75

ثم وصفه بالغمر الذى يناسب العطاء دون الرداء تجريدا للاستعارة والقرينة سياق الكلام اعني قوله (إذا تبسم ضاحكا) أي شارعا في الضحك آخذا فيه. وتمامه غلقت بضحكته رقاب المال أي إذا تبسم غلقت رقاب امواله في ايدى السائلين. يقال غلق الرهن في يد المرتهن إذا لم يقدر على انفكاكه. (و) الثالث (مرشحة وهى ما قرن بما يلائم المستعار منه نحو اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم) استعير الاشتراء للاستبدال والاختيار. ثم فرع عليها ما يلائم الاشتراء من الربح والتجارة (وقد يجتمعان) أي التجريد والترشيح (كقوله لدى اسد شاكى السلاح) هذا تجريد لانه وصف بما يلائم المستعار له اعني الرجل الشجاع (مقذف له لبد اظفاره لم تقلم) هذا ترشيح لان هذا الوصف مما يلائم المستعار منه اعني الاسد الحقيقي. واللبد جمع لبدة وهى ما تلبد من شعر الاسد على منكبيه والتقليم مبالغة القلم وهو القطع (والترشيح ابلغ) من الاطلاق والتجريد ومن جمع التجريد والترشيح (لا شتماله على تحقيق المبالغة) في التشبيه لان في الاستعارة مبالغة في التشبيه فترشيحها بما يلائم المستعار منه تحقيق ذلك وتقوية له (ومبناه) أي مبنى الترشيح (على تناسى التشبيه) وادعاء ان المستعار له نفس المستعار منه لا شئ شبيه به (حتى انه يبنى على علو القدر) الذى يستعار له علو المكان (ما يبنى على علو المكان كقوله ويصعد حتى يظن الجهول بان له حاجة في السماء ) استعار الصعود لعلو القدر والارتقاء في مدارج الكمال ثم بنى عليه ما يبنى على علو المكان والارتقاء إلى السماء من ظن الجهول ان له حاجة في السماء. وفي لفظ الجهول زيادة مبالغة في المدح لما فيه من الاشارة إلى ان هذا انما يظنه الجهول واما العاقل فيعرف انه لا حاجة له في السماء لا تضافه بسائر الكمالات. وهذا المعنى مما خفى على بعضهم فتوهم ان في البيت تقصيرا في وصف علوه حيث اثبت هذا الظن للكامل الجهل بمعرفة الاشياء (ونحو) أي مثل البناء على علو القدر ما يبنى على علو المكان لمتناسى التشبيه (ما مر من التعجب) في قوله قامت تظللنى ومن عجب شمس تظللنى من الشمس (والنهى عنه) أي عن التعجب في قوله لا تعجبوا من بلى غلالته قد زر ازراره على القمر. إذ لو لم يقصد تناسى التشبيه وانكاره لما كان للتعجب والنهى عنه جهة على ما سبق، ثم اشار إلى زيادة تقرير لهذا الكلام فقال (وإذا جاز البناء على الفرع) أي المشبه به (من الاعتراف بالاصل) أي المشبه. وذلك لان الاصل في التشبيه وان كان هو المشبه به من جهة انه اقوى واعرف الا ان المشبه هو الاصل من جهة ان الغرض يعود إليه وانه المقصود في الكلام بالنفى والاثبات (كما في قوله هي الشمس مسكنها في السماء فعز) امر من عزاه حمله على العزاء وهو الصبر (الفؤاد عزاء جميلا فلن تسطتيع) انت (إليها) أي إلى الشمس الصعود ولن تستطيع الشمس (اليك النزولا) والعامل في إليها واليك هو المصدر بعد هما ان جوزنا تقديم الظرف على المصدر والا فمحذوف يفسره الظاهر. فقوله هي الشمس تشبيه لا استعارة وفى التشبيه اعتراف بالمشبه ومع ذلك فقد بنى الكلام على المشبه به اعني الشمس وهو واضح. فقوله وإذا جاز البناء شرط جوابه قوله (فمع جحده) أي جحد الاصل كما في الاستعارة البناء على الفرع (اولى) بالجواز لانه قد طوى فيه ذكر المشبه اصلا وجعل الكلام خلوا عنه ونقل الحديث إلى المشبه به. وقد وضع في بعض اشعار العجم النهى عن التعجب من التصريح باداة التشبيه. وحاصله لا تعجبوا من قصر ذوائبه فانها كالليل ووجهه كالربيع والليل في الربيع مائل إلى القصر. وفى هذا المعنى من الغرابة والملاحة بحيث لا يخفى. (واما) المجاز (المركب فهو اللفظ المستعمل فيما شبه بمعناه الاصلى) أي بالمعنى الذى يدل عليه ذلك اللفظ بالمطابقة (تشبيه التمثيل) وهو ما يكون وجهه منتزعا من متعدد واحترز بهذا على الاستعارة في المفرد (للمبالغة) في التشبيه (كما يقال للمتردد في امر انى اراك تقدم رجلا وتؤخر اخرى) شبه صورة تردده في ذلك الامر بصورة تردد من قام ليذهب فتارة يريد الذهاب فيقدم رجلا وتارة لا يريد فيؤخر اخرى. فاستعمل في الصورة الاولى الكلام الدال بالمطابقة على الصورة الثانية ووجه الشبه وهو الاقدام تارة والاحجام اخرى منتزع من عدة امور كما ترى. (وهذا) المجاز المركب (يسمى التمثيل) لكون وجهه منتزعا من متعدد (على سبيل الاستعارة) لانه قد ذكر فيه المشبه به واريد المشبه كما هو شان الاستعارة. (وقد يسمى التمثيل مطلقا) من غير تقييد بقولنا على سبيل الاستعارة ويمتاز عن التشبيه بان يقال له تشبيه تمثيل أو تشبيه تمثيلي. وفى تخصيص المجاز المركب بالاستعارة نظر لانه كما ان المفردات موضوعة بحسب الوضع الشخصي فالمركبات موضوعة بحسب النوع فإذا استعمل المركب في غير ما وضع له فلابد من ان يكون ذلك بعلاقة فان كانت هي المشابهة فاستعارة والا فغير استعارة وهو كثير في الكلام كالجمل الخبرية التى لم تستعمل في الاخبار (ومتى فشا استعماله) أي المجاز المركب (كذلك) أي على سبيل الاستعارة (يسمى مثلا ولهذا) أي ولكون المثل تمثيلا فشا استعماله على سبيل الاستعارة (لا تغير الامثال) لان الاستعارة يجب ان يكون لفظ المشبه به المستعمل في المشبه. فلو غير المثل لما كان لفظ المشبه به بعينه فلا يكون استعارة فلا يكون مثلا. ولهذا لا يلتفت في الامثال إلى مضاربها تذكيرا وتأنيثا وافرادا وتثنية وجمعا بل انما ينظر إلى مواردها كما يقال للرجل بالصيف ضعيت اللبن بكسر تاء الخطاب لانه في الاصل للامرأة

Bogga 237