Murug al-dahab wa-maʿadin al-gawhar
مروج الذهب ومعادن الجوهر
فأشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الذيل من ولد الأتان وفي زياد وإخوته يقول خالد النجاري:
إن زيادا ونافعا وأبا ... بكرة عندي من أعجب العجب
إن لاجالا ثلاثة خلقوا ... من رحم أنثى مخالذي النسب
ذا قرشي فيما يقول، وذا ... مولى، وهذا بزعمه عربي
بين معاوية وعبد الله بن هاشم المرقال
ولما قتل علي كرم الله وجهه كان في نفس معاوية من يوم صفين على هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال وولده عبد الله بن هاشم إحن، فلما استعمل معاوية زيادا على العراق كتب إليه، أما بعد: فانظر عبدالله بن هاشم عتبة، فشد يده إلى عنقه، ثم أبعث به إلي فحمله زياد من البصرة مقيدا مغلولا إلى دمشق، وقد كان زياد طرقه بالليل في منزله بالبصرة، فأدخل إلى معاوية وعنده عمرو بن العاص، فقال معاوية لعمرو بن العاص: هل تعرف هذا. قال: لا، قال: هذا الذي يقول أبوه يوم صفين:
إني شربت النفس لما اعتلا ... وأكثر اللوم وما أقلا
أعور يبغي أهله محلا ... قدعالج الحياة حتى ملا
لا بد أن يغل أو يفلا ... أشلهم بذي الكعوب شلا
لا خير عندي ... في كريم ولى
فقال عمرو متمثلا:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا
دونك يا أمير المؤمنين الضب المضب فاشخب أوداجه على أسباجه، ولا ترده إلى أهل العراق، فإنه لا يصبر عن النفاق، وهم أهل غدر وشقاق، وحزب إبليس ليوم هيجاء، وإن له هوى سيرديه يه، ورأيا سيطغيه، وبطانة ستقويه، وجزاء سيئة سيئة مثلها، فقال عبد الله: يا عمرو، إن أقتل فرجل أسلمه قومه، وأدركه يومه، أفلا كان هذا منك إذ تحيد عن القتال، ونحن ندعوك إلى النزال، وأنت تلوذ بسمال النطاف، وعقائق الرصاف، كالأمة السوداء، والنعجة القوداء، لا تدفع يد لامس، فقال: عمرو، أما والله لقد وقعت في لهاذم شذقم للأقران ذي لبد، ولا أحسبك منفلتا من مخاليب أمير المؤمنين، فقال عبد الله: أما والله يا ابن العاص إنك لبطر في الرخاء، جبان عند اللقاء، غشوم إذا وليت، هيابة إذا لقيت، تهدر كما يهد العود المنكوس المقيد بين مجرى الشول لا يستعجل في المدة، ولا يرتجى في الشده، أفلا كان هذا منك إذ غمرك أقوام لم يعنفوا صغارا، ولم يمرقوا كبارا، لهم أيد شداد، وألسنة حداد، يدعمون العوج، ويذهبون الحرج، يكثرون القليل، ويشفون الغليل، ويعزون الذليل، فقال عمرو: أما والله لقد رأيت أباك يومئذ تخفق أحشاؤه، وتبق أمعاؤه، وتضطرب أطلاؤه، كأنما انطبق عليه صمد، فقال عبد الله: يا عمرو، إنا قد بلوناك ومقالتك فوجدنا لسانك كذوبا غادرا، خلوت بأقوام لا يعرفونك، وجند لا يسامونك، ولو رمت المنطق في غير أهل الشام لجحظ إليك عقلك، ولتلجلج لسانك، ولا ضطرب فخذاك اضطراب القعود الذي أثقله حمله، فقال معاوية: أيها عنكما، وأمر بإطلاق عبد الله، فقال عمرو لمعاوية:
أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... وكان من التوفيق قتل ابن هاشم
أليس أبوه يا معاوية الذي ... أعان عليا يوم حز الغلاصم
فلم ينثن حتى جرت من دمائنا ... بصفين أمثال البحور الخضارم
وهذا ابنه، والمرء يشبه شيخه ... ويوشك أن تقرع به سن نادم
فقال عبد الله يجيبه:
معاوي إن المرء عمرا أبت له ... ضغينة صدر غشها غير نائم
يرى لك قتلي يا ابن هند، وإنما ... يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم
على أنهم لا يقتلون أسيرهم ... إذا منعت عنه عهود المسالم
وقد كان منا يوم صفين نفرة ... عليك جناها هاشم وابن هاشم
قضى ما انقضى منها، وليس الذي مضى ... ولا ما جرى إلا كأضغاث حالم
فإن تعف عني تعف عن ذي قرابة ... وإن تر قتلي تستحل محارمي
Bogga 351