ألا إن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت!» •••
وكأنما كان الناس في حلم، أفاقوا منه بعد ما سمعوه من قول أبي بكر، فقد ذهل الناس من فداحة الخطب عن هذه الآيات القرآنية حتى إذا ذكرهم بها أبو بكر الرزين أيقنوا جميعا أنهم لن يروا النبي بعد.
انتخاب الخليفة
بقيت عقدة خطيرة لا بد من حلها، وهي أن محمدا قد مات، ولم يعين من يخلفه، فلا مندوحة إذن عن انتخاب أمير لهم، ولكن من الذي يعين هذا الأمير؟
أيعينه كل المسلمين؟ هذا حسن، فهل من سبيل إلى تحقيقه؟
لقد كان الوقت عصيبا، وكان من السهل أن يرى الإنسان أمامه أزمة رهيبة وشيكة، وجمهرة من القبائل لن تلبث أن ترتد عن الإسلام؟ إذن يتعين أن يقتصر انتخاب الخليفة على القبيلة التي لها الصدارة والسلطان بين قبائل العرب قاطبة، وثم اجتمع الأنصار «أهل المدينة » الذين عز بهم الإسلام وانتصر، فمن يختارون؟
لا مجال للتردد والحيرة، فأمامهم الفارس النبيل سعد بن عبادة رئيس «الخزرج»، وقد كان من الطبيعي المألوف أن يختاروه - ولم يكن حينئذ قد تم شفاؤه من مرض خطير كان قد ألم به - فحملوه مدثرا مدوجا إلى جمهور المدنيين، وكان ضعيفا من أثر المرض، فلم يستطع إبلاغهم صوته، فقام أحد أصحابه يردد ما يقول.
وقد ذكر سعد بن عبادة أصحابه بأنهم أول من دخل الإسلام من القبائل، وأن نصرته لم تتم إلا بهم بعد، وأنهم لذلك جديرون بالزعامة على العرب قاطبة.
فقابلوا كلامه بالاستحسان والتحبيذ، وأظهر جمهورهم له حماسة شديدة، ونادوا به - في الحال - خليفة لرسول الله، ولكن فئة قليلة منهم أبدت خوفها من رفض المهاجرين هذا الرأي، وعدم رضائهم عنه، فأجابهم أصحابهم: «لا علينا من ذلك، سنقول لهم حينئذ: لقد اخترنا لنا أميرا، فاختاروا لكم أميرا، وافترقوا عنا، فلن نذعن - بحال ما - لغير أميرنا الذي اخترناه.»
ولم يكد يبلغ أبا بكر هذا النبأ، حتى أقبل عليهم بأقصى ما في قدرته من سرعة - ومعه عمر وأبو عبيدة - وما كادوا يصلون، حتى انبرى عمر للكلام، فمنعه أبو بكر - وله كل الحق فيما فعل - خشية من تحمسه واندفاعه، وقال له: «تريث حتى أتكلم، ثم قل ما شئت بعدي؟» •••
Bog aan la aqoon