيل له: المحبوسون يضجون ويشكون ما هم فيه من البلاء، فالتفت، ناحيتهم وقال: اخسأوا فيها ولا تكلمون فيقال: إنه مات في تلك الجمعة، ولم يركب بعد تلك الركبة.

قال المسعودي: ووجدت في كتاب عيون البلاغات مما اختبر من كلام الحجاج قوله: ما سلبت نعمة إلا بكفرها، ولا نمت إلا بشكرها. وقد كان الحجاج تزوج إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - حين أملق عبد الله وافتقر، وقد ذكرنا في كتابنا أخبار الزمان الخبر في ذلك وتهنئة ابن القرية الحاج بذلك.

موت عبد الله بن جعفر

وقد كان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب من الجود بالموضع المعروف، ولما قل ماله سمع يوم الجمعة في المسجد الجامع وهو يقول: اللهم إنك قد عودتني عادة فعودتها عبادك، فإن قطعتها عني فلا تبقني، فمات في تلك الجمعة، وذلك في أيام عبد الملك بن مروان وصلى عليه أبان بن عثمان بمكة، وقيل: بالمدينة، وهي السنة التي كان بها السيل الجحاف الذي بلغ الركن وذهب بكثير من الحجاج.

وفي هذه السنة كان الطاعون العام بالعراق والشام ومصر والجزيرة والحجاز وهي سنة ثمانين.

Bogga 421