ولكن إذا كانت القوى المنشئة نادرة، ولم يكتب إلا لأفراد قلائل أن يكونوا شعراء، إلا أن كل رجل يتلقى هذا الروح القدسي الهابط، ويستطيع أن يدرس قوانين سريانه. إن قاعدة الواجب العقلي قلما تحاذي تمام المحاذاة قاعدة الواجب الخلقي؛ فالعالم يطلب إليه إنكار الذات إنكارا تاما، شأنه في ذلك شأن القديس، لا بد له من عبادة الحق، ولا بد له من التخلي عن كل شيء من أجل ذلك، وأن يؤثر الهزيمة والألم، كي تنمو عن سبيل ذلك ثروته الفكرية.
يهب الله لكل عقل الخيار بين الحق والراحة. اختر منهما ما شئت، ولن تستطيع أن تظفر بكليهما، والإنسان بينهما يتذبذب كالبندول؛ فمن تغلب عليه محبة الراحة يقبل أول مذهب، وأول فلسفة، وأول حزب سياسي يقابله، والأرجح جدا أن يتبع أباه. إنه يظفر بالراحة والمتاع وحسن السيرة، ولكنه يغلق باب الحقيقة. ومن تغلب عليه محبة الحقيقة يبقى طافيا بعيدا عن كل مرفأ. إنه يمتنع عن قبول كل عقيدة ثابتة، ويعترف بكل ما ينافيها ويعارضها. ويتأرجح كيانه بين الفضيلة وما يناقضها كأنهما جداران. إنه يستسلم للقلق الذي ينجم عن التردد والآراء التي لم يتم نضجها، غير أنه يطلب الحقيقة، كما لا يطلبها الآخر، ويحترم أسمى قانون من قوانين وجوده.
لا بد له أن يجوب بنعليه دائرة الأرض الخضراء، باحثا عن الرجل الذي يستطيع أن يمده بالحقيقة. ولسوف يعرف عندئذ أن في الاستماع شيئا من القداسة ومن العظمة أكثر مما في الكلام. ما أسعد الرجل المستمع، وما أشقى الرجل المتكلم. ما دمت أستمع إلى الحقيقة فإني أغوص في وسط جميل، ولا أحس حدودا لطبيعتي. وما أصغي إليه وما أشاهده يوحي إلي بآلاف الفكر. إن مياه المحيط العظيم تجد إلى الروح مدخلا ومنها مخرجا. ولكني إن تكلمت، أتحدد، وأحتبس، ويقل شأني. عندما يتكلم سقراط لا يلحق العار بليسس ومنكسنس؛ لأنهما لا يتكلمان. إنهما كذلك من الأخيار. وهو أيضا يذعن لهما، ويحبهما، أثناء كلامه؛ وذلك لأن الرجل الصادق الطبيعي يحتوي الحقيقة - بل هو الحقيقة عينها - التي ينطق بها الرجل العظيم، في حين أن الحقيقة ترى أن الرجل الفصيح غير جدير بإيوائها؛ لأنه يستطيع أن يخرجها من بين شفتيه، فتراه يتجه إلى هؤلاء الصامتين الذين يتصفون بالجمال، وهو إليهم أكثر ميلا، وأشد احتراما. يقول المثل القديم: دعنا نلزم الصمت؛ لأن الآلهة صامتة. الصمت قوة تحطم حدود الشخصية، وتسمح لنا أن نكون عظماء عالميين. يتقدم المرء عن طريق المعلمين المتتابعين. ويبدو أن لكل منهم في إبانه النفوذ الأعظم، ولكن هذا النفوذ يخلي السبيل في النهاية إلى نفوذ آخر. وعلى المرء أن يتقبل كل ذلك بإخلاص. يقول يسوع: «اترك أباك وأمك وبيتك وأرضك واتبعني. من يترك كل شيء يزيد ما يحصل عليه.» وتصدق هذه القاعدة عقليا كما تصدق خلقيا. كل عقل جديد نقترب منه يظهر أنه يتطلب منا أن نتنازل عن كل ما ملكنا في ماضينا وحاضرنا. والمذهب الجديد يبدو أول الأمر هادما لكل آرائنا وأذواقنا وطرائق معيشتنا. هكذا بدا سودنبرج، وكانت، وكولردج، وهجل أو ابن عمه الذي شرح مذهبه، لكثير من الشباب في هذا البلد. خذ عنهم بقلبك شاكرا كل ما يستطيعون تقديمه إليك. استنفد ما لديهم وصارعهم، ولا تسمح لهم بالانصراف حتى تظفر بخيرهم، وبعد فترة وجيزة يتبدد الفزع، ويتلاشى النفوذ الزائد، ولا تراهم بعد ذلك شهبا مرعبة، ولكنهم أنجم جديدة لامعة تشرق صافية في سمائك، وتمزج ضوءها بكل نهارك.
