Murug al-dahab wa-maʿadin al-gawhar
مروج الذهب ومعادن الجوهر
وأما النوبة فافترقت فرقتين: فرقة في شرق النيل وغربية، وأناخت على شطيه، فاتصلت ديارها بديار القبط من أرض مصر والصعيد من بلاد أسوان وغيرها، واتسعت مساكن النوبة على شاطئ النيل مصعدة، ولحاقوا بقريب من أعاليه، وبنوا دار مملكة، وهي مدينة عظيمة تدعئ دنقلة، والفريق الأخر من النوبة يقال لهم علوة، وبنوا مدينة عظيمة وسموها سرية. قال المسعودي: وانتهيت في تصنيفي إلى هذا الموضوع من كتابنا هذا في شهر ربيع الأخر سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وكنت بفسطاط مصر فأخبرت أن الملك في مدينة دنقلة للنوبة كابل بن سرور، وهو ملك أبن ملك ابن ملك فصاعدا وملكه يحتوي على ما قرة وعلوة، والبلد المتصل بمملكته بأرض أسوان يعرف بمريس، وإليه تضاف الريح المريسية، وعمل هذا الملك متصل بأعمال مصر من ارض الصعيد ومدينة أسوان.
البجة
وأما البجة فإنها نزلت بين بحر القلزم ونيل مصر، وتشعبوا فرقا، وملكوا عليهم ملكا، وفي أرضهم معادن الذهب، وهو التبر، ومعادن الزمرد، وتتصل سراياهم ومناسرهم على النجب إلى بلاد النوبة، فيغيرون وسبون، وقد كانت النوبة قبل ذلك أشد من البجة، إلى أن قوتي الإسلام وظهر، وسكن جماعة من المسلمين معدن الذهب وبلاد العلاة وعلاقي و عيذاب، وسكن في تلك الديار خلق من العرب من ربيعه بن نزار بن معد بن عدنان، فاشتدت شوكتهم، وتزوجوا في البجة، فقويت البجه بمن صاهرها من ربيعه، وقويت ربيعه بالبجة على ما ناوأها وجاورها من قحطان وغيوهم من مضر بن نزار ممن سكن تلك الديار، وصاحب المعدن شي وقتنا هذا - وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثماثة - أبو مروان بشر بن إسحاق، وهو من ربيعه، يركب في ثلاثة آلاف من ربيعه وأحلافها من مضر واليمن وثلاثين ألف حراب على النجب من البجة بالحجف البجاوية، وهم الحداربة، وهم المسلمون ممن بين سائر البجة، وباقي البجة كفار يعبدون صنما لهم.
الحبش
وأما الحبشة فاسم مملكتهم كعبر وهي مدينة عظيمة، وهي دار مملكة النجاشي، وللحبشة مدن كثيرة وعمائر واسعة، يتصل ملك النجاشي بالبحر الحبشي، ولهم ساحل لهم فيه مدن كثيرة، وهو مقابل لبلاد اليمن: فمن مدن الحبشة على الساحل الزيلع والدهلك وناصع، وهذه مدن فيها خلق من المسلمين إلا أنهم في ذمة الحبشة، وبين ساحل الحبشة ومدينة غلافقة - وهي ساحل زبيد من أرض اليمن - ثلاثة أيام عرض البحر بين الساحلين، ومن هذا الموضع عبرت الحبشة البحر حين ملكت اليمن في أيام في نواس وهو صاحب الأخدود المذكور في القرآن، وصاحب زبيد في وقتنا هذا إبراهيم بن زياد صاحب الحرملي ومراكبه تختلف إلى ساحل الحبشة، وتركب فيها التجار بالأمتعة، وبينهم مهادنة، وهذا الموضع من البحر بين هذين الشطين - أعني ساحل اليمن، وساحل الحبشة - أقل المواضع فيه عرضا، وهنالك جزائر بين هذين الساحلين: منها جزيرة العقل، يقال: إن فيها ماء يعرف بماء العقل، يستسقي منه أرباب المراكب، ويفعل في القرائح والذكاء فعلا جميلا، وقد ذكر بعض الفلاسفة المتقدمين ما يفعل هذا الماء وماله من الخواص، وذكر علة ذلك، وقد أتينا على الخبر في كتابنا " أخبار أخبار الزمان عند ذكرنا لأخبار المتطببين في تجاربهم وما كان من قضاياهم في علاجاتهم ممن سلف قبل ظهور الإسلام وغيرهم ممن اتصل بالملوك والخلفاء بعد ظهور الشرع، وقد غلب ابن زياد على هذه الجزيرة، وله في هذا الوقت رجال مرتبون فيها من أصحابه.
جزيرة سقرطة وسكانها
Bogga 175