Mukhtasar Sarim
مختصر الصارم المسلول لابن تيمية
Tifaftire
علي بن محمد العمران
Daabacaha
دار عطاءات العلم (الرياض)
Daabacaad
الرابعة
Sanadka Daabacaadda
١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)
Goobta Daabacaadda
دار ابن حزم (بيروت)
آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال (٧)
مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ
لشيخ الإسلام ابن تيمية
اختصره
العلامة محمد بن على بن محمد البعلي الحنبلي ت (٧٧٨)
تحقيق
علي بن محمد العمران
إشراف
بكر بن عبد الله أبو زيد
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
1 / 1
راجع هذا الجزء
محمد أجمل الإصلاحي
1 / 3
مقَدّمةُ التَّحقيق
نحمدك اللهم على ما أنعمتَ به علينا من بِعْثة هذا النبي الأُمِّي الخاتم، الرؤوف الرحيم، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]، فاللهم إنا نشهد أنه أدى الأمانة، وبلَّغ الرسالة، وقام في أمته أصدق قيام:
فما حملتْ من ناقةٍ فوقَ رحلها ... أبرَّ وأوفى ذمةً من محمد
فَتَرَكَنا على طريقٍ سويٍّ، ومحجَّة بيضاء، وصراطٍ مستقيم، فاجْزِه اللهمّ خير ما جزيتَ نبيًّا عن أُمته.
ثم نحمدك على ما يسَّرت على يديه من الهدى بعد الضلال، والنور بعد الظلام، والرَّشَد بعد الغواية، والعلم بعد الجهالة، والرِّفعة بعد الذلة، والتبصُّر بعد العماية.
أما بعد؛ فمن واجبات الدين المتحتِّمات تعزير نبيِّنا وتوقيره ومحبته وطاعة أمره، بل لا يكمل إيمانُ المرء حتى يكون هو "أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين". كما أوجب علينا أيضًا أحكامًا أخرى في عقوبة من سبَّه أو أهانه أو استهْزَأ به، أو خالف أمره، أو ابتدع طريقة غير طريقته = حمايةً لجنابه الكريم، وتقديسًا لذاته الشريفة، وتنزيهًا لعِرْضه النقي، وصيانة لجاهه العَلِيّ، وحِياطة للشريعة التي جاء بها.
وهذه الأَحكام جميعها بيَّنها العلماءُ في بحوث مستفيضة في مصنفاتهم الفقهية في (أبواب الردة) وفي كتب العقائد، وفي مصنفاتٍ
1 / 5
مستقلة. وكان من أعظم هذه التصانيف - إن لم يكن أعظمها مطلقًا - كتاب "الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ"، لشيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية (٧٢٨) - رحمة الله عليه - وكان تصنيفه له عام ٦٩٣ لحادث اقتضى ذلك (^١).
وقد نثر ﵀ كنانته في جميع مباحث الكتاب ومسائله؛ فحقق وحرَّر، وناقش ودلَّل، وتوسَّع في نقل المذاهب واستطرد، وأتى بما أعجز العلماء عن الدفع والرد، فرجَّح واختار واحتج، فحدِّث عن البحر ولا حرج.
ولعل في الحادثة المشار إليها قريبًا التي اقتضت تأليف الكتاب حافزًا قويًّا لهذا التوسُّع والاستطراد.
وعليه؛ فالكتاب بحاجة إلى شيءٍ من التهذيب والانتقاء حتى يتسنَّى لعموم الناس الانتفاع به والإفادة منه بأقرب طريق، وذلك بتقريب مسائله، وإبراز مقاصده، وتقليل صفحاته (^٢).
فاعتنى بهذا الأمر الشيخُ العلامةُ الفقيه محمد بن علي بن محمد البعلي الحنبلي المتوفى سنة (٧٧٨). والبعليُّ أدرك من حياة شيخ الإسلام بضع عشرة سنة على أقل تقدير، بل تتلمذ لمن توفي قبله مثل اليونيني ت (٧٢٦)، إلا أن الجزم بأنه أخذ عنه أو لقيه بعيد، ولئن فاته ذلك إلا أنه قد أخذ عن تلاميذ شيخ الإسلام مثل ابن القيم وابن عبد الهادي - كما سيأتي - فهو سليل تلك المدرسة المباركة.