وبينما ترى المرء يستسلم بغير تحفظ لما يجذبه ؛ لأن ذلك من ملكه، تجده يأبى أن يرضخ لما لا يجذبه، مهما يكن ما يحيط به من شهرة وسلطان؛ لأن ذلك ليس من ملكه. إن الاعتماد على النفس اعتمادا كليا من خصائص العقل. إن الروح الواحدة تعادل جميع الأرواح، كما أن عمود الماء الذي ينجذب انجذابا شعريا يوازن البحر. وعليها أن تعامل الأشياء والكتب العبقرية المتسلطة، كما تعامل نفسها المتسلطة كذلك. وإذا كان أيسكلس هو ذلك الرجل الذي عرف بصفات خاصة، فإنه لم يؤد واجبه بعد، حتى إن علم أوروبا المتعلمة ألف عام. فعليه الآن أن يبرهن أنه أستاذ في الإمتاع بالنسبة إلي كذلك، فإن لم يستطع ذلك، فإن كل شهرته لن تجديه عندي شيئا. وما كان أشد سخفي؛ لأني لم أضح بألف أيسكلس في سبيل كمالي العقلي. وقل مثل هذا خاصة فيما يتعلق بالحق المطلق، أو علم العقل. ليس باكون أو سبينوزا أو هيوم أو شلنج أو كانت أو غيرهم ممن يعرض عليك فلسفة عقلية سوى مترجم للأشياء التي في وعيك، والتي لك أنت كذلك سبيلك إلى رؤيتها، وربما إلى التعبير عنها كذلك، وترجمته محرفة قليلا أو كثيرا. فقل إذن إنه لم ينجح في أن يرد إليك وعيك، بدلا من أن تنكب متخاذلا على معانيه الغامضة. إنه لم ينجح، فدع الآن غيره يحاول. وإذا كان أفلاطون لا يستطيع، فلربما استطاع سبينوزا. وإذا لم يستطع سبينوزا، فلربما استطاع كانت. وعلى أية حال، فلسوف تجد بعد هذا كله أن ما يرده إليك الكاتب ليس أمرا عويصا، ولكنه بسيط طبيعي مألوف.
ودعنا الآن نختتم هذه التعاليم. لن أتحدث في المشكلة العامة، مشكلة المفاضلة بين الحب والحقيقة، وإن كان الموضوع يثيرها. ولست أزعم أني أتطفل على سياسة السموات القديمة التي تقول: «إن شاروبيم يعرف كثيرا، وصاروفيم يحب كثيرا.» إن الآلهة سوف تصفي منازعاتها بنفسها. بيد أني لا أستطيع أن أروي - حتى في هذه البساطة - قوانين العقل، دون أن أذكر تلك الطبقة العليا المنعزلة التي بشرت بها وتكهنت أكبر قساوسة العقل الخالص، الذين يعرفون باسم «المفسرين»، أو شراح مبادئ الفكر في مختلف العصور. وعندما نقلب صفحاتهم المبهمة في فترات متباعدة، فما أعجب ما يبدو لنا من هدوء وعظمة من هذه القلة، هؤلاء السادة الروحانيون العظماء، الذين ساروا في هذه الدنيا - أولئك الذين بشروا بالدين القديم - وانكفئوا يعبدون دينا تبدو إزاءه المسيحية المقدسة شيئا مستحدثا شعبيا؛ لأن «الإغراء من خصائص الروح، ولكن الضرورة من خصائص العقل.» هذه العصبة من العظماء، هرميز، وهيراقليطس، وأمبدوكليز، وأفلاطون، وإفلوطين، وأولمبيودورس، وبروكلس، وسنسيس، ومن إليهم، لديهم قوة في المنطق، وابتكار في التفكير، يسبق كل المميزات العادية للبلاغة والأدب، كما يبدو كأنه شعر وموسيقى ورقص وفلك ورياضة في آن واحد. كنت حاضرا عندما بذرت بذرة العالم. إن الروح تضع أسس الطبيعة بهندسة من أشعة الشمس. ويدل على صدق تفكيرهم وجلاله مداه وإمكان تطبيقه؛ لأنه يهيمن على قائمة الأشياء كلها ومجموعها ليوضحه. غير أن ما يميز علو تفكيرهم، بل وما يكسبه نظرة ساخرة إلينا، هو الهدوء البريء الذي يبدو على ملوك الآلهة، هؤلاء الذين يشبهون الأطفال، يبدو عليهم وهم قابعون في سحبهم، يتحدث كل منهم إلى الآخر من عصر إلى عصر، ولا يتحدثون إلى معاصريهم. إنهم على ثقة تامة من أن حديثهم مفهوم، ومن أنه أكثر شيء طبيعي في هذه الدنيا، ومن ثم تراهم يضمون بحثا إلى بحث، دون أن يلتفتوا لحظة إلى الذهول الذي يصيب أفراد الجنس البشري أجمعين ممن هم دونهم، والذين لا يفقهون أشد آرائهم وضوحا. ولا يرضى أحدهم أن يلين فيقحم عبارة عامة أو تفسيرية، ولا يبدي أدنى سخط أو كدر من غباء مستمعيه الذاهلين. إن الملائكة يهيمون بلغة التخاطب في السماء، فلا يشوهون شفاههم بلهجات الناس التي تشبه الصفير الذي يخلو من النغم، ولكنهم يتحدثون بلغتهم، سواء كان هناك من يفهمهم أو لم يكن.
المقالات: المجموعة الثانية
(نشر الكتاب الثاني للمقالات في عام 1884م، ثم نشر بعد ذلك بقليل في إنجلترا. وقد استخدمت المقالات أولا كمحاضرات في صيغ متنوعة أمام أنواع مختلفة من الجماهير، ثم أعيدت كتابتها إعادة كاملة لاستخدامها في الكتاب. وكان استقبال هذا الكتاب أحسن من سابقيه.)
الشاعر
طفل متقلب وحكيم ساذج،
يتابع الشوط بأعين مغتبطة،
Bog aan la aqoon