89

(وهو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام) أي يتصور به معانيها ويعلم اعداها وتفاصيلها بقدر الطاعة. والمراد بالوجوه ما مر في قوله وتتبعها وجوه اخر تورث الكلام حسنا وقبولا. وقوله (بعد رعاية المطابقة) أي مطابقة الكلام لمقتضى الحال (و) رعاية (وضوح الدلالة) أي الخلو عن التعقيد المعنوي اشارة إلى ان هذه الوجوه انما تعد محسنة للكلام بعد رعاية الامرين والا لكان كتعليق الدرر على اعناق الخنازير والظرف اعني قوله بعد رعاية متعلق بقوله تحسين الكلام. (وهى) أي وجوه تحسين الكلام (ضربان معنوى) أي راجع إلى تحسين المعنى اولا وبالذات وان كان قد يفيد بعضها تحسين اللفظ ايضا (ولفظي) أي راجع إلى تحسين اللفظ كذلك (اما المعنوي) قدمه لان المقصود الاصلى والغرض الاولى هو المعاني والالفاظ توابع وقوالب لها (فمنه المطابقة وتسمى الطباق والتضاد ايضا. وهى الجمع بين المتضادين أي معنيين متقابلين في الجملة) أي يكون بينهما. تقابل وتناف ولو في بعض الصور سواء كان التقابل حقيقيا أو اعتباريا وسواء كان تقابل التضاد أو تقابل الايجاب والسلب أو تقابل العدم والملكة أو تقابل التضائف أو ما يشبه شيءا من ذلك (ويكون) ذلك الجمع (بلفظين من نوع) واحد من انواع الكلمة (اسمين نحو وتحسبهم ايقاظا وهم رقود أو فعلين نحو يحيى ويميت أو حرفين نحو لها ما كسبت وعليها ما اكتسب). فان في اللام معنى الانتفاع وفى على معنى التضرر أي لا ينتفع بطاعتها ولا يتضرر بمعصيتها غيرها (أو من نوعين نحو أو من كان ميتا فاحييناه) فانه قد اعتبر في الاحياء معنى الحياة وفى الامانة معنى الموت والموت والحياة مما يتقابلان وقد دل على الاول بالاسم وعلى الثاني بالفعل (وهو) أي الطباق (ضربان طباق الايجاب كما مر وطباق السلب وهو ان يجمع بين فعلى مصدر احدهما مثبت والاخر منفى أو احدهما امر والاخر نهى فالاول (نحو قوله تعالى ولكن اكثر الناس لا يعلمون يعلمون) ظاهرا من الحياة الدنيا. (و) الثاني (نحو قوله تعالى ولا تخشوا الناس واخشوني، ومن الطباق) ما سماه بعضهم تدبيجا من دبج المطر الارض إذا زينها وفسره بان يذكر في معنى من المدح أو غيره الوان لقصد الكناية أو التورية واراد بالالوان ما فوق الواحد بقرينة الامثلة فتدبيج الكناية (نحو قوله تردى) من ترديت الثوب اخذته رداء (ثياب الموت حمرا فما اتى لها) أي لتلك الثياب (الليل الا وهى من سندس خضر) يعنى ارتدى الثياب الملطخة بالدم فلم ينقض يوم قتله ولم يدخل في ليله الا وقد صارت الثياب من سندس خضر من ثياب الجنة فقد جمع بين الحمرة والخضرة وقصد بالاول الكناية عن القتل وبالثانى الكناية عن دخول الجنة. وتدبيج التورية كقول الحريري فمذ أغبر العيش الاخضر، وازور المحبوب الاصفر، اسود يومى الابيض وابيض فودى الاسود، حتى رثى لى العدو الازرق، فيا حبذا الموت الاحمر. فالمعنى القريب للمحبوب الاصفر هو الانسان الذى له صفرة والبعيد هو الذهب وهو المراد ههنا فيكون تورية وجمع الالوان لقصد التورية لا يقتضى ان يكون في كل لون تورية كما توهمه بعض (ويلحق به) أي بالطباق شيءان احدهما الجمع بين معنيين بتعلق احدهما بما يقابل الاخر نوع تعلق مثل السببية واللزوم (نحو قوله تعالى اشداء على الكفار رحماء بينهم. فان الرحمة وان لم تكن مقابلة للشدة لكنها مسببية عن اللين) الذى هو ضد الشدة. (و) الثاني الجمع بين معنيين غير متقابلين عبر عنهما بلفظين يتقابل معناهما الحقيقي (نحو قوله لا تعجبي يا سلم من رجل) يعنى نفسه ضحك المشيب برأسه) أي ظهر ظهورا تاما (فبكى) ذلك الرجل فظهور الشيب لا يقابل البكاء الا انه قد عبر عنه بالضحك الذى معناه الحقيقي مقابل للبكاء. (ويسمى الثاني ايهام التضاد) لان المعنيين قد ذكرا بلفظين يوهمان التضاد نظرا إلى الظاهر (ودخل فيه) أي في الطباق بالتفسير الذى سبق ما يختص باسم المقابلة وان جعله السكاكى وغيره قسما برأسه من المحسنات المعنوية (وهى ان يؤتى بمعنيين) متوافقين (أو اكثر