(^١) انظر الخبر مفصلًا في "الجامع لسيرة شيخ الإسلام": (ص/ ٣٤٤ - ٣٤٥).
(^٢) ومما يؤيد هذه الحاجة: أن الدكتور صلاح الصاوي قد اختصر الكتاب، ولم أقف عليه.
1 / 6
وللبعلي - أيضًا - عنايةٌ خاصة بكتب شيخ الإسلام واختصارها، فقد اختصر أربعة من كتبه هي "الفتاوى المصرية"، و"الصارم"، و"الاقتضاء"، و"إبطال التحليل" كما سيأتي في ذكر مصنفاته.
وقد وقفت - بحمد الله - على مجموعٍ نفيس يضمُّ هذه المختصرات بخط مؤلفه، فكان من المحفِّزات على صرف شيءٍ من الوقت للعناية بها، فبدأت بهذا المختصر، وثنَّيتُ بمختصر "الاقتضاء" المسمَّى: "المنهج القويم في اختصار الصراط المستقيم". وثلَّثت بـ "مختصر الإبطال" المسمَّى: "شفاء العليل في اختصار إبطال التحليل"، أما "مختصر الفتاوى" فهو مطبوع وإن كان بحاجة إلى مُعَارضته بأصل مؤلفه.
وقد قدمت له بمقدمة لخَّصْتُ فيها فصلًا في تكفير السابّ والمستهزئ بالله أو رسوله، والرد على شُبه المرجئة وأتباعهم، وترجمتُ للمؤلف، وعرّفت بالكتاب وعملي فيه، أسأل الله أن ينفع بهذا المختصر كما نفع بأصله، وأن يكتب الأجر للجميع، مؤلفه ومختصره والمُعْتني به، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه
عليُّ بن محمد العمران
١٩/ ٢/ ١٤٢١
في مكة المكرمة حرسها الله تعالى
ص. ب (٢٩٢٨)
1 / 7
فصل: في كفر الساب والمستهزئ بالله أو رسوله والرد على المرجئة وأتباعهم
من المسائل المهمة التي حرَّرها شيخ الإسلام في "الصارم" مسألة السبّ (سبّ الله أو رسوله) وأنه كُفْرٌ ظاهرًا وباطنًا، سواءٌ اعتقدَ السابُّ تحريم ذلك أو استحلاله، أو كان ذاهِلًا عن اعتقاده.
قال شيخ الإسلام: "وهذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة، القائلين بأن الإيمان قولٌ وعمل".
ثم ذكر بعض نصوصهم في إثبات ذلك، ثم أجابَ عن شُبَه من قال: إنما يكفر مُسْتحلُّ السبِّ، وبيَّن أن هذا قول الجهميَّة الإناث والمرجئة القائلين بأن الإيمان هو مجرَّد التصديق بالقلب وإن لم يُقارنه قولُ اللسان، ولم يقتضِ عملَ القلبِ والجوارحِ.
ولأهمية هذه المسألة، ولانزلاق بعض العصريين فيها، ومتابعتهم لقول أهل البدع من المرجئة والكرّامية، وعدم فهمهم لمذهب أهل السنة والجماعة بسبب هوًى أو شبهة = نلخِّص ما ذكره الشيخ في الأصل - إذ اختصره المصنّف - لعل الله أن ينفع به من شاء من عباده.
قال الشيخ ما ملخصه مع بعض التصرُّف (^١): وهذا موضع لا بدَّ من
(^١) البحث في "الصارم": (٣/ ٩٦٠ - ٩٧٦).
1 / 8
تحريره، ويجب أن يُعْلَم أن القولَ بأن كفر السابِّ في نفس الأمر إنما هو لاستحلالِه السبَّ زلةٌ منكرةٌ وهفوةٌ عظيمةٌ ... وإنما أوقع من وقع في هذه المهواة ما تلقَّوْه من كلامِ طائفةٍ من متأخري المتكلِّمين الذين ذهبوا مذهبَ الجهمية الأولى ...
وليس الغرض استيفاء الكلام، وإنما الغرضُ التنبيهُ على ما يخصُّ هذه المسألة، وذلك من وجوه:
أحدها: أن الحكاية المذكورة عن الفقهاء: "أنه إن كان (أي: السابّ) مُسْتحلًّا كفر وإلا فلا"، ليس لها أصلٌ، وإنما نقلَها القاضي (يعني: أبا يعلى) من كتاب بعض المتكلمين الذين حكَوْها عن الفقهاء، وهؤلاء نقلوا قول الفقهاء بما ظنوه جاريًا في أُصولهم، أو بما سمعوه من بعض المنتسبين إلى الفقه ممن لا يُعَدّ قولُه قولًا ... فلا يظن ظانٌّ أن في المسألةِ خلافًا يجعلُ المسألةَ من مسائل الخلافِ والاجتهاد، وإنما ذلك غلط، لا يستطيع أحدٌ أن يحكيَ عن واحدٍ من الفقهاء وأئمة الفتوى هذا التفصيلَ أَلْبتةَ.
الوجه الثاني: إذا كان سبب الكفر هو الاستحلالُ، فلا فرقَ في ذلك بين سبِّ النبيَّ وبين قذفِ المؤمنين والكذبِ عليهم والغيبةِ لهم، إلى غير ذلك من الأقوال المعلوم تحريمها، فإن من فعل شيئًا من ذلك مُسْتحلًا كَفَر.
الوجه الثالث: إذا كان ذلك كذلك، فلا أثر إذن للسَّبِّ في التكفير وجودًا وعدمًا، فالمؤثِّر - على ما زعموا - هو الاعتقادُ والاستحلالُ. وهذا خلاف ما أجمع عليه العلماء؛ إذ أجمعوا على كفر السابّ استحلّ أو لم يستحلّ.
1 / 9
الوجه الرابع: أن يقال: إذا كان المكفِّر هو اعتقاد حِلِّ السبِّ، فليس في مجرَّد السبِّ استحلالٌ، فينبغي - على قولهم - ألا يُكفَّر، خاصةً إذا قال: أنا أعرفُ أنه حرامٌ، لكن قلتُه عبثًا ولعبًا، أو غيظًا وسَفَهًا (^١).
فيقال لهم: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فإن قالوا: لا يكفرون، قلنا: هذا خلاف نص القرآن، وإن كفَّرتموهم، فهو تكفير بلا مُوْجِب إذا لم يُجعل نفسُ السبِّ مكفِّرًا، وكذا في قوله: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ كفَّرهم بذلك القول الذي صدر منهم، ولم يقل: قد كذبتم في قولكم: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾.
فتبيَّن أن مذهب سلف الأمة ومن اتبعهم من الخلف أن هذه المقالة (أي: السب) في نفسها كفر، استحلَّها صاحبُها أو لم يستحلَّ، والدليل عليه جميع ما قدمنا في المسألة الأولى (^٢) من الآيات والأحاديث، فإنها أدلة بيّنة على أن نفس أذى الله ورسوله كُفْر، مع قطع النظر عن اعتقاد التحريم وجودًا وعدمًا.
ثم ذكر الشيخ ﵀ منشأ هذه الشبهة عند المتكلمين أو من حذا حذوهم، فذكر شبهتين:
١ - أنهم رأوا أن الإيمان هو التصديق، وأن اعتقاد صدقه (أي: الرسول) لا يُنافي السبَّ والشتم، فإن الإنسان قد يهينُ من يعتقد وجوب
(^١) أو سوء تربية، على قول البعض.
(^٢) في "الصارم": (٢/ ٥٨ - ٣٧٨)، و"المختصر": (ص / ٣١ - ٧٧).