ثم) يؤتى (بما يقابل ذلك) المذكور من المعنيين المتوافقين أو المعاني المتوافقة (على الترتيب) فيدخل في الطباق لانه جمع بين معنيين متقابلين في الجملة. (والمراد بالتوافق خلاف التقابل) حتى لا يشترط ان يكونا متناسبين أو متماثلين فمقابلة الاثنين بالاثنين (نحو فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا) اتى بالضحك والقلة المتوافقين ثم بالبكاء والكثرة المتقابلين لهما (و) مقابلة الثلاثة بالثلاثة (نحو قوله ما احسن الدين والدنيا إذا اجتمعا، واقبح الكفر والافلاس بالرجل) اتى بالحسن والدين والغنى ثم بما يقابلها من القبح والكفر والا فلاس على الترتيب (و) مقابلة الاربعة بالاربعة (نحو فاما من اعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، واما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى،) والتقابل بين الجميع ظاهرا لا بين الاتقاء والاستغناء فبينه بقوله. (والمراد باستغنى انه زهد فيما عند الله تعالى كانه استغنى عنه) أي اعرض عما عند الله تعالى (فلم يتق أو) المراد باستغنى (استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة فلم يتق) فيكون الاستغناء مستتبعا لعدم الاتقاء وهو مقابل للاتقاء فيكون هذا من قبيل قوله تعالى اشداء على الكفار رحماء بينهم، (وزاد السكاكى) في تعريف المقابلة قيدا آخر حيث قال هي ان تجمع بين شيءين متوافقين أو اكثر وضديهما (وإذا شرط ههنا) أي فيما بين المتوافقين أو المتوافقات (امر شرط ثمة) أي فيما بين ضديهما أو اضدادها (ضده) أي ضد ذلك الامر (كهاتين الايتين فانه لما جعل التيسير مشتركا بين الاعطاء والاتقاء والتصديق جعل ضده) أي ضد التيسير وهو التعسير المعبر عنه بقوله فسنيسره للعسرى (مشتركا بين اضدادها) وهى البخل والاستغناء والتكذيب، فعلى هذا لا يكون قوله ما احسن الدين إلى آخره من المقابلة لانه اشترط في الدين والدنيا الاجتماع ولم يشترط في الكفر والا فلاس ضده. (ومنه) أي من المعنوي (مراعاة النظير ويسمى التناسب والتوفيق) والائتلاف والتلفيق (ايضا وهى جمع امر وما يناسبه لا بالتضاد) والمناسبة بالتضاد ان يكون كل منهما متقابلا للاخر، وبهذا القيد يخرج الطباق. وذلك قد يكون بالجمع بين الامرين (نحو الشمس والقمر بحسبان) جمعا بين امرين (و) نحو (قوله) في صفة الابل (كالقسى) جمع قوس (المعطفات) أي المنحنيات (بل الاسهم) جمع سهم (مبرية) أي منحوتة (بل الاوتار) جمع وتر جمع بين ثلاثة امور (ومنها) أي من مراعاة النظير ما يسميه بعضهم تشابه الاطراف وهو ان يختم الكلام بما يناسب ابتدائه في المعنى نحو (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير) فان اللطيف يناسب كونه غير مدرك بالابصار والخبير يناسب كونه مدركا بالابصار لان المدرك للشئ يكون خبيرا له عالما به. (ويلحق بها) أي بمراعاة النظير ان تجمع بين معنيين غير متناسبين بلفظين يكون لهما معنيان متناسبان وان لم يكونا مقصودين ههنا (نحو الشمس والقمر بحسبان والنجم) أي والنبات الذى ينجم أي يظهر من الارض له ساق له كالبقول (والشجر) الذى له ساق (يسجدان) أي ينقادان لله تعالى فيما خلقا له، فالنجم بهذا المعنى وان لم يكون مناسبا للشمس والقمر لكنه قد يكون بمعنى الكوكب وهو مناسب لهما (ويسمى ايهام التناسب) لمثل ما مر في ايهام التضاد. (ومنه) أي من المعنوي (الارصاد) وهو في اللغة نصب الرقيب في الطريق (ويسميه بعضهم التسهيم) يقال برد مسهم فيه خطوط مستوية (وهو ان يجعل قبل العجز من الفقرة) وهى في النثر بمنزلة البيت من النظم، فقوله وهو يطبع الاسجاع بجواهر لفظه فقرة ويقرع الاسماع بزواجر وعظه فقرة اخرى، والفقرة في الاصل حلى يصاغ على شكل فقرة الظهر (أو) من (البيت ما يدل عليه) أي على العجز وهو آخر كلمة من الفقرة أو البيت (إذا عرف الروى) فقوله ما يدل فاعل يجعل وقوله إذا عرف متعلق بقوله يدل والروى الحرف الذى يبنى عليه أو آخر الابيات أو الفقرة ويجب تكرره في كل منهما. وقيد بقوله إذا عرف الروى لان من الارصاد ما لا يعرف فيه العجز لعدم معرفة حرف الروى كما في قوله تعالى وما كان الناس الا امة واحدة فاختلفوا ولو لا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم فيما هم فيه يختلفون فلو لم يعرف ان حرف الروى هو النون لربما توهم ان العجز فيما هم فيه اختلفوا أو اختلفوا فيه فالارصاد في الفقرة (نحو وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون) وفى البيت (نحو قوله إذا لم تستطع شيءا فدعه، وجاوزه إلى ما تستطيع. ومنه) أي ومن المعنوي (المشاركة، وهى ذكر الشئ بلفظ غيره لوقوعه) أي ذلك الشئ (في صحبته) أي ذلك الغير (تحقيقا أو تقديرا) أي وقوعا محققا أو مقدرا (فالاول نحو قوله قالوا اقترح شيءا) من اقترحت عليه شيءا إذا سألته اياه من غير روية وطلبته على سبيل التكليف والتحكم وجعله من اقترح الشئ ابتدعه غير مناسب على ما لا يخفى (تجد) مجزوم على انه جواب الامر من الاجادة وهى تحسين الشئ (لك لطبخه، قلت اطبخوا لى جبه وقميصا) أي خيطوا وذكر خياطة الجبة بلفظ الطبخ لوقوعها في صحبة طبخ الطعام (ونحوه تعلم ما نفسي ولا اعلم ما في نفسك) حيث اطلق النفس على ذات الله تعالى لوقوعه في صحبة نفسي. (والثانى) وهو ما يكون وقوعه في صحبة الغير تقديرا (نحو) قوله تعالى قولوا آمنا بالله، وما انزل الينا إلى قوله (صبغة الله) ومن احسن من الله صبغة ونحن له عابدون (وهو) أي قوله صبغة الله (مصدر) لانه فعلة من صبغ كالجلسة من جلس وهى الحالة التى يقع عليها الصبغ (مؤكد لآمنا بالله أي تطهير الله لان الايمان يطهر النفوس) فيكون آمنا مشتملا على تطهير الله لنفوس المؤمنين ودالا عليه فيكون صبغة الله بمعنى تطهير الله مؤكدا لمضمون قوله آمنا بالله ثم اشار إلى وقوع تطهير الله في صحبة ما يعبر عنه بالصبغ تقديرا بقوله (والاصل فيه) أي في هذا المعنى وهو ذكر التطهير بلفظ الصبغ (ان النصارى كانوا يغمسون اولادهم في ماء اصفر يسمونه المعمودية ويقولون انه) أي الغمس في ذلك الماء (تطهير لهم) فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال الآن صار نصرانيا حقا فامر المسلمون بان يقولوا للنصارى قولا آمنا بالله وصبغنا الله بالايمان صبغة لا مثل صبغتنا وطهرنا به تطهيرا لا مثل تطهيرنا. هذا إذا كان الخطاب في قوله قولوا آمنا بالله للكافرين وان كان الخطاب للمسلمين فالمعنى ان المسلمين امروا بان يقولوا صبغنا الله بالايمان صبغة ولم يصبغ صبغتكم ايها النصارى (فعبر عن الايمان بالله بصبغة الله للمشاركة) لوقوعه في صحبة صبغة النصارى تقديرا (بهذه القرينة) الحالية التى هي سبب النزول من غمس النصارى اولادهم في الماء الاصفر وان لم يذكره ذلك لفظا. (ومنه) أي ومن المعنوي (المزاوجة، وهى ان تزاوج) أي توقع المزاوجة على ان الفعل مسند إلى ضمير المصدر أو إلى الظرف اعني قوله (بين معنيين في الشرط والجزاء) والمعنى بجعل معنيان واقعان في الشرط والجزاء مزدوجين في ان يرتب على كل منهما معنى رتب على الاخر (كقوله إذا ما نهى الناهي) ومنعنى عن حبها (فلج بى الهوى) لزمنى (اصخت إلى الواشى) أي استمعت إلى النمام الذى يشى حديثه ويزينه وصدقته فيما افترى على (فلج بها الهجر) زواج بين نهى الناهي واصاختها إلى الواشى الواقعين في الشرط والجزاء في ان رتب عليهما لجاج شئ. وقد يتوهم من ظاهر العبارة ان المزاوجة هي ان نجمع بين معنيين في الشرط ومعنيين في الجزاء كما جمع في الشرط بين نهى الناهي ولجاج الهوى وفى الجزاء بين اصاختها إلى الواشى ولجاج الهجر وهو فاسد إذ لا قائل بالمزاوجة في مثل قولنا إذا جاءني زيد فسلم على اجلسته فانعمت عليه. وما ذكرنا هو المأخوذ من كلام السلفة. (ومنه) أي من المعنوي (العكس) والتبديل (وهو ان يقدم جزء من الكلام على جزء) آخر (ثم يؤخر) ذلك المقدم عن الجزء المؤخر اولا، والعبارة الصريحة ما ذكره بعضهم وهو ان تقدم في الكلام جزءا ثم تعكس فتقدم ما اخرت وتؤخر ما قدمت.

Bogga 270