1 / 10
إكرامه، كما يترك ما يعتقد وجوب فعله، ثم رأوا أن الأمة قد كفَّرت السابّ، فقالوا: إنما كَفر لأن سبَّه دليل أنه لا يعتقد أنه حرام، واعتقاد حلِّه (أي: السبّ) تكذيب للرسول فكَفَر بالتكذيب لا بالإهانة، والإهانةُ دليل التكذيب، فإذا فُرِض أنه في نفس الأمر ليس بمكذِّب كان في نفس الأمر مؤمنًا، وإن كنَّا نحكم عليه بالظاهر. فهذا مأْخَذ المرجئة والكرّامية.
٢ - وللجهمية مأْخَذٌ آخر، وهو أنه (أي: الساب) قد يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فإذا كان فيه التعظيم والتوقير للرسول لم يقدح إظهار خلاف ذلك بلسانه في الباطن.
وجواب الشبهة الأولى من وجوه:
الأول: أن الإيمان أصله تصديق القلب، وهذا التصديق لا بد أن يُوْرث حالًا له وعملًا، وهو تعظيمُ الرسول وإجلالُه ومحبتُه، وذلك أمر لازم كالتألُّم والتنعُّم عند الإحساس بالمؤلم والمنعم، كالنُّفْرة والشهوة عند الشعور بالملائم والمنافي. وإن لم تحصُل هذه الحال لم ينفع ذلك التصديق شيئًا. وإنما يمنع حصوله وجودُ المعارِض من حَسَد الرسول أو التكبُّر أو نحوه، بل يكون ذلك المعارِض موجبًا لعدم المعلولِ الذي هو حال القلب، فيزول التصديق الذي هو العلَّة، فيذهب الإيمان بالكلية من القلب، وهذا الموجب لكفر من حَسَد الأنبياء أو تكبَّر عليهم.
الثاني: أن يقال: كلامُ الله خَبَر وأَمْر، فالخبر يستوجب التصديق، والأمر يستوجب الانقياد والاستسلام، فإن حصل التصديق والانقياد حصلَ أصلُ الإيمان في القلب وهو الطمأنينة والإقرار.
1 / 11
فإذا تقرَّر ذلك؛ فالسبُّ إهانة واستخفاف، ومُحالٌ أن يُهينَ القلب أو يستخف بمن انقاد له وخَضَع واستسلم، فإذا حصل في القلب استخفافٌ واستهانة امتنع أن يكون فيه إيمان. وهذا بعينه كفر إبليس، إذ هو لم يُكذِّب خبرًا، ولكنه لم ينقد للأمر بل استكبر عن الطاعة.
قال شيخ الإسلام: وهذا موضع زاغ فيه خلقٌ من الخَلَف!
فإذا تقرَّر أنه لا بدَّ من اجتماع التصديق بالخبر والانقياد للأمر الذي هو موجبُ التصديق ومقتضاه وثمرتُه، فمن لم ينقد لأمره فهو إما مكذِّب له أو ممتنع عن الانقياد لربِّه، وكلاهما كفر صريح. ومن استخفَّ به واستهزأ بقلبه امتنع أن يكون منقادًا لأمرِه، فالانقياد إجلال وإكرام والاستخفاف إهانة وإذلال، وهما ضِدان، فمتى حصل في القلب أحدُهما انتفى الآخر، فَعُلِمَ أن الاستخفاف والاستهانة والسبّ تنافي الإيمان منافاة الضدِّ للضدِّ.
الثالث: التفريق بين من يفعلُ الذنبَ تشهِّيًا من غير معاندة أو جحودٍ أو استكبار، وبين من يفعله جُحودًا ومعاندةً.
ثم الامتناعُ والإباءُ من الفعل إما لخللٍ في اعتقاد حِكْمة الآمر وقدرته، فيعود هذا إلى عدم التصديق بصفةٍ من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدِّق به تمرُّدًا أو اتباعًا لغرض النفس، وحقيقته كفرٌ. هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكلِّ ما أخبر به ويصدِّق بكلِّ ما يصدِّق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك ويُبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومُشْتهاه، ويقول: أنا لا أقرُّ بذلك ولا ألتزمه، وأُبغض هذا الحق وأنفر عنه. فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلومٌ بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع، بل عقوبته أشد.
1 / 12